المرأة في التراث: في الدعوة إلى رؤية جديدة


فئة :  مقالات

المرأة في التراث: في الدعوة إلى رؤية جديدة

كان موضوع المرأة من الموضوعات التي حظيت بنصيب كبير من النقاش والسجال ضمن النقاشات التي شهدتها الساحة الفكرية العربية والإسلامية، بالنظر لحساسية الموضوع لدى شرائح كبيرة من أفراد المجتمع. هذا وشكّلت قضية المرأة "طابو" غير قابل للنقاش لدى أصحاب المرجعيات الأصولية التي لا تتوانى في التعبير عن ذلك. فهذا إمام مغربي مقيم في الديار الإسبانية، يصدر كتابا يعلم فيه المتزوج "كيفيّة ضرب زوجته بطريقة شرعية"، وآخر يصدر فتوى يحرم بموجبها المرأة من قيادة السيارة، وثالث يفتي بضرورة إرضاع الموظفات لزملائهن في العمل حتى يصبح مباحا اختلاؤهم بهن، وهلمَّ جرًّا.

إنّ البحث في الموروث التراثي، في هذا المجال تحديدا، ما ينفكّ أن ينقّب فيه حتى يجد نفسه بين ركام من النصوص المفعمة بروح إقصائيّة ونظرة دونية تجاه المرأة، مبرزة عقلية وخطابا ذكوريا بدائيا، استطاع أن يقنع المرأة بذلك النقص وتلك العقدة المرضية التي صيّرها ميزة تتسم بها دون الآخرين.

ولنبدأ بأولى النصوص؛ فعن أبى هريرة قال: قال النبي (ص): "إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى ترجع". (أخرجه البخاري في: 67-كتاب النكاح: 85- باب إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها). وعن أبي هريرة، عن النبي (ص): "لا تصوم المرأة وبعلها شاهد إلاّ بإذنه". (أخرجه البخاري في: 67-كتاب النكاح: 84- باب صوم المرأة بإذن زوجها تطوعًا).

عَنْ ‏‏أُسَامَةَ،‏ عَن النَّبِي ‏‏(ص) ‏‏قَالَ: ‏‏قُمْتُ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ فَكَانَ عَامَّةَ مَنْ دَخَلَهَا الْمَسَاكِينُ وَأَصْحَابُ الْجَدِّ مَحْبُوسُونَ. غَيْرَ أن أَصْحَابَ النَّارِ قَدْ أُمِرَ بِهِمْ إلى النَّارِ. وقُمْتُ عَلَى بَابِ النَّارِ، فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا النِّسَاءُ. (أخرجة البخاري في: 67-كتاب النكاح: 17- باب ما يتقى من شؤم المرأة). عَنْ‏ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِي،‏ ‏قَالَ‏: ‏خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ‏‏(ص) ‏‏فِي أَضْحَى أو فِطْرٍ إلى الْمُصَلَّى، فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ ‏‏تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي ‏‏أُرِيتُكُنَّ ‏‏أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ.فَقُلْنَ: وَبِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: تُكْثِرْنَ ‏‏اللَّعْنَ ‏‏وَتَكْفُرْنَ ‏‏الْعَشِيرَ، ‏‏مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ ‏‏لِلُبِّ ‏‏الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ. قُلْنَ: وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟ قُلْنَ: بَلَى. قَالَ: فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا. أَلَيْسَ إذا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟ قُلْنَ: بَلَى. قَالَ: فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا. (أخرجه البخاري في:-كتاب الحيض: 6- باب ترك الحائض الصوم). عن عبد الله بن عمر، قال: سمعت النبي (ص) يقول: "إنما الشؤم في ثلاثة: في الفرس والمرأة والدار" (أخرجه البخاري في: المختصر 60-كتاب الجهاد).

في البداية، لابد من التنبيه إلى أنّ نقاش كل ما ورد من نصوص سابقة سيكون عاما دون تفصيل في كل واحد على حدة؛ ففي الأوّل نكتشف نوعا جديدا من الملائكة لم يرد في القرآن الكريم، شغله الشاغل اللعنة بدل ذكر الله و التسبيح باسمه، كما تنص على ذلك العديد من الآيات. لنتصور مصير هذه المرأة لو قلبنا الآية، فصار الرجل هو المهاجر للفراش من "سيلعنه"، ومن سيؤازر المرأة للمطالبة بحقها؟؟!

وفي ذات السياق، يأتي النص الخاص بموضوع الصوم الذي يستوجب إذن الزوج لزوجته للقيام بشعيرة تعبدية ربانية، فرضت علينا كما فرضت على الذين من قبلنا. أليس هذا الأمر قمة في المغالاة، أن تربط عبادات وأعمال رب الأرباب بإذن وترخيص بشري مهما كان. قد يقبل ذلك التطاول في النص الأول مادام الأمر مرتبطا بالجنس والغرائز. أما أن تصل المسألة إلى الشعائر الدينية، فهذا محط نظر وتساؤل.

أما النص الآخر، فيحمل مفارقتين عجيبتين: الأولى تبشر الضعفاء والمساكين بدخول الجنة، نظرا لضعفهم وفقرهم وخضوعهم لسلطة الأقوياء، في تناقض صارخ مع الآية "إنّ الذين توفَّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم و ساءت مصيرا" (النساء-97)؛ والثانية تتوعد النساء بجهنم في تناقض صريح أيضا مع العديد من آيات التنزيل الحكيم منها: "ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة" (غافر/ 40)، وأيضا "ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى، وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة" (النحل/97)، فشرط دخول الجنة حسب هذه الآيات وغيرها كثير، هو الإيمان، سواء كان صاحبه ذكرا أو أنثى دون تمييز.

عودا إلى موضوعنا الذي حرصت مقاربته على تنويع زوايا نظره، إذ بالبحث في آيات التنزيل الحكيم عن نصوص تطرح الموضوع، عنَّت لنا جملة من الآيات لا تعارض ما سلف ذكره وحسب، بل تعطي نماذج حية من نساء كان لهن عظيم الشأن، منهن بلقيس ملكة سبأ، التي أثنت الآيات على حسن إدارة وتسيير شؤون مملكتها، "قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون، قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد. والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين. قالت إنّ الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزّة أهلها أذلّة وكذلك يفعلون. وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون" (النمل/32،36)، ثم إنّ هذه السيدة كانت سببا في إسلام قومها "قالت رب إنّي ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين"(النمل/46).

في نفس السياق نذكر أيضا، مريم أمّ المسيح عيسى عليه السلام، التي خص لها الحق سبحانه سورة بأكملها، ليعطينا تفاصيل قصتها "واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا" (مريم/15)، في الوقت الذي لم تسمَّ سورة باسم ابنها رغم أنه رسول إلهي.

قد يتذرّع البعض بأن ما قدم من أمثلة لشرائع وأقوام سالفة، غير مرتبط بالرسالة المحمدية، وإن كان تساؤل، مثل هذا يثير أكثر من إشكال حول غايات القصص القرآني – وهذا موضوع آخر ليس موضع نقاشنا طي هذه الورقة- ، غير أنّ التنزيل الحكيم لم يخل من هذه النماذج، إذ نجد قول الحق سبحانه: " قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاورهما" (المجادلة/1)؛ فهذه الآية تحمل أكثر من دلالة؛ تَحاور النساء مع النبي الأكرم، استماع الحق سبحانه للحوار، بل أكثر من ذلك تكشف الآية عن حقائق حاول رجال الدين طمسها، وهي دور المرأة ومساهمتها الفعالة في التجربة النبوية التي كانت صورة من الصور الممكنة لتنزيل المطلق/الدين في الواقع/الاجتماع.

ولكي تكتمل المقاربة التي تحدثنا عنها آنفا، لزم تعزيز هذه الورقة بمعطى علمي، وبعض الشواهد الحية التي تكسر خرافات وأوهام أصحاب العقلية الذكورية ممن يحترفون صناعة النصوص، لتكريس النظرة الدونية للمرأة التي كانت ترتاح بوأدها حية في عصر الجاهلية، ووأدها حية في عصر الإسلام بهذه الترسانة من النصوص التي وضعتها ونسبتها إلى الرسول الأكرم عليه السلام.

يورد الطبيب والكاتب السوري خالص جلبي في إحدى مقالاته، مقطعا نقتبسه مع بعض التصرف، حيث يقول: "في صيف عام 2003م، استطاع (ديفيد بيج) من مؤسسة وايتهيد من كمبريدج في أمريكا، عرض الكروموسوم الذكري، فظهر الرجل على حقيقته. كما حدد كل من بيتر جودفيلو وروبن لوفيل بيدج الجين المحرض على تشكيل ملامح الذكورة في الكروموسوم، وأعطي اسم (SRY). وقام براين سايكس من جامعة أكسفورد بدراسة الكروموسوم خلال الأحقاب المنصرمة، ليعلن أنّ الذكر هو الحلقة الأضعف في الجنس البشري من ناحية المناعة، والأقصر عمرا، والأفشل دراسة، والأقل ذكاء، والأكثر هشاشة ومرضا، والأعتى إجراما، والأكثر إدمانا على الكحول والمخدرات، والأكثر تسلطا وشنا للحروب".

وعمليا، كان ولايزال، وسيبقى للمرأة دور كبير في المساهمة في التاريخ البشري والتطور الحضاري؛ فالكل يذكر "روزاليندا فرانكلين" أول من كشفت النقاب عن تركيب الشيفرة الوراثية، و"دوروثي هودجكن" التي لم يمنعها مرضها العضال من مواصلة البحث للوقوف على تركيبة الكولسترول، المركب الأساسي للهرومونات الجنسية، والفيتامينD المسؤول عن كساح العظام عند الأطفال، لتنال عام 1964 جائزة نوبل للكيمياء؛ فرئاسة (اتحاد العلماء) عام 1975 إلى غاية وفاتها سنة 1994،وهلم جرا من الأمثلة في كل الميادين من البحث العلمي إلى السياسة مرورا على الأدب والفكر والفن.

يخلص الباحث عند مطالعته لمثل هذه النصوص وغيرها مما تعج به كتب الحديث، أنّ التاريخ اختلط بالنص، واختلط الاجتماع بالفقه، وعمّ الخلط جميع الأطراف، في وقت تزايد فيه الطلب على الرواية لإعادة تأسيس شرعية اجتماع جديد، على ضوء المتغيّرات، وما إشكالية المرأة إلاّ نموذج.