"الدولة والدين في الاجتماع العربي الإسلامي" للدكتور عبد الإله بلقزيز


فئة :  قراءات في كتب

"الدولة والدين في الاجتماع العربي الإسلامي" للدكتور عبد الإله بلقزيز

يطلُّ علينا المفكر المغربي عبد الإله بلقزيز بنصٍّ جدلي يستند إلى مقدمات وفرضيات الاجتماع العربي السياسي الملتهب بالمزاوجة بين تحليل الظاهرة في تمظهراتها السياسية وربط المقدّمات بالجذور الفكرية والتاريخية حتى تكون المقاربة فكرية "لا سياسوية، أعني بمفردات الفكر لا بلغة المساجلات والمقاربات الإيديولوجية، لئلا تستمر في لوْك كلام هو إلى الالتباس أقرب". (ص: 14)

اختار المؤلف عنواناً لكتابه الجديد: "الدولة والدين في الاجتماع العربي الإسلامي"، وهو من منشورات منتدى المعارف، بيروت، سنة الطبع 2015، عدد الصفحات: 237. وبهذا الاعتبار، لا نجافي الصواب والحقيقة، إذا قُلنا إنّ مدار تفكير الدكتور بلقزيز هو التفكير في إشكال الدولة في السياق العربي الإسلامي بلواحقه المختلفة والمتباينة من علاقة الدولة بالدين وطبيعة قوام الدولة مدنية أم دينية، ودور العوامل الخارجية والداخلية في انهيار الدولة الوطنية والارتداد إلى نظرية الخلافة والدولة السلطانية...، والشرعية والعنف وطرق تفسير الواقع العربي من منظور مذهبي مؤدلج... إلخ.

وبالجملة نقول إنَّ إشكاليات الدولة والدين والتباسها السياسي والإيديولوجي والنظري في الفكر العربي هو السبب في اهتزاز الاجتماع السياسي العربي وميلاد الخلط الرهيب بين بنيات هجينة في بناء المجال السياسي والشأن الديني.

لعل الناظر في نصوص ومؤلفات ومقالات الدكتور عبد الإله بقلزيز[1] يتحصل لديه أنّ هذا الأخير لا يراهنُ في تأويله أو تحليله لمسألة الدولة على رؤية حديّة (إمّا... و...إمّا) بقدر ما يتطلع بحماس نظري فائق ومُكنة قلّ نظيرها على تركيب المعطيات السياسية والاجتماعية والمعرفية وتحليلها تحليلاً نقديّاً يغرفُ من مجالات متعددة: سوسيولوجيا المعرفة، والتحليل النقدي للخطاب، واجتماعيات الإيديولوجيا وأدوارها، وسيكولوجيا الفرد والجماعة، والاقتصاديات العربية...، وأحسب بذلك أنّ توظيف هذه الفرضيات والمقدمات في تقريب إشكال الدولة والدين إنّما يحتاج، حتماً، إلى تحلّي المؤلف بالموضوعية الممكنة والنزاهة الإجرائية في انتقاء النصوص واستثمار الشواهد والأمثلة لنصب الأدلة والبراهين على دحض هذه الأطروحة أو إثباتها.

*****

جاء كتاب: "الدولة والدين في الاجتماع العربي الإسلامي" للمؤلف عبد الإله بلقزيز، موزعاً على مقدمّة ومدخل وثمانية فصول مرتّبة على ثلاثة أقسام.

أوضحتْ مقدّمة الكتاب سياق تحريره وتأليفه الذي لا يعود إلى موجات الربيع العربي ومظاهره السياسية والاجتماعية، وإنّما يعودُ إلى أنّ "التعقيد والتأزم في العلاقة بين الدولة (السياسة) والدين، ما كانا يوماً بالحجم والخطورة اللذين أمسيا عليهما منذ اندلاع حوادث "الربيع العربي" وإلى يوم الناس هذا، إلّا أنّ العلاقة هذه ظلت متوترة وملتبسة..." (ص: 10). ويعني أنّ فشو ظاهرة استغلال الرأسمال الديني في مجريات السياسة والصراع على السلطة هو المبرر الموضوعي لإعادة النظر في مسالك علاقة الدين بالدولة عن طريق الاندماج والاستقلال والإقصاء...، يصير المآلُ بعد صعود الحركات الإسلامية الحزبية أو "الإسلام الحزبي" إلى ممارسة العنف وانتشار التطرف، وهو يفسّر التركيب المهول الذي عرفته الدولة الوطنية من مواريث النظام الكولونيالي ومواريث النظام السلطاني. (ص: 11)

والحقُّ، أنّ التداخل الماهوي بين الدين والدولة[2] قد امتدّ وتجلى بوضوح في رفع الطلب الإيديولوجي، كما يقول بشلير، تطبيق الشريعة وتحكيم الدين في السياسة من مطلب إيماني إلى مطلب سياسي، "لذلك آثاره الفادحة التي نراها اليوم، وقد باتت توشك أن تصبح خارج السيطرة" (ص: 11). كما تبدي مقدمة الكتاب رؤيتها المنهجية وتوسلها المعرفي بأنّ النظر الإشكالي في مسألة الدين والدولة، في هذا المعرض، هو "توسعة دائرة المنظور المنهجي بحيث يستفيد من أدوات تاريخ الفكر، وتاريخ الحركات الاجتماعية والسياسية (تاريخ الوقائع) وعلم اجتماع السياسة" (ص: 13)، زيادة إلى ذلك اعتبار د. بلقزيز أنّ العلاقة بين الديني والسياسي في الاجتماع العربي الحديث والمعاصر لم تحظ باهتمام علمي كبير، "... لكنّ قليلين فقط هم أولئك الذين عنوا بمقاربة المسألة في تاريخنا الحديث" (ص: 13).

كما جاء مدخل الكتاب لبيان الفرضيات السائدة والمألوفة في مقاربة قضية الدين والدولة في فكرنا العربي، والتي يجدر بنا تقويمها تقويماً نقدياً عميقاً. ومن بين هذه الفرضيات التداخل الحاصل بين الديني والسياسي كتعبير وانعكاس آلي على أزمة المجال السياسي العربي.

فهذا الأخير الذي أضحى مرتع الهشاشة والفوضى بعلّة التفاوت في التطور بين البنية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية (ص: 15)، والتباعد بين القوى المحافظة والقوى الحداثية الوطنية. وكلُّ ذلك من شأنه أن يعكس أيضاً "الوجه الحاد من أزمة السياسة والدولة في الوطن العربي يفصح عن نفسه من خلال حالتين متفاوتتين في الخطورة: العنف السياسي والحرب الأهلية" (ص: 16). فانظر كيف كانت السياسة في دلالتها الحديثة والمعاصرة تروم "تنظيم الصراع الاجتماعي وضبطه بقواعد قابلة للاحترام وللاحتكام إليها" (ص: 17). فيعني هذا على جهة السلب أنّ غياب تلكم القواعد المنظمة للفضاء العمومي والشأن السياسي يفسح المجال لنشوء العنف والجنوح إلى القوة المادية والتكالب على السلطة والنفوذ. يقول بلقزيز في هذا الإطار: "وحين لا تمارس السياسة بهذا المعنى المدني السلمي، فيجنح من يمارسها لاستخدام أدوات غير سياسية مثل العنف المسلح" (ص: 18). وبهذا الاعتبار، يشترط في رفع هذه الآفة، آفة العنف، من خلال التفكير النظري والمعرفي في علاقة الدين بالدولة، أو ـ قلْ - بلغة منطقية كيف يكون النظر إلى علاقة الدين بالدولة، هل من جهة المقوم الذاتي أو اللازم العرضي؟

ننعطف، ونسوق جواب بلقزيز بأنّ أزمة الدولة والسياسة هي من "فعل السياسة لا من فعل الدين (...)، وذلك لأغراض سياسية لا علاقة للدين بها، حتى وإنْ استخدموا في ذلك مفردات الدين، وادّعوا ما بينه وبين السياسة والدولة من صلة.." (ص: 20). وهي دعوة إلى تسخير العقل النقدي لمعضلة تلبّس السياسي بالديني، أو ركوب الديني على أمواج السياسية نحو فكّ الارتباط بينهما بالمعنى الرشدي الدقيق. وبكلمة، نقول لقد قدّم عبد الإله بلقزيز في مقدّمة ومدخل "الدولة والدين في الاجتماع العربي الإسلامي" مقدّمات نظرية ومداخل للتفكير في الديني والسياسي.

أمّا القسم الأول: "موضوعات نظرية وتاريخية في الدولة والدين" فهو يضمُّ الفصل الأول: "الدولة والدين في الاجتماع السياسي"، ويرصد معطيات نظرية وتاريخية في السياق العربي الإسلامي لعلاقة الدولة بالدين وطرق التماهي أو الإقصاء. فالتماهي هو محاولة استعارة مفردات دينية لمآرب سياسية من أجل تأسيس المشروعية السياسية على الدين (ص: 39)، والإقصاء هو العمل على إخراج الدين من المجال السياسي العمومي بقوة القانون والتشريع. غير أنّ "الآثار التي تنجم عن النمطين معاً تكاد تكون متشابهة، حتى لا نقول واحدة، وأكثر تلك الآثار المتشابهة جلاء ميلاد مشكلة سياسية لنظم الحكم، في دول الاستتباع ودول الإقصاء على السواء، اسمها الحركات السياسية الإسلامية أو ما يُدعى بـ"الإسلام السياسي" (ص: 45).

من نافلة القول إنّ التراث السلطاني الفقهي قد رسّخ معالم التوسل بالدين في السياسة أو توظيف الدين في ترسيخ مشروعية الدولة، غير أنّ صعود الحركات السياسية الإسلامية اليوم قد أسهم بصورة فادحة في إقحام الدين في السياسة. وهذا يرجع، بطبيعة الحال، إلى الإخفاق السياسي لحركات اليسار الديمقراطي والاشتراكي والانسداد السياسي وسيادة الاستبداد العربي النظامي (ص: 50) فضلاً عن ذلك عامل الفراغ السياسي.

ولعل من التوصيات الأساسية التي نلتقطها من مقول د. بلقزيز، ضرورة إعادة قراءة المشروع الإسلامي السياسي قراءة فكرية ومعرفية لا عقل إيديولوجي حتى يوضع في رصيده "ميزان التقييم الموضوعي" (ص: 54) ثم بناء مجال سياسي حديث يعمل بقواعد الحقوق المدنية والتشريعية والقانونية. إذ بهذا، "تستقيم فيه العلاقة بين الدولة والدين، فلا تعود تطرح مشكلاتها على المجتمع والحياة السياسية" (ص: 60).

والفصل الثاني: "الديني والسياسي في السياقات المعاصرة" إنّما جاء تكملة لإشكال علاقة الديني بالسياسي في الفصل السابق. بيد أنّ بقلزيز ينخرط في بيان تفاصيل فعل السياسة وفعل الدين، وطبيعة مجاليهما. فالمجال السياسي هو مجال صراع المصالح الدنيوية وتنظيم الاجتماع الإنساني على قواعد مدنية عمومية، بالضدّ يكون مجال الدين مجالاً خاصّاً بالأفراد المؤمنين. فلمّا كان التوسع الاستعماري والكولونيالي على البلاد العربية متنامياً، فإنّ استثمار الدين كقوة مادية ومعنوية في الصراع من الفواعل والمحركات الإيجابية الدافعة نحو التحرر الوطني. والغريب أنّ هذا الدين ذا العلاقة المحمودة مع السياسة يصير قوة تدمير وخراب العمران حينما يتحول إلى حلبة الصراع الإيديولوجي والمذهبي داخل المجتمع الواحد (ص: 63)، والذي تضاعف مع "الإسلام الحزبي".

يتأدى على ذلك أنَّ الخروج من هذا النفق المظلم لا يتحصل، في نظر بلقزيز، إلا بقبول العلمانية كقاعدة للدولة ونظام الحكم كي يتوقف الخلط غير "المشروع بين الدولة والدين" (ص: 78). وهذا للأسف يتطلب زمناً طويلاً "قبل أن تعيد الحركات الإسلامية النظر في موقفها من العلمانية فتتحول على خط سير المسيحية الديمقراطية الغربية والإسلام السياسي التركي" (ص: 81).

والقسمُ الثاني: "الدولة والدين: علاقات تبادل" يحتوي على ثلاثة فصول: الفصل الثالث: "الدين والدولة والحاجات الافتراضية: هل الدولة في حاجة إلى الدين؟" الذي أقرّ فيه د. بلقزيز فكرة في غاية الأهمية؛ وهي أنّ تصاعد نفوذ الإسلام السياسي إيديولوجياً واجتماعياً هو مبررٌ كافٍ لإعادة تفسير إشكاليات الدين والدولة في الوعي العربي المعاصر، معنى هذا النظر في بنية الدولة العربية وتركيباتها ووظائفها كما وجدتْ في "التاريخ، وخضعتْ في تكوينها وتطورها لقوانين التاريخ". (راجع تفاصيل هذه الرؤية، ص: 88 إلى 92). إذن فالدولة، بالمعنى الواقعي، هي كيان سياسي مستقل تاريخي لا يستلهم فكرة متعالية من خارجها. وينجمُ عن هذا أنّ الدولة هي جسم اصطناعي مؤسس على تعاقد اجتماعي وقواعد التنظيم الاجتماعي وتدبير الصراع عن طريق التحالف والتوافق.

ومن نوافل القول إنّ الدولة ليست في حاجة إلى الدين، وإن ظهرتْ جملة من الأمثلة التاريخية والشواهد الواقعية على ذلك...، فإنّ "ما حصل من تلازم بين الدولة والدين، في جزء آخر من التاريخ، وفي أزمنة منه متطاولة، لا يكفي ليكون قرينة على أنّ العلاقة ماهوية بين الدين والدولة، وأنّ الثانية يمتنع قيامها من دون الدين" (ص: 96). وجاء الفصل الرابع: "الدين والدولة والحاجات الافتراضية: في أنّ الدين مستغنٍ عن الدولة"، لنقد فرضية حاجة الدين وانتشاره في أرجاء الأرض. وقد استند المؤلف إلى مستندات تاريخية واجتماعية وسياسية، رغم تواجد شواهد معتبرة على إسهام الدولة التاريخية في نشر الدين، لبيان أنّ الدين توسع في الناس عبر بنيات المجتمع وطبقاته وفئاته وتياراته...، يقول د. بلقزيز في هذا المعرض: "هذا ردٌّ على المستدلين بوقائع التاريخ لإثبات الفرضية المشار إليها، غير أنّ الأهم من دحض الدليل بيان وجوه القصور فيه، الاستدلال بوقائع تاريخية أخرى يتأكد أنّ الدين وجد لنفسه أقنية للانتشار والفشوّ بعيداً عن سلطة لدولة حاملة، ووجد لنفسه فرص الالتقاء والتوسع على الرغم من أنّه يقع تحت سلطان دولة غير إسلامية" (ص: 108-109). ويقول كذلك: "تجربة تاريخية حديثة تتكرر بها حجة دروس التاريخ الإسلامي من أزمنة ماضية لم يكن الدين فيها، كما اليوم، في حاجة إلى الدولة، لأنّ إطاره الموضوعي الذي حمله وحماه وأشاعه، هما الجماعة والأمّة" (ص: 116). ويتحصل ممّا تقدم أنّ النمطين الإلحاقي والإقصائي لهما نتائج مهولة ورهيبة على الفرد والجماعة والمجتمع الإنساني.

يطمح الفصل الخامس: "في المذهبية والتمذهب" إلى بيان خطورة الانقسام المذهبي والطائفي، وسبب توظيف النص الديني وتأويلاته المغرضة والمفلسة لصالح فئة مغلقة ضيقة الأفق التاريخي والمرمى النظري.

هكذا، رصد المؤلف من خلال تاريخ الأفكار والمذاهب عوامل ميلاد التمذهب والمذهبيّة، وهي: العامل السياسي، أي الصراع على السلطة والتشريع للعقل السنّي أو الشيعي بأحكام سياسية في ثوب فقهي، والعامل الاجتماعي (اجتماعيات التمذهب) يعني دور البنية القبلية والعصبية والجغرافيا في نشوء الانقسام والدعوة إلى الفتنة. والعامل الثالث هو العامل الثقافي الذي اعتبره بلقزيز من مواريث الاعتقادات والتصورات العالقة في بنية الفرد السيكولوجية والاجتماعية والمندمجة في تكوينه دون قدرته ومستطاعه الانفلات منها. وبالتالي "لا يمكنه أن يحرره بسهولة أو يسر من تأثير عقائده وقيمه التي كان عليها قبْلاً، وخاصة حينما يكون اعتناقه للدين الجديد (الإسلام)..." (ص: 140)، هذه بعضٌ من تلك العوامل المُساهمة في ميلاد الانقسام والانشقاق داخل الأمّة والجماعة.

وبعد كلّ هذه الاعتبارات والأسباب المتقدمة، أثبت د. بلقزيز جملة من الأفكار وهي:

- المذهبية هي ظاهرة لانعدام الاندماج الديني.

- التمذهب لحظة طبيعية في تاريخ الأديان بفعل اعتقاد المؤول والمفسر امتلاكه للدين "القويم والصحيح".

- إلغاء المذهبية أمر مستحيل، لذلك المطلوب هو إرساء علاقة جديدة بين المذاهب بفعل الاعتراف المتبادل وقاعدة التسامح وإبعادها عن الفضاء العمومي (راجع التفاصيل، ص: 152 إلى156).

- إعادة بناء المجال السياسي وتحريره من عوامل الانقسام وأسباب الفتنة ومعاقل الانشقاق هو الطريق الأجود لتدبير الدولة بقواعد تشريعية ومدنية.

ولننعطف ونقول إنّ القسم الثالث: "في الإسلام السياسي المعاصر" بفصوله الثلاثة هو تعبير عن وتيرة متنامية في نقد أصول ومبادئ الإسلام الحزبي عن طريق تحليل منشوراته ومقالاته وبياناته وأيضاً تنظيماته. من هنا جاء الفصل السادس: ما "الإسلام السياسي"؟ لبيان مفارقات هائلة للخطاب السياسي العربي المرتد حيناً والمتقدّم حيناً آخر. فلمّا كان "الإسلام الحزبي" هو القول بتطبيق الشريعة وإقامة دولة دينية، فإنّ مسلكها الإيديولوجي هو تقويض شرعية الدولة الوطنية. وينتجُ عن ذلك ارتداد هذا القول السياسي على منجزات ومكتسبات خطاب الإصلاحية الإسلامية والنهضة الحديثة. والحق أنّ هذا التصور السياسي الإسلامي نابع عن قناعة راسخة بأنّ السلطة والخلافة من الأمور المركزية، واعتبار أنّ الإسلام هو نظام حياة متمثلة في النظام السياسي والاجتماعي. هكذا يتحول الإسلام، كما يقول بلقزيز، من عقيدة توحيد إلى إيديولوجيا التقسيم (ص: 165)، بل والأكثر من ذلك يوسم "الإسلام الحزبي" بأنّه طائفي ومذهبي بامتياز، إذا لم نشهد اليوم وأمس وغداً حزباً إسلامياً يضمّ طوائف ومذاهب من شتى المشارب والمنابع من سنّة وشيعة، إذن لا مِرْية من اعتبار هذا التصور ضرباً من المحال.

وراهن أيضاً الفصل السابع: "اجتماعيات "الإسلام الحزبي" وسياساته" على تحليل الأصول الاجتماعية والقاعدية لنشوء ظاهرة "الإسلام الحزبي". يعني الوقوف عند "الأسباب والعوامل التي وفرتْ لميلاده واستمراره البيئة المناسبة والأرض الخصيبة وجعلت منه ما يشبه الثمرات المرّة لها" (ص: 181).

وتقعُ أسباب وعوامل ميلاد "الإسلام الحزبي" ودوره في خراب وتدهور السياسة ومدارها في ستة أمور:

- أزمة الدولة الوطنية في تغييبها لمشروع وطني يعبّر عن طموحات الأفراد والمجتمع بصورة تؤسس للعدالة والمساواة والقانون، بل -قلْ- تبرير إيجابية الدولة الوطنية "نفسه أمام القسم الأعظم من المجتمع والشعب" (ص: 182).

- لقد أدّى تدهور الوضع الاجتماعي والاقتصادي للفئات المهمّشة والمكلومة إلى انخراطهم، بوعي أو بدون وعي، في حركات احتجاجية حادة، وهذا ما جعل الأرضية مهيّأة لحركة "الإسلام الحزبي" لركوب موجة المسألة الاجتماعية. يقول بلقزيز معلقاً على هذا المشهد بقوله: "وقد تكون قوى "الإسلام الحزبي" صدّقت شعاراتها وطوباها الجديدة، وصدّقت أنّ في الوسع اجتراح إمكان تحقيقها، كما قد لا يكون صدقّت أنّ يصبح ذلك في حكم الإمكان" (ص: 187).

- انهيار النظام التعليمي في الوطن العربي وتكوينه لعقول فارغة حافظة مستذكرة غير مبدعة وناقدة لمجريات الأحداث ومشاهد الواقع. وبهذا الاعتبار، لا إخال أنّ التعليم والتربية وتدهورهما إلا منفذاً مطمئناً لنشوء الإسلام السياسي الحزبي والتقاطه اليسير للمتعلمين وإقحامهم في مشروعهم السياسي (ص: 191).

- لا نتزيد في القول والحكم على حد سواء بأنّ أزمة المؤسسة العلمية التقليدية الرسمية وفّرتْ لحركات الإسلام الحزبي غطاء إيديولوجياً لتعاظم نموها ومسارها وتحويل الدين إلى لعبة تأويلية سياسوية.

- إنّ غياب الإصلاح الديني من الفكر الإسلامي العربي يشي بانتشار السلفيات والأرثوذوكسيات في بنيات المجتمع وشرائحه. فإخفاق "الإسلام المعاصر في إنتاج لحظة الإصلاح الديني وإشاعة ثقافتها وقيمها (الاجتهاد، التجديد، التسامح، إسقاط الوسائط...)، ذو أثر حاسم في توفير البيئة المناسبة لميلاد وفشو أفكارها في المجتمع واتساع نطاق المنتمين إليها..." (ص: 198).

- من نافلة القول إنّ تراجع المدّ اليساري والتيار الليبرالي وإحداث الفراغ السياسي في الواقع العربي أدى إلى هيمنة تيار الإسلام الحزبي واستحواذه على جوانب من الواقع السياسي والاجتماعي بفعل الديماغوجية والمخاطبة.

وأمّا الفصل الثامن: "حصاد الإسلام الحزبي" فهو تقويم حصيلة المشروع السياسي الإسلامي في الأداء والتفكير والطموح. يقول د. بلقزيز في عبارة جامعة لحصاد هذا المشروع: "إنّ هذا الحصاد السيء ثمرة لمشروع سياسي أخطأ النظر إلى مسألة الدولة والسلطة، واستعمل الدين في صراعاته. وهو خطأ يردّ إلى نوع الثقافة السياسية الذي ساد بيئات الحركات الإسلامية..." (ص: 201). والاستفاضة في هذا الكلام يعتبر المؤَلف أنّ ميلادها وثمرتها المرّة أسهمت في تحصيل الانقسام العربي ونشوء المذهبية وتشويه صورة الإسلام في الداخل والخارج وإشاعة العنف السياسي...، ممّا خلف التصدّع في الاستقرار السياسي العربي. فدخول الإسلام الحزبي هو دخول لعاملين "جديدين على السياسة: استغلال رأس المال الديني في العمل السياسي واستدخال العنف كأسلوب في السياسة" (ص: 209).

ومن الواضح أيضاً أن ّالإسلام الحزبي انتخب العامل الديني كمحدد للمواطنة والانتماء المذهبي والطائفي بدلاً من العامل الوطني، ممّا أفقد مشروعية بناء المجال السياسي العربي بمنأى عن القناعات العقدية والدينية والمذهبية. كما ينبغي ألّا يغيب عن الحسبان أنّ "سياسة استدراج التدخل الأجنبي - وهي ما انتهى إليه سلوك "الإسلام الحزبي" - لا يترجم في الواقع، سوى ذلك النقص الحادّ في الوطنية لدى من سلكوا ويسلكون هذا الدرب" (ص: 222). فكلّ هذه النتائج والانعكاسات إنّما مردّها إلى أنّ مشكلة الإسلام السياسي عامة هي مشكلة فكرية قبل أن تكون سياسية.

وبيانُ ذلك أنَّ الناظر في كُرّاساتهم ومقالاتهم وما يُذيعونه من بيانات يتبيّن له مدى خروجها عن منجزات الاجتهاد النهضوي والإصلاحي العربي الحديث من تنويرية محمد عبده والأفغاني ومن عقلانية خير الدين التونسي وأبي الضياف وليبرالية الطهطاوي...، إنّه تراث تمّ تخطيه لا بالامتلاك والاستيعاب بل بالشطب الإيديولوجي. من هنا، حرّر الشيخ حسن البنا رسائله بلغة أقرب إلى مؤلفات محمد رشيد رضا المتأخرة التي لا نلمس فيها وبين طياتها إلا الدعوة إلى الإمامة العظمى (ص: 224).

الأدهى ممّا تقدم، أنّ "الإسلام الحزبي" لم يكن في مُكنتِه الخروج من نفق الهزيمة والارتداد على الحرية الليبرالية والعدالة الاجتماعية وترسيخ الاستبداد وأصوله والنظام الشمولي وتهميش المعارضة...، وما أشبه ذلك. ومعنى هذا أنّ مشروع الإسلام السياسي العربي في تضادٍّ مع ما يُقدمه الإسلام التركي من معادلة ناجحة بين الدين والحداثة، والوطنية والشريعة...، كلُّ ذلك من شأنه أنْ يشي عن أفق تعاطي المثال التركي مع تراثه العثماني الإصلاحي النهضوي منذ القرن التاسع عشر...، زيادة على ذلك ميلاده في كنف الحداثة والعلمانية. وبالضدّ من ذلك نجد تجربة "الإسلام الحزبي" العربي ترفع شعار القطيعة مع الإرث الوطني التنويري الإصلاحي، والانقلاب على منجزات الإمام عبده والأفغاني وإسهامات علي عبد الرازق وقاسم أمين وقبلهما الطهطاوي وخير الدين التونسي، ممّا يجعل المقارنة، كما يقول بلقزيز، لا تجوز.

وصفوة الكلام نقول إنّ إشكال الدولة والدين في الاجتماع العربي الإسلامي هو إشكال ملتبس تاريخياً ونظرياً وسياسياً. إنّه التباس تاريخي في ترسيخ فرضية حاجة الدولة للدين وحاجة الدين للدولة عن طريق النظر إلى أمر الدين موصولاً بالسياسة والدنيا. والالتباس النظري يتجلى في المماثلة بين مجال الدين كمجال خاص بالفرد وإيمانه وتجربته مع عالم المطلق والتعالي...، ومجال السياسة والدولة كجسم اصطناعي يحتكم إلى قواعد التنظيم الاجتماعي والمدني والتشريعات. وأمّا الالتباس السياسي فمن مظاهره وتجلياته القولُ بضرورة الدولة الدينية وإسقاط شرعية الدولة الوطنية ومناهضة تيارات العلمنة والتحديث.

فجميع هذه الالتباسات الهائلة تردّ إلى ميلاد ونشوء "الإسلام الحزبي" الذي لم يحصد إلا الويلات والمآزق والهزائم...، ولم يُورث للأجيال الصاعدة إلا خراب العمران وتدهور السياسة وإقامة الأسوار العالية بينه وبين الآخر، واختبار التمذهب والمذهبية كوسيلة للإمعان في فشوّ إيديولوجيا الانقسام والفتنة والانشقاق...، وبمعية هذا التمرين الأولي لتجريب موضوعات نظرية ومقدمات تاريخية لترسيخ الدولة الحديثة وإعادة بيان المجال السياسي العربي نطرق بعض الإشكالات في هذا المعرض:

ـ أليس من الصعوبة العملية تحققُ الفصل بين مجال السياسة (الدولة) ومجال الدين (اللاهوت)، متى علمنا، وفق مرجعية تحليل الخطاب، أنّ الميتوس قد يختفي ويحيا في ألوية وبنيات جديدة في جوف اللوغوس؟ ألا يشكل مدخل فلسفة الدين المدخل والمنفذ الحقيقي والأصيل لفكّ التشابك المهول بين الدين والسياسة؟ هل ينحصرُ مشكل إقحام الدين في السياسية في دائرة اللغة وعلى مفرداتها فقط، أم يمتدّ إلى البنية الذهنية والإيديولوجية؟ ثمّ ما هي رهانات تطبيق التأويليات وآلياتها على النص الديني ووظائف الدين في المجتمع في التخفيف والحدِّ من تغوّل الديني على السياسي؟


[1]- راجع: الفصل الرابع: "التأسيس النقدي في الفكر العربي المعاصر" من كتاب: "قراءات في التجارب الفكرية العربية المعاصرة"، المؤلف: يوسف بن عدي، منشورات الشبكة العربية للأبحاث والنشر - بيروت، سنة الطبع 2011

- جميع الصفحات التي نحيل عليها في متن المقال هي من كتاب: "الدولة والدين في الاجتماع العربي الإسلامي"(2015) للمؤلف: عبد الإله بلقزيز.

[2]- نسجّل وجود تقاطع في القضايا وتناص في مقاربة مشكلات الدين والدولة، مع وجود اختلاف في صقل الإشكالية وتطويرها ومراجعتها: أمثلة على ذلك:

- "الإسلام والسياسة: دور الحركة الإسلامية في صوغ المجال السياسي"(2008).

- "الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر"(2011).

- "الدولة والمجتمع، جدليات التوحيد والانقسام في الاجتماع العربي المعاصر"(2015).