اللّقاء الحواري المفتوح حول كتاب: "تاريخ التّكفير في تونس" للأستاذ شكري المبخوت

فئة: أنشطة سابقة

 اللّقاء الحواري المفتوح حول كتاب: "تاريخ التّكفير في تونس" للأستاذ شكري المبخوت

احتضن مقرّ مؤمنون بلا حدود للدّراسات والأبحاث وجمعيّة الدّراسات الفكريّة والاجتماعيّة، بتونس العاصمة، الأربعاء 03 أكتوبر الجاري، اللّقاء الحواري المفتوح حول كتاب د. شكري المبخوت "تاريخ التّكفير في تونس" بحضوره، مع نقاش وقراءة قدّمهما د. محمّد حمزة، وأدار اللّقاء د. نادر الحمّامي.

افتتح الحمّامي اللّقاء بتأطير عام لمسألة الكتابة حول التّكفير، والصّراع الذي يخوضه المشتغلون على القضايا ذات العلاقة بالشّأن الدّيني مع المؤسّسة الدّينية الرّسميّة التي تحاول دائماً احتكار الخطاب الدّيني بداعي التّخصّص، وتنعت كلّ من يحاول ممارسة التّفكير النّقدي الحرّ بالكفر، وترفع في الآن ذاته شعارات الوسطية والاعتدال، قائلا إنّ تاريخ المؤسّسات الدّينيّة في العالم الإسلامي، سواء منها الزّيتونة أو الأزهر وغيرهما، بعيد عن تلك الشّعارات التي لا تنفكّ تُرفع قديماً وحديثاً.

وتناول الكلمة د. محمد حمزة، فبيّن أنّ طرافة الكتاب تكمن في أنّه سرد لحكاية التّكفير في تونس، مُرفق بملاحق تتضمّن وثائق وشهادات وتقارير تتعلّق بالوقائع التي حفّت بتكفير عبد العزيز الثّعالبي والطّاهر الحدّاد والحبيب بورقيبة، واعتبر أنّ الكتاب يمسّ مسائل في صدارة النّقاش العمومي تتّصل بحرّية الضّمير وعلاقة الدّيني بالشّأنين العام والخاص، كما يتّصل الكتاب بالذاّكرة الوطنيّة وبتاريخ تونس المعاصر وبحقب مهّدت لمولد الدّولة الحديثة. واختار أن يقسّم مداخلته إلى محاور تفاعليّة، بدءاً بمن يكفِّرُ ومن يقع تكفيره، ومن ثمّ فكرة التّكفير بمختلف مكوّناتها وعناصرها انتهاءً بما يمكن أن تؤول إليه مسألة التّكفير. وقد خلص من ذلك إلى التّساؤل حول دوافع تأليف الكتاب وطبيعة الكتابة حول التّكفير والفئة التي يستهدفها المؤلّف.

وأشار الأستاذ شكري المبخوت في ردّه على هذا الجانب، إلى أنّ تخصّصه في مجال اللّسانيات وتحليل الخطاب والحجاج لا ينفي اهتماماته المواطنيّة والفكريّة العامّة، وبيّن أنّ الكتاب كُتب بدافع الإسهام في النّقاش العام في تونس حول الدّستور وما بعده، انطلاقاً من هواجس المواطن الذي رأى انفجار المشهد الدّيني وسيطرة النّزعات التّكفيريّة التي وصلت إلى القتل والاغتيال السّياسي، وقال إنّ الكتاب محاولة لتثبيت قيم حقوقيّة وكونيّة، اعتبر أنّها ليست حديثة الظّهور في البلاد التّونسية، بل إنّها تعود إلى بداية تأسيس الدّولة الوطنيّة، التي انحازت مع بورقيبة إلى جانب الحداثة، وقال إنّ الكتاب كُتب لمن يقرأ، وأنّه لا يستهدف من خلاله قارئاً بعينه.

واهتمّ المحور الثّاني من المداخلة بجماليّة الكتابة في موضوع التّكفير، ليكون التكفير موضوعاً في إطار "سرديّة ممتعة وجميلة"، وبين محمّد حمزة كيف أنّ الكاتب يتدخّل في متون الحكايات التي يسردها كي يعدّل الصّورة، ويصحّح بعض الشّائعات التي حفّت ببعض الأحداث التّاريخية، معتبراً أنّ كل تكفير ظاهره دينيّ في حين أنّ نواته الصّلبة سياسيّة مصلحيّة تكمن في السّعي إلى الاستحواذ على السّلطة وممارسة الحكم. ووضع استناداً إلى ذلك، فكرة مراجعات الإسلاميّين اليوم وفكرة وجود إسلام معتدل وآخر متطرّف موضع نظر، قائلاً: أليست الخلفيّة الأيديولوجيّة واحدة، وإن كان فيها ما هو ظاهر وما هو باطن؟

وفي ردّه أشار المبخوت إلى أنّ مفهوم الكفر فضفاض وغير محدّد، وأنّ الجانب الرّمزي منه يتلخّص في محاولة المحافظة على مجتمع إسلامي مثالي بدون أفكار تهدّد المنظومة السّائدة، واعتبر أنّ البعد السّياسي مركزي في التّكفير، وأكّد على انتفاء الفروق بين ما يسمّى إسلاماً متشدّداً وآخر معتدلا، وعرض موقفه السّلبيّ من جامعة الزّيتونة معتبراً أن أساتذة الزّيتونة يوهمون النّاس بأنّهم أهل علم وبأنّهم شيوخ والحال أنّهم على خلاف ذلك، وقال : "أعتقد أنّ من أعظم إنجازات بورقيبة أنّه ألغى دور جامع الزّيتونة"، وأنّه جعل من الدّولة المدنيّة إطاراً يكفل تطبيق القانون.

وأشار محمّد حمزة تبعاً لذلك، إلى أنّ إلغاء بورقيبة لجامع الزيتونة لم يمنع هذه المؤسّسة من مواصلة الاشتغال بنفس آليّات المؤسّسة الدّينيّة القديمة، وبيّن أن خطر المؤسّسات الدّينية عموماً يكمن في أنّ دورها عابر للقارّات، وأنّها تقوم على مفهوم الأمّة، وبالتّالي فهي لا تعترف بالدّولة الوطنيّة، وقال إنّ هذا الصّمت الرّهيب لعلماء الزيتونة إزاء ما ورد في كتاب المبخوت يعكس حقيقة حرجها من الخوض في الماضي، ويبيّن أنّها تعتمد على النّسيان ليظلّ الماضي ضبابيّا حتى يسهل عليها توظيفه.

وفي تفاعله مع اعتبار الحدّاد والشّابي وغيرهما ثورةً على مؤسّسة الزيتونة من داخلها، تساءل محمد حمزة قائلاً هل الثّورة من داخل المؤسّسة الدّينية هي فعلاً ثورة؟ معتبراً أنّ الزّيتونيّين المتنوّرين هم أقرب إلى التّجديد الجزئي الذي من شأنه أن يحمي المؤسّسة الدّينية من الانفجار.

وبيّن المبخوت أنّ مؤسّسة الزّيتونة كانت بأيدي "البلديّة"؛ أي العائلات البرجوازيّة المتنفّذة التي تتوارث العلم والمناصب في ما بينها، وأنّ الثّورة بدأت من داخل الزّيتونة من خلال أعلام لا ينتمون إلى "البلديّة" مثل الحدّاد والشّابي وغيرهما، الأمر الذي ساهم في صناعة التّحوّل الذي عرفته المؤسّسة الدّينية في تونس، ولم يعتبر ذلك مجرّد تنفيس من داخلها، مبيّنا أنّ الحدّاد كان نقابيّا مدافعاً عن العمّال، وكان رافضاً لبرامج التّعليم الزّيتوني تماماً كما كان الشّابي رافضاً لها، واستخلص من ذلك أنّ ما تعرّض له هؤلاء من تكفير يمكن اعتباره في الآن ذاته بداية تنوير؛ ذلك أنّ ما تبنّوه من أفكار كان تنويريّا، ولم ينشأ ذاتيّا من داخل المنظومة القديمة.

ولاحظ محمّد حمزة أنّ الأعلام الثّلاثة الذين اشتغل عليهم الكتاب لم يؤدّ تكفيرهم إلى اغتيالهم، وقارن ذلك بما أصبح عليه التّكفير في العقود الأخيرة من قتل وإهدار للدّماء، كما لاحظ أنّ التّكفير في تونس لم يتوجّه تاريخيّا إلى النّساء بخلاف ما أصبح عليه الأمر حديثاً، وردّ ذلك إلى التّحوّلات الاجتماعيّة الجديدة التي مكّنت المرأة من المساهمة في التّنوير.

واستعرض المبخوت كيف أنّ المؤسّسة الدّينية حرضت العوام ضدّ هؤلاء، فتظاهروا في الشّوارع وطالبوا بقتلهم، ولكن تدخّل البرلمان الفرنسي ومنظّمة حقوق الإنسان الفرنسيّة والمقيم العام الفرنسي إلى جانب إحاطة أصدقائهم بهم، حال دون ذلك. ولم تكن نجاة هؤلاء التنويريّين من تظليل المؤسّسة الدّينية، سوى استثناء ساهم فيه العامل الخارجي، بالقدر الذي ساهم في تأليب المؤسّسة الدّينية عليهم استنادا إلى فكرة المؤامرة الخارجيّة على الإسلام.

وعرّج الأستاذ محمد حمزة في الختام على مقدار التّفاؤل الذي يميّز كتاب المبخوت، متسائلاً عن مدى معقوليّة هذا التّفاؤل أمام هشاشة المكتسبات التنويريّة المتحقّقة راهناً.

وفي ردّه، أكّد المبخوت على أهميّة التّفاؤل مثمّناً القيمة الرّمزية التي يمثّلها الفصل السّادس من الدّستور في تحجير التّكفير، وقال إنّ ما يبقى الآن هو أن نعمل على تحقيق إجراءات جزئيّة لحماية مختلف الحرّيات بإنفاذ مبدأ ليس باليسير أن يتحقّق في بلد عربي ومسلم آخر، واعتبر أنّ تاريخ التّكفير هو تاريخ التّنوير والتّحديث، وقال إن تونس دخلت إلى الحداثة دخولاً لا رجعة فيه، وهو ما يدعو إلى التّفاؤل.

 

البحث في الوسم
شكري المبخوت