اللّقاء الحواري الفكري حول "محاكمة برونو جوردانو"

فئة: أنشطة سابقة

اللّقاء الحواري الفكري  حول "محاكمة برونو جوردانو"

انتظم بمقرّ مؤمنون بلا حدود للدّراسات والأبحاث وجمعيّة الدّراسات الفكريّة والاجتماعيّة، في تونس العاصمة، يوم الأربعاء 21 نونبر الجاري، وفي إطار سلسلة "محاكمات الفكر شرقاً وغرباً"، اللّقاء الحواري الفكري حول "محاكمة برونو جوردانو"، قدّمه د. محمد الشّريف فرجاني، وأدار اللّقاء د. نادر الحمامي.

وقدّم فرجاني بدايةً، بعض المعطيات حول حياة برونو جوردانو والملامح العامّة لعصره في النّصف الثّاني من القرن السّادس عشر، في أوج عصر النّهضة الأوروبيّة التي قوّضت أسس هيمنة الفكر اللاّهوتي على كلّ مجالات الفكر والمعرفة طوال القرون الوسطى. وأشار إلى أنّ هذه الفترة من تاريخ أوروبّا تميّزت بشراسة ردود فعل الكنيسة على ما واكب عصر النّهضة من اكتشافات ونظريّات جديدة مناهضة للتّصوّرات التي قامت عليها المعارف السّائدة والفكر اللاّهوتي، فنشطت محاكم التّفتيش لملاحقة الأفكار الجديدة واضطهاد روّادها.

وحول الأسس التي ساهمت في تكوين فكر جوردانو، قال فرجاني إنّه تعلّم الفلسفة من خلال اطّلاعه على المناظرات التي دارت بين تلامذة أفلاطون وتلامذة أرسطو، والنّقاشات القديمة التي نشطت آنذاك، انطلاقا من اكتشاف أرسطو عبر كتابات ابن رشد، وقد كانت تهمة الرّشديّة من أخطر التّهم التي توجّهها الكنيسة إلى المفكرين. وأشار إلى أنّه تخلّى عن وظيفته باعتباره كان قسّاً لمدة ثلاث سنوات، وانتقد عذريّة مريم، وكان بهذا الموقف قريباً من كنيسة الإصلاح التي كانت ترفض بعض الطّقوس الكنسيّة، وتمّ اتّهامه بمسّ المقدّسات، وقد اتّخذ تهكّمه على الكنيسة بعداً عقائديا عندما انتقد عقيدة التّثليث، وكان يعتبر المسيح مجرّد ساحر بارع استطاع أن يقنع النّاس بأفكاره. ما جعله في النّهاية، يُتّهم بالردّة ويُلاحَق من الكنيسة الكاثوليكيّة ومن كنيسة الإصلاح أيضاً مع أنّ هذه الأخيرة كانت متّهمة بالهرطقة، ممّا دفع به إلى الهروب إلى فرنسا وطلب حماية الملك هنري الثّالث الذي فتح له مجالس قصره، ومكّنه من تدريس الرّياضيات والفيزياء في المعهد الملكي، واشتهر حينئذ بدفاعه عن نظريّة كوبرنيك ودحض التّصورات الفيزيائيّة القديمة التي تتبناها الأفكار اللاّهوتية. وانتقل بعد ذلك، إلى إنجلترا لمناظرة المدافعين عن التّصوّرات القديمة، ووُجه بانتقاد كبير لأفكاره ومواقفه التي تبلورت فلسفيّاً وعلميّاً، وألّف الكثير من الكتب للدّفاع عن نظريّاته التي فاقت ما توصّل إليه غاليليو وكوبرنيك، وأفضت به إلى اعتبار الكون لا متناهيا ولا يقتصر على المنظومة الشّمسية فقط.

وبيّن الأستاذ فرجاني أنّ برونو جوردانو حوكم في مرحلة أولى في البندقيّة، وانتهت محاكمته بإسقاط التّهم الموجّهة إليه جميعها، وتبرئته منها نتيجة دفاعه البارع عن مواقفه، ولكن محكمة التّفتيش في روما لم تغفر له ارتداده عن العقيدة الرّسميّة للكنيسة، فأمرت باستئناف محاكمته التي تواصلت سبع سنوات، انتهت إلى اعتباره رجل دين مارق عن تعاليم المسيحيّة الكاثوليكيّة، وتمّ إصدار حكم محكمة التّفتيش بإعدامه ''بكلّ رحمة ودون إراقة دماء''؛ وذلك بإلقائه في النّار عارياً بعد أن ثبّتوا لسانه بمسمار.

وأشار إلى أن الكنيسة الكاثوليكيّة مازالت إلى اليوم لم تعترف بخطئها تجاه برونو، رغم اعترافها بخطئها تجاه غاليليو، وأرجع ذلك إلى أنّها لم تغفر له بعدُ فكره حول نظريّة الكون اللاّمتناهي التي تنسف أسس الفكر اللاّهوتي، رغم أنّ نظريّة جوردانو أثبتها العلم الحديث، ولم تعد الكنيسة ترى فيها حرجاً، معلّلا ذلك بأنّ السّلطة الدّينيّة تقول بخطأ كلّ الأفكار الجديدة، ولكنّها عندما تعجز عن بيان خطئها تقول بأنّها مخالفة للدّين، وعندما تصبح مثبتة تقول بأنّ الخطأ ليس في الدّين، وإنّما في من فهموا الدّين خطأً، وتأتي بما يبرّرها. وعلّق فرجاني على ذلك قائلاً إن السّلطة الدّينية لا تستوعب حركة التّاريخ ولا تقبل بنسبيّة الحقيقة أيّاً كانت وفي أيّ مجال، وأنّها كانت على مرّ العصور ومع اختلاف الدّيانات هي من تحتاج إلى الدّين لتبرير وجودها ومصالحها وليس الدّين هو الذي يحتاج إليها.

وأشار نادر الحمّامي بعد ذلك إلى ضرورة مراجعة القول بإمكانيّة الإصلاح من داخل المؤسّسات الدّينية على اختلافها، معتبراً أنّها مهما اختلفت فيما بينها، فإنّها سرعان ما تعود جميعها في النّهاية إلى النّواة الصّلبة المشتركة، لأنّها تنطلق جميعها ممّا تعتبر أنّه ثوابت ولا تقبل النّقاش في ذلك. وأضاف الحمّامي أنّ مبدأ التّوظيف المشترك بين السّلطتين الدّينية من جهة والسّياسيّة من جهة أخرى، يحول دون إمكانيّات الإصلاح الحقيقيّة. كما أشار بعض المتدخّلين في النّقاش إلى إنكار المؤسّسات الدّينية المتواصل لمبدأ نسبيّة الحقيقة، واعتمادها في المقابل على تكريس مبدأ الوصاية على عقول النّاس وأجسادهم وعلى فكرة الألوهيّة في حدّ ذاتها، وتساءل البعض الآخر حول تواصل آليات الوصاية الدّينية في إنتاج أمثلة لانهائيّة من محاكمات الفكر شرقاً وغرباً.

وعقّب الأستاذ فرجاني على المتدخّلين قائلاً: لا يوجد مجتمع عوّل على المؤسّسة الدّينيّة لإصلاح شؤونه ونجح في ذلك، معتبراً أنّ عمليّة الإصلاح لا بدّ أن تأتي من خارج المؤسّسة الدّينية، وأنّه طالما ظلّ الفكر السّائد في المجتمع يحافظ على المواقف القديمة، فستظلّ المؤسّسة الدّينيّة آخر من يلتحق بالأفكار الجديدة، لا طوعاً بل كرهاً، عندما تشعر بميل عامّة المؤمنين إلى تلك الأفكار، وقال إنّ المؤسّسات الدّينيّة لا ترضخ إلاّ للحقائق المفروضة، وعدّد أمثلة على ذلك من بينها ما صدر عن شيوخ مؤسّسة الزّيتونة من رفض لإلغاء الرّق سنة (1846) في تونس بتعلّة أنّه قانون مخالف للشّرع الذي يبيح العبوديّة، وقد عدّلوا عن رأيهم حين وجد ذلك القانون قبولاً واسعاً لدى المجتمع، ليتحوّلوا في النّهاية إلى القبول به وتبريره انطلاقاً من القول إنّه من روح الإسلام الذي أسّس لتحرير العبيد وعتق رقابهم.

البحث في الوسم
برونو جوردانو