اللّقاء الحواري الفكري حول "محاكمة الطّاهر الحدّاد" ضمن سلسلة "محاكمات الفكر شرقاً وغرباً"

فئة: أنشطة سابقة

اللّقاء الحواري الفكري حول "محاكمة الطّاهر الحدّاد" ضمن سلسلة "محاكمات الفكر شرقاً وغرباً"

احتضن مقرّ مؤسسة مؤمنون بلا حدود وجمعيّة الدّراسات الفكريّة والاجتماعيّة، بتونس العاصمة، يوم السّبت 19 يناير الجاري، اللّقاء الحواري الفكري حول "محاكمة الطّاهر الحدّاد" ضمن سلسلة "محاكمات الفكر شرقاً وغرباً"، وقد قدّمته الأستاذة زينب التّوجاني، وأدار اللّقاء الأستاذ نادر الحمّامي.

خصّصت زينب التّوجاني حيّزا مهمّا في مداخلتها لبحث ملامح الظّرفيّة التّاريخيّة للبلاد التّونسيّة في فترة الثّلاثينيات، والمؤثّرات العامّة الفكريّة والسّياسية والثّقافية التي ساهمت في تشكيل فكر الطّاهر الحدّاد، وقالت إنّ المجتمع التّونسي آنذاك كان "مكدوداً" يعمّه البؤس المادّي والمعنوي" وتعبّر عن ذلك مظاهر الاستسلام للعادات والتّقاليد والأعراف الموروثة، وأنّه كان يعيش في إطار "هويّة جريحة" تحت وطأة الاستعمار الفرنسي وحملات التّبشير المسيحي، ما جعله متحسّسا من كلّ محاولة قراءة للتّراث، أو مراجعة لما استقر في البنية الذّهنية والاجتماعيّة من معتقدات، وفسّرت انطلاقا من ذلك حالة المعارضة الشّرسة التي تعرّض لها كتاب الطّاهر الحدّاد "امرأتنا في الشّريعة والمجتمع" الذي هاجمته المؤسّسة الدّينية الزّيتونيّة. وقدّمت التّوجاني مجموعة من المقالات التي جمعت من الأرشيف الوطني تحت عنوان ''كابوس الغضب العام''، والتي تمّ تأليفها في تلك الفترة ونُشرت في الصّحافة للردّ على الحدّاد ومهاجمته وتحقيره وتكفيره وشيطنته، ومن بين التّهم التي وُجّهت له أنّ بعض الآباء المسيحيّين قد أملوا عليه هذا الكتاب، وأنّ الكنيسة هي من تكفّلت بطباعته، وأنّ بائعة هوى أهدته البيت الذي يقيم فيه مقابل تأليف ما ألّف... وبيّنت المحاضرة أنّ هذه الحملة على الحدّاد انتهت إلى تكوين لجنة علميّة قامت بتكفيره رسميّا، وهي لجنة عملت كما لو أنّها "محكمة تفتيش" من القرون الوسطى، وتكوّنت من بعض مشايخ الزّيتونة، ومنهم الشّيخ عبد العزيز جعيّط، وترأّسها الشّيخ محمّد الطّاهر ابن عاشور، وأفضت إلى حجر الكتاب، لينتهي الحدّاد منبوذاً مريضاً معزولاً، إلى أن مات وحيداً.

وأشارت التّوجاني إلى أنّ الطّاهر الحدّاد عانى من تنكّر المجتمع له، فلم تهتم لأمره الفئات المثقّفة ولا المتنوّرة ولا السّاسة، ولا حتى من كان يدافع عنهم ويحمل قضاياهم، وأنّه لم يجد الاعتراف والمساندة لا من جمعيّات ولا من أحزاب ولا من قوانين، وأنّه لم يكن يملك سوى سلاح القلم والمقارعة بالحجّة ليحارب قوى الجمود ويعلن ثورته على السائد. وخلصت إلى أن قوى التّكفير تعدّ نتاجاً لبنى الهيمنة والقهر والاستبداد والنّفوذ، وقالت إنّه يمكّن العامّة من الاعتداء على الحرمة النّفسيّة والجسديّة لكلّ من يختار السّير خارج السّرب، والثّورة على الجمود الفكري الجاثم على المجتمع. واعتبرت أنّ ما قام به الحدّاد في مجتمع الثّلاثينات يكتسب قدراً عظيماً من الجرأة، خاصّة أنّ هذا الرّجل ينتمي إلى مؤسّسة الزّيتونة، وقد تلقّى تعليمًا تقليديّاً، وبيّنت استناداً إلى ذلك أنّ الحدّاد قد خلخل القيم المكبّلة للمجتمع، وأنّه "فجّر" مؤسّسة الفتوى من الدّاخل، وأنّ ما قام به ينفتح على العدل والمساواة وقيم الحرّية والحقوق والمواطنة والمدنيّة.

وأكّد نادر الحمّامي في تعقيبه على المداخلة، على أهمّية الطّاهر الحدّاد، في السّياق الثّقافي والتّاريخي لتونس الحديثة، وأيضاً في السّياق الإصلاحي العربي والإسلامي عموماً، قائلا إنّ الأجيال الجديدة مطالبة بمعرفة هذه الشخصيّة الفذّة، والاطّلاع عليها ضمن مسار إصلاحي شامل، على اعتبار أن التاريخ لا يمكن أن يتحرّك في ظل وضع ثقافي ساكن، واعتبر أن الظرفية التي عاش فيها الحدّاد؛ أي فترة الثلاثينيات من القرن العشرين، مثّلت مرحلة مخاض مهمّة في العالم العربي والإسلامي عموماً، فقد برز فيها مفكرون كان من الممكن البناء على أفكارهم لمنظومة إصلاحية كبرى.

 

البحث في الوسم
الطّاهر الحدّاد