اللّقاء الحواري المفتوح حول محاكمة محمود محمد طه

فئة: أنشطة سابقة

اللّقاء الحواري المفتوح  حول محاكمة محمود محمد طه

احتضن مقرّ مؤمنون بلا حدود للدّراسات والأبحاث وجمعيّة الدّراسات الفكريّة والاجتماعيّة، بتونس العاصمة، الأربعاء 24 أكتوبر الجاري، اللّقاء الحواري المفتوح حول محاكمة محمود محمد طه، في إطار "سلسلة محاكمات الفكر شرقاً وغرباً''، وقد تضمّن اللّقاء الذي أداره الأستاذ فيصل شلّوف، مداخلة قدّمها الأستاذ حسن بزاينيّة تناول فيها الإحاطة المعرفيّة بمحمود محمد طه مع إيراد الحيثيّات التي حفّت بتجربته السّياسيّة والفكريّة، وانتهت إلى محاكمته وتطبيق حدّ الردّة عليه.

وانطلق الأستاذ حسن بزاينية في مداخلته، من اعتبار أن محاكمة محمود محمد طه هي من المحاكمات الفكريّة المشينة، التي تركت أثراً كبيراً في البلاد العربيّة والإسلاميّة، وكانت لها نتائج سياسيّة تهمّ السودان خاصّة. وقال إنّ محمود محمّد طه مهندس مهتم بالكتابة والقضايا الفكريّة والسّياسيّة ومساهم في الحركة الاجتماعيّة في السّودان، وبيّن أن مؤلفاته تحمل تطلّعات نحو مستقبل مختلف يتجاوز السّائد، ويعمل على مراجعته نقديّاً من أجل تطوير الموروث في ظلّ واقع سياسي وثقافي مأزوم، وسلّط من ثمّ بعض الضّوء على السّياق العام الذي فكّر فيه الشيخ والقضايا التي شغلته في العقد السّابع من القرن الماضي، تلك الفترة التي عرفت سيطرة توجّهات إيديولوجيّة على المجتمع، وتحكّمت في طبيعة الممارسة السّياسية، وأثّرت على مبدأ المشاركة في تأسيس رؤية سياسيّة بنّاءة تنعكس على كتابة الدّستور وسنّ القوانين وتطبيقها عمليّاً، كما بيّن أنّ الجوّ العام آنذاك، دعم الأحزاب ذات المرجعيّة الدّينية التي تحالفت مع بعضها البعض من أجل القضاء على خصومها السّياسيين، وقد نتج عن ذلك نوع من الصّدام بين محمود محمد طه الذي كان يتزعّم الحزب الجمهوري والإخوان المسلمين، وأشار إلى أنّه كان يختلف معهم في مبادئ كثيرة، وقد عرض ردّه على الإخوان من خلال استعراض بعض ما كتب، مبيّنا دعوته إلى مزيد الانفتاح باتّجاه الحرّية السّياسيّة، وأنّه قد وصف بعض رموز الإخوان آنذاك بالفاشيّة.

واعتبر بزاينية أنّ هذا السّياق الخلافي العام هو الذي أدّى إلى محاكمة الشّيخ محمود محمد طه وقد حُكم عليه بالرّدّة من طرف المحكمة الشّرعيّة بالخرطوم نتيجة ذلك المشكل السّياسي، وتمّ إعدامه فيما بعد (بعد 17 سنة من صدور الحكم)، ما جعله يجابه ذلك الحكم بالرّأي والكتابة، ويعتبر أن الرأي لا يمكن أن يحاكم، بل لابد من أن يتمّ نقاشه في ساحات الحوار العامّة. وبيّن أنّ الشيخ كان يعتبر أن جوهر العقيدة الإسلاميّة كامن في الآيات المكّية التي يسمّيها "آيات الإسماح"؛ أي السّماحة، وهي نصوص تقرّ بحرّية الضّمير وليس النّسخ إلاّ إرجاءً للحكم ولا يمكن اعتباره إلغاءً تامّاً له، كما يعتبر أنّ الزّمن يفترض من المسلمين العودة إلى تلك الآيات المنسوخة والاستلهام منها حديثاً والعمل بها، لأنّها تتلاءم مع روح الوقت. وعرض بزاينية ما يتوافق مع هذه الفكرة في كتب التّراث وفي كتب المعاصرين وبحوث بعض أعلام الأزهر وهم يمثّلون المؤسّسة الدّينية الرّسميّة، وقد كانت لهم مواقف مهمّة ضد اعتماد النّسخ، وعرّج من ثمّ على موقف مشابه لدى نصر حامد أبي زيد في كتابه "مفهوم النّص" واعتبر أنّ هذه المسألة تثير قضايا مهمّة في فهم التّراث العربي الإسلامي والتّعامل معها حديثاً، وبيّن أنّ غرض مراجعة محمود محمد طه لقضيّة النّسخ هو غرض فكريّ حضاريّ متأثّر بالحداثة الفكريّة، وغايته تخليص الفكر الإسلامي من مفاهيم لم تعد تتماشى مع روح العصر الفلسفيّة والحضاريّة؛ من ذلك مفهوم الجهاد والرّق والتّعدّد في النّساء وغيرها من المسائل التي لم يكن محمود محمد طه يعتبرها أصولاً في الإسلام.

وخلص بزاينية إلى أنّ الحكم على الشّيخ بالردّة وجد تأييداً من أطراف سياسيّة أرادت أن تتخلّص منه لا باعتباره مارقاً دينيّاً بقدر اعتباره خصماً ناشطاً سياسيّاً وله قبول اجتماعي لدى فئات واسعة من الشّباب السّوداني، لذلك أيّد الإخوان المسلمون رأي جعفر النّميري وشاركوا في مبايعته، واعتبر أنّ الظّرف السّياسي الذي عاشه السّودان آنذاك ساهم في تنفيذ حدّ الرّدّة في الشّيخ، وقد أُلبس الخلاف السّياسي لبوساً دينيّاً ليكون له تأثير في مشاعر عامّة النّاس، وليجد قبولاً لدى الشّعب. وقال بزاينية إنّ الاخوان المسلمين مسؤولون عن الوصول إلى تلك النّتيجة، لأنّ من رفعوا دعوى الحسبة على الشّيخ كانوا مقرّبين من جبهة الميثاق الإسلامي، وأضاف أنّ ما نقل عن حسن التّرابي نفسه يؤكّد أنّ مواقف الإخوان كانت مؤيّدة لحكم الإعدام.

وتداول الكلمة بعد ذلك، مجموعة من المتدخّلين في النّقاش، فطرحوا قضيّة الرّدّة والدّوافع الكامنة وراء عودتها في العصر الحديث من خلال نموذج محاكة محمود محمد طه، رغم اختلاف منظومة الحقوق الكونيّة الحديثة التي تؤمن بالفرد عن المنظومة الفقهيّة الشّرعيّة القديمة التي تؤمن بالجماعة، كما طُرحت مسألة النّسخ في ما يتعلّق بآيات القرآن المكّية التي تنزع عن العنف وتؤكد على روح الدّين الفرديّة.

البحث في الوسم
محمود محمد طه فيصل شلّوف