اللّقاء الحواريّ بعنوان: "محاكمة صادق جلال العظم: قراءة في وثائق المحاكمة"

فئة: أنشطة سابقة

اللّقاء الحواريّ بعنوان: "محاكمة صادق جلال العظم: قراءة في وثائق المحاكمة"

انتظم بمقرّ مؤسّسة مؤمنون بلا حدود للدّراسات والأبحاث وجمعيّة الدّراسات الفكريّة والاجتماعيّة، بتونس العاصمة، يوم السّبت 9 مارس الجاري، وفي إطار "سلسلة محاكمات الفكر شرقاً وغرباً"، اللّقاء الحواريّ بعنوان: "محاكمة صادق جلال العظم: قراءة في وثائق المحاكمة" قدّمه الأستاذ نادر الحمّامي، وأدارت اللّقاء الأستاذة أمّ الزين بن شيخة المسكيني. وقد افتتحته بتأطير عام للمسألة، ونزّلت الاهتمام بفكر صادق جلال العظم ضمن ما يُحمل على المثقّف اليوم من واجب المساهمة بأفكاره في المجال العمومي، والاشتغال على قضايا الفكر الحر، وملامسة عمق المجتمع من أجل إنقاذه من كافة أشكال الهشاشة والخضوع للمسلّمات، واعتبرت أنّ ذلك ينبع من إرادة تؤمن بالاختلاف وتتقبّله في جميع مستوياته الأخلاقيّة والدّينية والسّياسية والفكريّة. وأشارت إلى أنّ صادق جلال العظم قد فتح أفقاً جديداً للثّقافة العربيّة، انطلاقاً من "نقد الفكر الدّيني" من أجل تحقيق الانتماء الإيجابي إلى الإنسانيّة الحاليّة، وقالت إن ''زعزعة مكنة التّعصّب الدّيني من الدّاخل هو تقليد فلسفي" خاض فيه العظم بشجاعة.

وانطلق نادر الحمّامي في مداخلته من عبارة "بؤس الفكر الدّيني" التي قالها صادق جلال العظم، وقد دافع عن نفسه إعلاميّا وأمام المحكمة بأنّه لا يتعرّض إلى الدّين، بل إلى الفكر الدّيني. واعتبر الحمّامي أنّ التّمييز الجذري بين الفكر الدّيني والدّين يحتاج في ذاته إلى مراجعة، وأكّد أنّ مدار الاهتمام في المحاكمة التي تعرّض لها، لا يتعلّق بالمسائل القانونيّة التي ناقشها المختصّون في القانون، بل يتعلّق بالمحاكمة المستمرّة للفكر الحرّ عموماً، والتي لا تزال متواصلة إلى اليوم ضمن أشكال متعدّدة، معتبراً أنّ العظم يمثّل هذا الفكر الحر في جميع مراحله منذ انخراطه في الفكر القومي وانتقاله بعد ذلك إلى الفكر الماركسي، ثمّ إلى الفكر اللّيبرالي، وبيّن انطلاقاً من رصد تلك المراحل الفكريّة أنّ فكر صادق جلال العظم فكر متحوّل، وأنّ التّحوّلات الفكريّة التي عاشها لم تكن في إطار إيديولوجيا محنّطة، لأنّه "كان صديقاً لفكره الحر وعدوّاً للجميع".

ونزّل من ثمّ محاكمة العظم في إطار تاريخيّ، وجعلها تتوسّط محاكمة طه حسين في نهاية العشرينيات بعد صدور كتابه "في الشّعر الجاهلي"، ومحاكمة نصر حامد أبو زيد في منتصف التّسعينيات، ولاحظ أنّ ما يربط بين هذه المحاكمات الثّلاث هو التّدرّج في اتّجاه التّشدّد وصولاً إلى توقيع العقاب المادّي والحدّ من الحرّية، مشيراً إلى أنّ صادق جلال العظم "حوكم من أجل سطوة النّقد ومن أجل الوضوح وتحمّل المسؤوليّة والتّأثير في الجمهور"، وتعمّق بعد ذلك في استعراض مسار العظم في كتاباته ودراساته المختلفة، والمجالات التي استوعبت أفكاره وآراءه، معتبراً أنّ أفكاره مسكونة بالقلق، وأنّه يواجه الحقائق بوضوح كبير ومن دون مواربة أو زيف، فهو لا يسمّي ما حصل للعرب في حزيران 1967 "نكسة" بل "هزيمة"، وثمّن ذلك على اعتباره منهجاً ضروريّا في سياق فهم الواقع والتّعامل معه، قائلاً: "نحن مجتمعات تكره تسمية الأشياء بمسمّياتها الحقيقيّة، لذلك نتحدّث عن الهزائم بنوع من التّزيين والتّلطيف باعتبارها نكسات ونكبات عارضة"، وقال إنّ خطاب العظم كان مؤثّراً في الجمهور لأنّه كان ملتحماً بالواقع ومعبّراً عنه، بعيداً عن التّنظير والنخبويّة والتّعالي، وأنّه كان يعي جيّداً عدم إمكان اقتحام الفضاء العمومي بخطاب لا يفهمه النّاس بغضّ النّظر عن محتوى الأفكار وأهمّيتها.

وبيّن الحمّامي أنّ أفكار العظم لاقت معارضة من جميع النّخب بما فيها اليساريّة والقوميّة واللّيبراليّة واليمينيّة، وعرض في هذا السّياق موقف محمود محمد طه الذي قام بدروس علنيّة في منتصف السّبعينيات على امتداد حلقات كاملة، عارض فيها أفكار صادق جلال العظم حول نقد الفكر الدّيني، من منطق ما رأى أنّه "تحدّيات تواجه الدّين"، وأنّه انتهى به الأمر لأن يكون ضحيّة لذلك الفكر الدّيني، فقد أعدم بعد اتّهامه بالردّة. وعلّق الحمّامي على ذلك قائلاً، إنّه أمر خطير لا يزال متواصلاً، فكثيراً ما ينتهي الأمر بمن يدخلون في منطق التّكفير دفاعاً عن الدّين، إلى أن يكونوا ضحايا لذات المنطق. وعرض بعض جوانب ممّا اعتبر أنّه تواصل لمحاكمة العظم خارج أسوار المحكمة، وخصّص ذلك في السّياق الإعلامي، مشيراً إلى الحوار التّلفزيوني الذي شارك فيه العظم في مواجهة مع يوسف القرضاوي، ملاحظاً أنّ من سمات ذلك الحوار أنّه محاكمة للفكر الحر، بين ممثّل للدّين وممثّل للعلمانيّة، ينتهي إلى تكريس الكثير من المغالطات والاتّهامات والتّمييز على أساس ديني. وأشار إلى خطورة تلك المحاكمات وانعكاساتها الثقافيّة والاجتماعيّة، وانتهى إلى القول: "إنّ معارضة الفكر الحرّ سياسيّاً ودينيّاً واجتماعيّاً ولّد لدينا جيلاً هوويّاً مهزوماً يرفض واقعه كما يرفض مواجهة تراثه بالجرأة الفكريّة اللاّزمة، ويطرب لانتصارات وهميّة".

ودارت الكلمة بين الحضور، فأبدوا بعض الملاحظات في النّقاش، ومن بينها الإشارة إلى أهمّية السّياقات النّقديّة في تناول مسائل التّراث، وأهمّية الفكر الحرّ في بناء المجتمعات، وأهمّية النّقد الذّاتي في تأسيس مسارات الهويّة على قواعد عقلانيّة. ودعا البعض إلى ضرورة تجاوز ثنائيّة الإلحاد والإيمان وجميع ما يستتبعها من تكفير وإلجام للفعل الحرّ والإبداع، من أجل الانتماء الإيجابي إلى الإنسانيّة. واهتم بعض المتدخّلين بطرح أفكار حول العلاقة بين الدّين والنّقد الدّيني معتبرين أنّ حدود التّعامل مع الظّاهرة الدّينية يمكن أن تتوسّع نقديّا إلى ما يتجاوز ثنائيّة الإيمان والكفر، لينتهي إلى إعلاء قيمة الإنسان.