تقديم كتاب "يهود المغرب في كتابات حاييم الزعفراني" للمؤلف الدكتور عبد السلام شرماط، الصادر عن مؤمنون بلا حدود للنشر 2021


فئة :  قراءات في كتب

تقديم كتاب "يهود المغرب في كتابات حاييم الزعفراني" للمؤلف الدكتور  عبد السلام شرماط، الصادر عن مؤمنون بلا حدود للنشر 2021

تقديم كتاب "يهود المغرب في كتابات حاييم الزعفراني" للمؤلف الدكتور

عبد السلام شرماط، الصادر عن مؤمنون بلا حدود للنشر 2021

 

بقلم د. ميادة كيالي

تبرز أهمية هذا البحث في أنّه يلقي الضوء بشكل عميق ومتخصّص على مشروع حاييم الزعفراني الذي أمضى حياته في خدمته، وهو إحياء التراث اليهودي في الأندلس والمغرب، والحفاظ على الهوية الثقافية اليهودية من أن تطالها يد النسيان. هذا المشروع النابع من حنين حقيقي لبلد الأجداد، حيث عاشوا بأمان وسلام، ربّما لم يتحقّق لكثيرين من يهود زمننا الحاضر في العديد من دول المهجر التي استقروا فيها.

من خلال الفصول الثلاثة التي اختار عبد السلام شرماط توزيع الكتاب عليها، استطاع أن يلفت الانتباه إلى أهمّية مؤلفات حاييم الزعفراني الواسعة، كيف لا وهو المطّلع على هذه المؤلفات، والدارس لها. وقد سبق له أن أنجز بشأنها العديد من المقالات والأبحاث والدراسات النقدية، لما تمثّله من مادّة خصبة تغطّي بالمجمل كافّة مناحي حياة يهود المغرب؛ على المستويات التاريخيّة والاجتماعيّة والفكريّة والدينيّة، من خلالها أماط الزعفراني اللثام عن تاريخ امتد لأكثر من ألفيْ سنة، لأوّل مجموعة غير أمازيغية سكنت المغرب.

لقد حرص المؤلف على أن يقدّم لمحة عن سيرة الزعفراني مبرزاً أهميّته، باعتباره أحد الباحثين المُؤثّرين من خلال رصد مسيرته العلمية وتعدّد اختصاصاته الأكاديمية، إضافة إلى مكانته في الطائفة اليهودية، وإجادته لعدّة لغات، وهي اللغة العربية والعبرية والفرنسية، مع كونه مغربيَّ الإحساس والانتماء. فمن مدينة الصويرة المغربية، مدينة الرياح التي كانت بوّابة تاريخيّة مشرعة على المحيط الأطلسي، استقطبت التجّار والرحّالة منذ العصور القديمة، وكان اليهود من جملة من استقر فيها من التجّار، وشهدت نشاطهم التجاري الواسع عبر قرون طويلة، ومن مجتمع يهودي نشط تجارياً وفكرياً، يخبرنا كيف نشأ حاييم الزعفراني، اليهودي المغاربي، وكيف كرّس حياته للاشتغال على كلّ ما يتعلق بالطائفة اليهودية في المغرب، مستفيداً ممّا تمتّع به من تكوين أكاديمي في اللغتيْن العربية والعبرية وفي الحقوق، وما تلاه لاحقاً من تحصيل عالٍ للدكتوراه في العلوم الإنسانية، فضلا عن تاريخ طويل في التدريس والبحث والإشراف العلمي في العديد من الجامعات ومراكز الأبحاث والمحافل العلمية في المغرب وفرنسا وأمريكا، ومراتب استشارية عالية. وممّا لاشكّ فيه أنَّ ما ساعد في بلورة رؤيته ومعارفه هو تكوينه المتين الذي جمع فيه بين التعليم الأكاديمي العالي من جهة، وتعمّقه وتخصّصه في الثقافة التقليدية اليهودية والعربية الإسلامية من جهة أخرى، فكان متعدّد الثقافات، وهو ما بدا واضحاً وجليّاً من خلال كتاباته التي عكست هذا التنوّع، وعبّرت أيضاً عن محبّته العميقة للمغرب، وأكّدت موقفه الذي اعتُبر منهجاً في تأريخه لإرث الأجداد، وهو أن ينظر من الداخل من قلب المكان والزمان ويعود ليستجمع قِطَع التاريخ المتناثرة ويرصّفها بعناية من خلال الفكر التشريعي والشعر الديني والكتابات الباطنية، ومن ذلك كلّه تكتمل الصورة.

يشرح المؤلّف سبب تميّز مشروع الزعفراني ونجاحه في التأريخ للطائفة اليهودية، بكونه ابن الطائفة وأحد أفرادها، فقد خرج من رحمها وكان من أفرادها الذين ولدوا فيها وتربّوا على تعاليمها، وحفظوها عن ظاهر قلب، واطلعوا على أسرارها، وبكونه عاش وترعرع في مدينة الصويرة المعروفة بنشاطها التجاري الآمن، والتي شكّلت بيئة حاضنة لاستقرار الطائفة اليهودية، وهي بيئة انحدر منها الزعفراني. كل ذلك جعله فرداً مساهماً في البناء الفكري لهذه الطائفة، خاصّة أنّه أخذ على عاتقه مهمّة البحث عن التاريخ المنسيّ وإحياء تاريخ الأجداد، في محاولة للحفاظ عليه وإحياء الذاكرة اليهودية، خاصة في الفترة التي امتدت ما بين القرن الخامس عشر والقرن العشرين، ولأنَّه كان يشعر بالمحبّة لبلده المغرب وكان متمسّكاً بإرث أجداده. وكان لديه حافز كبير للتمسّك بالكتابة عن المغرب وعن حياة اليهود فيها تحت ظلّ الإسلام، وفي جوار المسلمين، الذين فتحوا، حسب الزعفراني، حضارتهم لاحتضان الجميع. ومن ثمّ، باتت الثقافة العربية الإسلامية في نظره رافداً من روافد المعارف اليهودية.

لقد ساهم المؤلّف من خلال العرض التأليفي لمؤلفات الزعفراني، وقد صدر أغلبها باللغة الفرنسية، في تسليط الضوء على أبرز مواضيعها، حيث شكّلت مادّة مرجعيّة مهمّة، ولم تَفُتْه الإشارة إلى المترجم منها إلى اللغة العربية. وأفرد فصلاً واسعاً لتحليل معمّق لجوانب من الحياة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والتشريعيّة والأدبيّة، وتوقّف عند جوانب من العادات والتقاليد والمعتقدات والأشعار والتشريعات، مقدّماً شرحه ونقده لها، ومبيّناً مدى قيمة ذاك التقارب بين اليهود والمسلمين في العديد من المظاهر الاجتماعية والثقافية، بل حتّى التوافق أحياناً على الولِيّ نفسه الذي تُشّد إليه الرحال للتبرّك به والدعاء على أعتاب مقامه، وربّما تقاسموا المخاوف نفسها وصدر منهم السلوك ذاته في استعمالهم تعويذات السحر وغيرها، وهو ما يقوم دليلا على توافق البنى العقلية التي تعكس وحدة المخيال الشعبي، والنسق الواحد للفلكلور والسحر المحلّيَيْن. وهي تعكس أيضا بشكل جليّ هذا التلاقي بين اليهود والمسلمين، وهذا الانحدار من إرث مشترك لعيش مشترك. وختم المؤلّف كتابه بعقد مقارنة بين ما كتبه الزعفراني وما كتبه وألّفه آخرون باللغة الفرنسية عن يهود المغرب في دراسة مقارنة موضوعية، أسهمت أيضاً في إغناء المراجع، وقد قسّمها إلى ثلاثة مواضيع تاريخية وجغرافية وفكرية، وناقش من خلالها كيف استعرض الدارسون حياة يهود المغرب وكتبوا عنها، وكيف كتب الزعفراني بإحساسه المختلف المضمّخ بالمحبّة والحنين والتعلّق بهذه الذاكرة والخوف عليها من الضياع.

لا شكّ في أنّ اليهود والمسلمين في المغرب عاشوا جنباً إلى جنب لقرون طويلة، وكان المغرب موطنهم وتاريخهم وذاكرتهم على حدّ سواء، وكان لليهود موروثهم الثريّ بالأدب والفنون والشعر والقبالة والفكر، هذا التاريخ لا يشبه الواقع الذي عاشوه واختبروه في المهجر في الشتات الثاني. لذلك، فحين كتب حاييم مؤلفاته تلك كتبها من ماضٍ غنيّ عاشه، وخَبِرَه وورثه عن أجداده وشكّل عنده حنيناً دائماً لوطن كان ملتقى الثقافات والحضارات، وواحة الفنون والتاريخ وآثار الأجداد. هذا الوطن لم يجد المهاجرون شبيهاً له، وكان الزعفراني يحاول استعادة نبضه باستعادة الهوية واستعادة الذاكرة وإحيائها قبل الاندثار، وقبل أن يطويها النسيان.

هذه المؤلّفات تفتح أفق التعرّف على الآخر الذي هو جزء من النسيج المغربي، ربّما لا نعرف عنه إلاّ ما تعلق بفنون السحر. وحريٌ بنا ألاّ ندخل إلى مساحة المعرفة هذه بحمولة مثقلة من رفض الاطلاع على الآخر وتبطين الاستعداء، بل أن نفعل كما فعل الزعفراني حين كتب عن تاريخ أجداده وأرّخ له باعتباره مغربيّا، ويحمل تراثاً وإرثاً فكرياً وأدبياً ودينياً، له سمته وطابعه وخصوصيّته المغربيّة، ولم يتخلّ عنه ولم يدر له ظهر اللامبالاة.

ويبقى السؤال معلّقاً: ترى ما مدى الأمل في العودة من خلال التمسّك بالهويّة والذاكرة؟ وهل إنّ تمسّك المهاجر بذاكرته سيمنحه تأشيرة العودة، أم سيساهم في إسكات الحنين في بلد الشتات، وطيّ الماضي إلى الأبد؟