ماذا يعني التنوير الإسلامي؟ قراءة مفهومية مقتضبة


فئة :  مقالات

ماذا يعني التنوير الإسلامي؟ قراءة مفهومية مقتضبة

ماذا يعني التنوير الإسلامي؟ قراءة مفهومية مقتضبة

والواجب على كل مسلم في هذا الكون أن يحذق قضية مهمّة، مفادها أنّه ليس مشكل الدين اليوم متعلقاً بمدى إيماننا بما نظنّ أنه مقدّس بالنسبة إلينا وحدنا, بل بمدى قابلية ما نؤمن به لأن يكون مفَكراً فيه بوصفه (يكون أو لا يكون قابلاً للتواصل على نحو كوني)[1], والدين الإسلامي يقبل أن يكون ديناً كونياً, مصداقاً لقوله تعالى (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)[2], وتتحقق الكونية فيه بقدر ما يقبل أن يعبّر عن نفسه من خلال مفاهيم العقل، أي بقدر ما يستطيع التعبير عن نفسه بوصفه إيماناً حُرّاً مفتوحاً على أيّ كان, وعلى إمام المسجد (الإمام الديني عند المسلمين) ألّا يكون مجرد موظّف في المسجد يتقاضى أجراً شهرياً ليس إلا, وألّا يكون وصيّاً على المسلمين في أمور كثيرة هو نفسه قاصر عن أدائها, ولنا أن نستحضر ههنا ما قاله كانط في مقال له صدر في جريدة بروسية في 30 سبتمبر 1784, جواباً عن سؤال ماذا يعني التنوير؟ (إنّه من الحماقة التي تؤدي إلى تأييد الحماقات أن يكون أوصياء الشعب في الأمور الدينية هم أنفسهم قاصرين أيضاً)،[3] بل عليه أن ينقذ الدين الحق من المعتقدات الزائفة عن طريق تنوير عقول النّاس تنويراً حقّانياً, لتصبح عبادة الله عبادة حرّة, ومثال ذلك أن يُطَهِّرَ الإمام ذهنيات بعض المسلمين الذين يعمدون إلى إقامة شعائر وطقوس طلسمية (كزيارة الأولياء الصالحين والقبور) وطلب المعونة منهم والخلاص كوسطاء بينهم وبين الله, وما يجبل ذلك من شعوذات وشِرك ودجل, مخالفة للعبادة الصحيحة النقية, ولذلك فبقدر ما يخلو الدين من الحرّية بقدر ما يتقهقر إلى براثن (الوثنية), لقول الرسول ـ صلى الله عليه وسلّم ـ (لا تقوم السّاعة حتى يلحق حيّ من أمّتي بالمشركين, وحتى تعبد فِئَامٌ من أمّتي الأوثان)[4], وديننا الإسلامي فيه القابلية المثلى لأن يكون ديناً كونيّاً عالمياً, لأنّ أيّ تطلّع إلى القداسة ينمّ عن شجاعة ما, ولذلك وحده كبرياء الإيمان, يمكن أن يكون مقاماً مناسباً للإيمان الحُر , وهذا بالضبط ما ميّز الإسلام, ودين محمد على حدّ تعبير كانط.

وعلينا أن نفهم كذلك أنّ أصل الدين ليس في مشاعره السّرية التي تفرّق النّاس وتُمايز بينهم بحسب تباين معتقداتهم, بل الدين الحق في قدرة البشر على استعمال الحريّة بشكل كوني عالمي يتخطى كلّ المعارف النظرية عن الطبيعة من حولهم.[5]

إنّ الإيمان الحر موقف أخلاقي باطني خاص بتغيير ما بأنفسنا[6], مصداقاً لقول الله تعالى: (إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم)[7], ولذلك لا معنى لأيّ عنف ديني بعامّة, إذ ما بين الدين والعنف لا وجود لأيّة رابطة ضرورية, اللهمّ إلا إذا تحوّل الدين إلى سياسة والإيمان إلى استبداد روحي.[8]

ولا معنى البتّة لأيّ ثورة دينية إسلامية طالما أنها لا تستطيع أن تحدث إلاّ بشكل ثورة خارجية, أو بشكل ثورة سياسية لا علاقة لها بأيّ إيمان ديني, لهذا فالثورة الحقيقية هي الثورة الروحية التي تنشد الإيمان الحر ونتقاسمها نحن ـ بني البشر ـ جميعاً.

إنّ التنوير الديني الإسلامي الحقيقي هو في ذلك النضال الكبير من أجل مساعدة البشرية في كلّ ربوع العالم على النقلة الجذريّة من الإيمان النظامي إلى الإيمان الحر الذي ننفتح به على أفق الإنسانية، فما نلحظه اليوم في عالمنا الإسلامي هو طغيان النزعة العبودية في الدين, المرتهنة بإقامة الشعائر ولكن دون فهم معناها وقيمتها بعالم الحياة والسّلوك الإتيقي والسيرة الحسنة, فتجد كثيراً من الناس ينقرون صلاتهم ولم ينالوا منها إلاّ حركاتها, أو أنهم يقرؤون القرآن الكريم وهو لا يبلغ تراقيهم, وهذا ما أقرّه الرسول ـ صلى الله عليه وسلّم - ( ...يقرؤون القرآن لا يبلغ تراقيهم)[9], فتصبح هذه الشعائر والعبادات مجرّد حركات مرهقة متعبة, أو أن يصوم فلا ينال من صيامه إلا الجوع والعطش, فتكون عبادته لله تزّلفية شعائرية أو تصبح رياء وسمعة وتملّقاً للإله الغائب, حقيقة هذا هو الدرس المثير الذي علّمنا إيّاه كانط في الأزمنة الحديثة, ونسعى لتحيينه اليوم في فضاءاتنا العمومية, لجعل الظاهرة الدينية تلامس عالم المعنى والحياة, وهذا ما أكّده بالفعل "جان غراندان" في كتابه "فلسفة الدين"، إذ يقول: "إنّ الدّين يقدّم إجابات أكثر قُوّة قِدَمِيّة وحزْمًا عن تساؤلات معنى الحياة".[10] وبذلك نقتدر على خلق مجتمع مفتوح تذوب فيه الحدود العقائدية الضيّقة، وهو ما دعانا هنري برغسون إلى إحقاقه على المنحى الإنساني.[11]

الواقع أنّ ما يمكن أن نطلق عليه "حركة إصلاح إسلامي" (بالغة التعقيد, لا يمكن أن ننسب إليها اتّساقاً فكرياً, ولا اتّساقاً اجتماعياً وسياسياً, بل هي تتخذ وجهات مختلفة ومتضاربة). كما يقول عزيز العظمة.[12]

ويكون بذلك (التّجديد الديني أو انبعاثه ليس سوى تجلّ لحرية حقيقية مُستعادة بفضل انهيار الأفكار الليبرالية والماركسية, وما يشهده القرن الحادي والعشرون ومذهب الإنسانوية الجديدة, يُعاود التأسيس لقيم التّراث المفقودة)[13], وفي هذا الكلام المقتضب دلالات قيمية عميقة توحي بضرورة العودة إلى التّراث الإسلامي بعمقه وقيمه ودلالاته الحياتية المحضة, التي تنتشل الإنسان المسلم المعاصر من براثن العدميّة والتشيُّؤ, لأنّ التنوير الإسلامي الحقيقي لا يكون ممكناً إلا باستنطاق الموروث وإحيائه إحياء خلاّقاً وفقاً لمرتهنات الإنسان المعاصرة وبقوة الحريّة الفكريّة وإبداء الرأي بكلّ أريحيّة في فضاءاتنا العمومية, ويكون للدّين حضوره الحياتي العميق, بخلاف ما (كانت الصورة التي تبدو عليها الحالة الدّينية في عصر التنوير معقدّة)[14] كما تقول الباحثة دوريندا أوترام.

حقاً إنّه لجميل فعلاً, وإنّه لنبيل أن يتشبّث الواحد منّا بشدة بمعتقدٍ ما, وأن يجعل أفكاره وحياته تتوافق معه, وأن يُضحّي بالمادة على مذبح المثل الأعلى[15]


[1]- المصدر نفسه, ص 34

[2]- القرآن الكريم, سورة الأنبياء, الآية 107

[3]- إيمانويل كانط , ما هو التنوير؟، ترجمة إسماعيل مصدق, مجلة فكر ونقد, العدد 04, ديسمبر 1997, ص 144

[4]- حديث رواه ابن حبان في صحيحه, (15/6714).

[5]- كانط, الدين في حدود مجرد العقل (مصدر سابق), ص 34

[6]- المصدر نفسه, ص 28

[7]- القرآن الكريم, سورة الرعد, آية 11

[8]- كانط , مصدر سابق, ص 28

[9]- رواه البخاري ومسلم.

[10]- Jean Grondin, La philosophie de la religion, p 03

[11]- مجموعة من المؤلفين, موسوعة الفلسفة الغربية المعاصرة (صناعة العقل الغربي من مركزية الحداثة إلى التشفير المزدوج), تقديم علي حرب, إشراف على عبود المحمداوي, الجزء الأول, منشورات الاختلاف (الجزائر), منشورات ضفاف (بيروت), دار الأمان (الرّباط), الرّابطة العربية الأكاديمية للفلسفة, ط1, 2013, ص 181

[12]- عزيز العظمة, دُنيا الدّين في حاضر العرب, دار الطّليعة, بيروت, لبنان, ط2, فبراير 2002, ص 87

[13]- جورج قرم, المسألة الدينية في القرن الحادي والعشرين, تعريب خليل أحمد خليل, مراجعة نسيب عون, دار الفارابي، بيروت (لبنان), ط1, 2007, ص 35

[14]- دوريندا أوترام, التّنوير, ترجمة ماجد موريس إبراهيم, دار الفارابي (بيروت), مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم (الإمارات العربية المتحدة), ط1, 2008, ص 158

[15]- ج, ويتلر, الهرطقة في المسيحية (تاريخ البدع الدينية المسيحية), تعريب جمال سالم, دار التنوير ودار الفارابي, بيروت (لبنان), ط,2007، ص 371