اللّقاء الحواري المنطلق من "تقرير الحالة الدّينيّة في تونس 2011-2015"

فئة: أنشطة سابقة

اللّقاء الحواري المنطلق من "تقرير الحالة الدّينيّة في تونس 2011-2015"

احتضن مقر مؤمنون بلا حدود للدّراسات والأبحاث وجمعيّة الدّراسات الفكريّة والاجتماعيّة، بتونس العاصمة، السبت 27 أكتوبر، لقاءً حواريّاً انطلاقاً من "تقرير الحالة الدينيّة في تونس 2011-2015"، بمشاركة كلّ من الأستاذة حياة اليعقوبي التي قدّمت مداخلة بعنوان: "المرأة وحريّة التديّن في تونس"، والأستاذة آمنة البنّاري وقد قدّمت مداخلة بعنوان: "الحرّيّات الدّينيّة في تونس من 2015 إلى 2018: ماذا تغيّر في النصوص؟"، وأعقبهما الأستاذ شهاب اليحياوي بمداخلة كان عنوانها: "الدين والمجال العام في تونس: الانفتاح الحذر والانغلاق المرن"، وأدار اللّقاء الأستاذ فيصل شلوف.

انطلقت الأستاذة حياة اليعقوبي في مداخلتها من الإشارة إلى ما تضمّنته الورقة البحثيّة التي ساهمت بها في التّقرير، والتي تهمّ المرأة والدّين في تونس، واختارت أن تهتمّ بمسألتين هما؛ أوّلاً مسألة اللّباس وخصوصيّات واقع التّديّن في تونس، وثانياً المرأة التّونسيّة بين الدّين والقانون.

وبيّنت من ثمّ، أنّ اللّباس الذي اتخذ رمزيّة دينيّة وسياسيّة مثّل مجالاً مهمّاً لبحث علاقة المرأة بالدّين، فتعلّق من جهة بمبادئ التديّن لدى فئات من المجتمع، وتعلّق من جهة ثانية بمسألة الحداثة والتحرّر وتحقيق المساواة. وأشارت إلى أنّ اللّباس الدّيني عرف انتشاراً واسعاً في تونس إبّان سنة 2011، وأنّ ذلك ووجه بنوع من القبول الاجتماعي، إلا أنّه سرعان ما تحوّل إلى إلزام يمارس على المرأة بالقوّة من طرف الإسلاميّين، وعرضت المتدخلة بعض الأمثلة عن فرض ارتداء الحجاب على المرأة، كما تحدّثت عن "أزمة كلية الآداب والإنسانيّات بمنوبة" التي تمثلت في ردّ بعض السّلفيّين الفعل على منع طالبة منتقبة من دخول حرم الجامعة، بأن حاصروا الجامعة لمدّة طويلة ومنعوا الدّروس فيها. وقالت إن الإسلام السّياسي ساهم في انتشار الحجاب والنقاب في الفترة الأولى التي اعتلى فيها الإسلاميّون السّلطة في تونس، والدّليل على ذلك هو تراجع هذه الظّاهرة بعد تراجعهم سياسيّاً. وخلصت من ذلك إلى ما أثاره اللّباس من انقسام في وجهات النّظر بين موقف الإسلاميّين وموقف الحداثيّين، وهو ما أحدث تجاذباً عكسته المعركة في الدّستور الجديد حول المرجعيّة الكونيّة للقوانين.

وانتقلت من ثمّ، إلى مسألة حرّية المرأة التّونسية بين الدّين والقانون، وأشارت إلى مرجعيّة القوانين والحقوق التي تخصّ المرأة، واعتبرت أنّها قد حقّقت الكثير من المكاسب القانونيّة في هذا المجال، وأنّ هذه المكاسب كانت نتيجة التّحرّكات في الشّارع من قبل النّساء والرّجال أيضاً، وقالت إنّ ضغط الشارع هو الذي جعل لجان الدّستور تميل إلى إقرار تلك المكاسب، في ظلّ تجاذب اجتماعيّ حادّ بين الطّرفين الإسلامي والحداثي. وعرضت المتدخّلة بعض البيانات التي استند عليها الإسلاميّون للمطالبة بالعدول عن منع تعدد الزوجات، ومن بينها ازدياد نسب العنوسة وإقبال نسب مهمة من النّساء على ممارسة الجنس خارج إطار الزّواج، ممّا فاقم ظاهرة الأمّهات العازبات، واعتبرت أنّ تلك الظّواهر هي التي يحتجّ بها الإسلاميّون للإقناع بالتّراجع عن المكاسب القانونيّة التي تحققت لفائدة المرأة. وخلصت من ثمّ، إلى جملة من النّتائج ومن بينها أنّ خصوصيّات الواقع التّونسي استطاعت أن تخلق جملة من المميّزات في علاقة المرأة بالدّين، فنتج عن ذلك نموذجان؛ الأوّل تأثرت فيه المرأة بالدّين، والثّاني أثرت فيه المرأة في الدّين، وهو ما أفرز مخاضاً لم يحسم أمره بعد، ورأت أنّه يصعب الحديث في تونس عن نموذج واحد في علاقة المرأة بالدّين كما يصعب حصرها في التّديّن واللاّ تديّن في ظلّ عدم قدرة المجتمع على حسم هذه العلاقة.

وأحيلت الكلمة بعد ذلك إلى الباحثة في القانون الأستاذة آمنة البنّاري، فأشارت إلى أن مداخلتها مواصلة للورقة البحثيّة التي ساهمت بها في تقرير الحالة الدّينية في تونس، وكانت قد اهتمّت فيها بالمسار القانوني الذي تشكّل في تونس من خلال المجلس التّأسيسي وأنتج دستور جانفييه/ يناير 2014 . كما اهتمّت بالبحث في مكانة الدّين في الدّستور وعلاقة الدّين بالحرّيّات الدّينيّة في تونس، وقد اختارت أن تواصل في هذا المبحث إلى حدود الوقت الرّاهن، لترصد حجم التغيّرات الحاصلة من 2015 إلى 2018، والتي عبّرت عنها من خلال التّساؤل "ماذا تغيّر؟"

واعتبرت أنّ المشرّع التّونسي قد صادق على الكثير من القوانين خلال هذه الفترة، ما يستوجب إعادة نظر في المسائل المتعلّقة بها، وفي الدّوافع والحيثيّات التي صاحبت ذلك، ووصفت ذلك بالمسار الصّعب الذي لم يكن بالسّلاسة المنتظرة عند وضع الدّستور، معتبرة أنّ مواد الدّستور لم تكن سوى خطوة أولى نحو تفعيل المبادئ التي أقرّها، ومن بينها الحرّيّات الدّينيّة. وعرّجت على آليات ذلك التّفعيل، ومن بينها المصادقة على المحكمة الدّستورية قائلة: "إنّها من أهمّ الآليّات المفصليّة لحماية الحقوق الدّينيّة"، واعتبرت من ثمّ أنّ الحقوق الدّينيّة من أكثر الحقوق حساسيّة ودقّة نظراً لارتباطها المباشر بمسلّمات عقائديّة لدى الأفراد يصعب النّقاش فيها أو تغييرها، ونظراً لتشعّب هذه الحرّيّات الدّينيّة وتشابكها، فهي حرّيّات مركّبة يتعلّق بها الفصل السّادس من الدّستور الذي عكس الكثير من التّناقضات التي عاشتها البلاد في تلك الفترة، وبيّنت أنّ هذه التّناقضات تحدّ من تفعيل القوانين المتعلّقة بالشّأن الدّيني في الواقع التّونسي، وقالت المتدخّلة إنّ بعض فصول هذا الدّستور مخالفة للحرّيّات الدّينيّة، ومن ذلك مسألة ''اليمين الدّستوريّة'' باعتبارها ذات مرجعيّة دينيّة محدّدة، ومسألة القانون الانتخابي الذي يقرّ بالتّمييز على مستوى الدّين في أحقّية الترشّح لمنصب رئاسة الجمهوريّة، وفي مجلّة الأحوال الشّخصيّة، وهو ما يجعل بعض المواد القانونيّة مجرّد أحكام نظريّة بعيدة عن دولة القانون والمؤسّسات.

واهتمّت المتدخّلة بعد ذلك، بالكشف عن مدى احترام القوانين المتعلّقة بالحرّيّات الدّينية ووقفت على ثلاث مسائل بدءاً بالتّطور النّسبي في مسألة زواج التّونسية المسلمة من غير المسلم، وثانياً في تواصل العمل بالمنشور الذي يمنع المجاهرة بالإفطار في شهر رمضان، وثالثاً ما قام به تقرير الحرّيات الفرديّة والمساواة ومعالجته لمسألة الحرّيّات الدّينيّة في تونس، وخلصت من ذلك إلى جملة من النّتائج أهمّها اعتبار أنّ النّصوص القانونيّة المتعلّقة بالشّأن الدّيني في تونس ما تزال قاصرة عن بلوغ التّأثير في الواقع المجتمعي، وأرجعت ذلك إلى أنّ الصّيغ القانونيّة التي أقرّها المشرّع فضفاضة وزئبقيّة وقابلة لتعدّد القراءة من أطراف متعدّدة.

وتناول الكلمة بعد ذلك، الأستاذ شهاب اليحياوي وهو باحث متخصّص في علم الاجتماع، وكان قد ساهم في تقرير الحالة الدّينية في تونس بورقة تحليليّة تناولت جملة من البيانات الاستقصائيّة، اهتمّ فيها بمسألة الدّين في المجال العام في تونس من خلال علمنة الدّين وتديين العلمنة وعموميّة الدّين وتمثّلاته لدى التّونسي والمجال الدّيني ووسائل الدّعاية وتديين التّعليم وممارسة الشّعائر الدّينية والمجال الدّيني في علاقة بالسّياسة... وقد اختار في مداخلته الاهتمام بإشكاليّة حضور الدّيني والسّياسي في المجتمع وظهور فاعلين جدد في المجال الدّيني، وقد حدّد جملة من الملامح العامّة لتديّن التّونسي من خلال بعض البيانات المنشورة في التّقرير، واعتبر أنّ تديّن التّونسي لا مذهبي؛ أي أنّ التّونسي يرفض تعميم الدّيني في الكثير من مستويات حياته، إضافة إلى أنّه يعتبر الدّين مجالاً فرديّاً وذاتيّاً، وأنّه يمثّل لديه رابطاً ثقافيّاً بالأساس ومكوناً رئيساً في الهويّة الجمعيّة، وأنّه يرفض الرّاديكاليّة في بعدها الدّيني واللاّديني، ويقبل بولاية الدّولة على الدّين؛ أي دولنة الدّين، وأنّه لا يتعامل مع جميع الطّقوس الدّينيّة بالكيفيّة ذاتها.

وحول علاقة التّونسي بوسائل الإعلام، قال المتدخّل إنّ هناك معيارا أساسيا يقوم عليه هو الدّعاية والمشهديّة، وقال إن وسائل الدّعاية المرئيّة هي الأكثر حضوراً لدى التّونسي من تلك المقروءة، واعتبر أنّ الرّأي العام التّونسي يتشكّل بصفة أكبر من خلال ثقافة الصّورة، وأرجع إلى ذلك ضعف تأثير النّخب المثقّفة التي تعبّر بالكتابة في مقابل صعود نماذج غير ثابتة مرتبطة بثقافة الصّورة. وعرّج على الدّور الكبير الذي تلعبه المؤسّسات الإعلاميّة الخاصّة في تشكيل الرّأي العام.

وعن مدى حضور الدّيني في لعب دور عمومي، أشار المتدخّل إلى تغلغل هذا الحضور في التّعليم ما قبل المدرسي من خلال الكتاتيب والمدارس القرآنيّة، واعتبر أنّ المدرسة تمثّل المؤسّسة التي يبحث من خلالها كلّ طرف يريد أن يوسّع تأثيره في المجال العام عن التّموقع داخل المجتمع. وقال إنّها تؤثّر في مستوى تكوين ثقافة التّونسي الدّينية، وأنّها محلّ تجاذب من أطراف متداخلة.

وأشار إلى حضور الدّيني في مجال العمل، وبيّن أنّ موقف التّونسي لم يحسم في ذلك، فقد تراوح بين من يرى ضرورة السّماح لمن يريد القيام بواجبه الدّيني أثناء العمل من منطلق الحقّ، وبين من يعبّر عن رفض فرض ذلك في الكثير من الفضاءات العامّة، واعتبر أنّ القبول بأسلمة الفضاء العمومي مرتبط بالتقدّم في السنّ.

وعن حضور الدّيني في المجال السّياسي، اعتبر الأستاذ اليحياوي أنّ التّونسي يرى أنّ من واجبات الدّولة أن تكون راعية للدّين، إلاّ أنّ ذلك لا يعني أسلمة الدّولة، وقال إنّ هذا يكشف عن رفض التّونسي لتوظيف الدّين في السّياسة وتوظيف السّياسة في الدّين، وخلص إلى اعتبار أنّ التّونسي يقبل بدولنة الدّين، ولكنّه يرفض أسلمة الدّولة.

البحث في الوسم
الحالة الدّينيّة تونس