تأملات في تحولات المعرفة بين الورق والخوارزمية
أثار مقال الكاتبة والصحافية سوسن الأبطح، المنشور في صحيفة الشرق الأوسط، سؤالاً يستحق أن نتوقف عنده طويلاً. فقد تناول ظاهرة لافتة تتمثل في قيام بعض شركات الذكاء الاصطناعي بشراء كتب ورقية، ثم تفكيكها ورقمنتها لتدريب النماذج اللغوية، وما يرافق ذلك من مخاوف تتعلق بمصير الكتاب، وحقوق المؤلفين، ومستقبل القراءة والتأويل.
هذه المخاوف مشروعة، بل إنها تمس جوهر العلاقة بين المعرفة والتكنولوجيا. لكنني، وأنا أقرأ المقال، وجدت نفسي أعود إلى تجربة مختلفة تماماً، تجربة جعلتني أنظر إلى القضية من زاوية أخرى.
بصفتي ناشرة، وكاتبة، وباحثة، وخلال أكثر من خمسة عشر عاماً من العمل في مجال النشر الفكري، شاركت في إصدار مئات الكتب في الفلسفة، والفكر الديني، والتاريخ، والعلوم الإنسانية. وكان الكتاب بالنسبة إليّ دائماً أكثر من منتج ثقافي، بل هو وعاء للذاكرة الإنسانية، ووسيط لنقل الخبرة بين الأجيال.
عندما تغيّر الحرب الأسئلة
لكن الحرب تعيد ترتيب الأسئلة.
في منطقتنا لم يكن السؤال: هل سيقضي الذكاء الاصطناعي على الكتاب؟
كان السؤال الأكثر إيلاماً: هل سيبقى الكتاب موجوداً أصلاً؟
لقد دُمِّرت مخازن كاملة، واختفت مكتبات، واحترقت آلاف النسخ الورقية التي استغرق إنتاجها سنوات طويلة. وعندما دخلنا مستودعات دار نشر مؤمنون بلا حدود بعد الحرب، لم نجد رفوفاً مليئة بالإصدارات، بل وجدنا رفوفاً معدنية خاوية، وأكواماً من الورق المتفحم الذي فقد شكله، لكنه ظل يحمل، حتى بعد احتراقه، أثر الصفحات التي كانت يوماً تنقل المعرفة.
حينها أدركت أن النسخة الإلكترونية ليست بديلاً عن الكتاب الورقي، لكنها قد تكون أحياناً آخر ما يبقى منه. لقد دفعتني هذه التجربة إلى إعادة صياغة السؤال؛ فربما لا يكون السؤال الحقيقي هو: هل يقتل الذكاء الاصطناعي الكتاب؟ بل: كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يغيّر علاقتنا بالكتاب؟
المعرفة لا تموت... بل تغيّر وسائطها
إن التاريخ يعلمنا أن المعرفة لم تكن مرتبطة يوماً بوسيط واحد؛ فقد انتقلت من المشافهة إلى المخطوط، ومن المخطوط إلى الطباعة، ثم إلى النشر الرقمي، وها هي اليوم تدخل مرحلة جديدة يصبح فيها النص قابلاً للتفاعل، والتحليل، والاسترجاع الفوري. ولم تكن هذه التحولات نهايةً للمعرفة، بل كانت إعادة تشكيل لطرائق إنتاجها وتداولها.
ولعل هذا ما تؤكده دراسات تاريخ المعرفة. فقد بيّن المؤرخ البريطاني بيتر بيرك، في أعماله حول التاريخ الاجتماعي للمعرفة، أن تطور أدوات حفظ المعلومات لم يؤدِّ إلى إلغاء الأشكال السابقة، بل إلى إعادة توزيع أدوارها داخل المجتمع.
كما أوضح روجر شارتييه، أحد أبرز مؤرخي الكتاب والقراءة، أن التحول في وسيط القراءة يغيّر بالضرورة علاقة القارئ بالنص، لكنه لا يعني اختفاء النص ذاته، بل ولادة ممارسات جديدة للقراءة والتلقي.
وفي السياق نفسه، أشار الفيلسوف بول ريكور إلى أن النص لا يعيش في الكلمات وحدها، بل في تعدد قراءاته وتأويلاته؛ فالمعنى لا يولد من الكاتب وحده، ولا يستقر في النص بوصفه حقيقة نهائية، وإنما يتجدد مع كل قارئ يدخل في حوار معه.
أين يكمن الخطر الحقيقي؟
من هنا تحديداً أفهم بعض المخاوف التي يثيرها الذكاء الاصطناعي.
فالخطر الحقيقي لا يكمن في أن تساعدنا الآلة على الوصول إلى المعرفة، وإنما في أن تتحول إجاباتها إلى سلطة معرفية نهائية، تُغني الإنسان عن السؤال، وتختزل النصوص إلى خلاصات جاهزة، وتُضعف فعل التأويل الذي يشكل جوهر القراءة الإنسانية.
إن المعرفة لا تنمو بالإجابات وحدها، بل بالأسئلة أيضاً. ولذلك، فإن مستقبل الكتاب لن يتحدد بقدرة الذكاء الاصطناعي على تلخيصه، وإنما بقدرة الإنسان على الاستمرار في قراءته قراءة نقدية.
أجيال جديدة... وطرائق جديدة في التعلم
نحن أبناء جيل تعلّم أن يقضي ساعات طويلة في المكتبات، وأن يتتبع الإحالات والهوامش، وأن يفتش بين الطبعات المختلفة للوصول إلى فكرة واحدة. أما الأجيال القادمة، فمن المرجح أنها ستتعلم بطريقة مختلفة تماماً؛ ستصل إلى المعلومات في ثوانٍ، وستستخدم أدوات لم نستخدمها نحن، وربما ستطرح أسئلة لم تخطر لنا على بال.
وليس في ذلك ما يدعو إلى الخوف.
فكل جيل يعيد بناء علاقته بالمعرفة وفق أدوات عصره، كما أعادت الأجيال السابقة بناء علاقتها بالمطبعة، ثم بالحاسوب، ثم بالإنترنت.
ما الذي ينبغي أن ندافع عنه؟
إن التحدي الحقيقي ليس الدفاع عن الورق في مواجهة الشاشة، ولا عن الإنسان في مواجهة الآلة، وإنما الحفاظ على العقل النقدي بوصفه القيمة التي تمنح المعرفة معناها. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يجمع المعلومات، وأن يقارن بينها، وأن يقترح إجابات مدهشة.
لكنه لا يستطيع أن يتحمل مسؤولية السؤال. ولا يستطيع أن يمتلك الخبرة الإنسانية التي تجعل المعرفة مرتبطة بالأخلاق، وبالتجربة، وبالقدرة على مراجعة الذات.
خاتمة
لهذا لا أخاف على المعرفة.
المعرفة لم تمت عندما ظهرت المطبعة، ولم تمت عندما دخل الإنترنت إلى حياتنا، ولن تموت مع الذكاء الاصطناعي. إنها تتراكم، وتغيّر أشكالها، وتبتكر وسائل جديدة لحفظ نفسها. أما مسؤوليتنا نحن، فلا تكمن في مقاومة المستقبل، بل في ضمان ألا يفقد الإنسان، وسط كل هذا التقدم التقني، أهم ما ميّزه عبر التاريخ: حرية التفكير، وجرأة السؤال، والقدرة على إنتاج معنى جديد.
المراجع
— Peter Burke, A Social History of Knowledge, Polity Press.
— Roger Chartier, The Order of Books, Stanford University Press.
— Paul Ricoeur, Interpretation Theory: Discourse and the Surplus of Meaning, Texas Christian University Press.
— Umberto Eco, The Open Work, Harvard University Press.
*- ملاحظة
جاءت فكرة هذا المقال بعد قراءة مقال الكاتبة سوسن الأبطح المنشور في صحيفة الشرق الأوسط بعنوان "ما قبل تسمم 2022"، والذي أثار نقاشاً مهمًّا حول مصير الكتاب في عصر الذكاء الاصطناعي.
*- ملحق بصري:
من ذاكرة دار نشر مؤمنون بلا حدود :
الصور التالية ليست مادة أرشيفية للتأثير العاطفي، بل وثائق تاريخية تذكر بأن أخطار المعرفة لا تقتصر على التكنولوجيا، وإنما تشمل أيضاً الحروب، والدمار، وضياع الأرشيفات الثقافية.





