اللّقاء الحواري حول: "تقرير الحالة الدّينية في تونس 2011-2015"

فئة: أنشطة سابقة

اللّقاء الحواري حول: "تقرير الحالة الدّينية في تونس 2011-2015"

احتضن فضاء المحاضرات بكلّية الآداب والعلوم الإنسانيّة بالقيروان، يوم السّبت 2 فبراير الجاري، اللّقاء الحواري حول "تقرير الحالة الدّينية في تونس 2011-2015" الذي نظّمته مؤسّسة مؤمنون بلا حدود للدّراسات والأبحاث وجمعيّة الدّراسات الفكريّة والاجتماعيّة بالشّراكة مع مخبر تجديد مناهج البحث والبيداغوجيا في الإنسانيّات بكلّية الآداب والعلوم الإنسانيّة بالقيروان، وساهم فيه كلّ من الأستاذة حذام بن عبد الواحد والأساتذة منير السّعيداني ونادر الحمّامي ومحمّد النّوي، وقام بإدارة اللّقاء الأستاذ حمّادي المسعودي.

وأشار منير السّعيداني في كلمته التّقديمية، إلى أنّ التّقرير يقدَّم لأوّل مرّة في رحاب مؤسّسة أكاديميّة وباستضافة مخبر علميّ، واعتبر أنّ هذا السّياق مهمّ، لأنّ من بين أهداف وضع التّقرير هو إثارة النّقاش ومحاولة وضع مادّة وصفيّة تحليليّة وميدانيّة بين أيدي الباحثين المبتدئين والمتمرّسين معا، باعتبار أنّ المسائل التي يخوض فيها التّقرير تتعلّق بمستويات متعدّدة تسترعي مزيد البحث والتّعمّق بالنّظر إلى كونها متحرّكة وقابلة لتعدّد زوايا النّظر والتّحليل والبحث، وأشار من ثمّ إلى طبيعة العمل على التّقرير من قبل اللّجنة التي اشتغلت عليه، والظّرفيّة التي تمّ الاهتمام بها، وكيفيّات إعداد المحتوى وتنسيقه، والغايات التي يرمي إلى تحقيقها، وطبيعة الباحثين المساهمين فيه باختلاف تخصّصاتهم العلميّة والأكاديميّة، وأكّد من ثمّ على الطّبيعة التّمثيلية للتّقرير من منطلق المعطيات الدّقيقة التي تمّ الاشتغال عليها بحثيّاً وميدانيّاً وتحليليّاً، وصولاً إلى التّأكيد أنّ هذا العمل أنتج أوّل تقرير عن الحالة الدّينيّة في تونس بهذا الحجم وبالدّقة العلميّة المطلوبة، إلى جانب الانضباط المنهجي الذي تمّت مراعاته من قبل الباحثين على اختلاف انتماءاتهم وتوجّهاتهم وتخصّصاتهم.

وتناولت الكلمة بعد ذلك، الأستاذة حذام بن عبد الواحد، فعرضت بدقّة محاور التّقرير والمستويات التي اهتمّ بها، وفصّلت بعض مباحثه، فبيّنت اهتمام المجلّد الأوّل بالمستوى المؤسّساتي من خلال البحث حول وزارة الشّؤون الدّينية والمجلس الإسلامي الأعلى والمساجد والجوامع، ثم بالمستوى التّربوي والعلمي والإعلامي من خلال البحث حول مؤسّسة الزّيتونة وتعليم الدّين والتّديّن في المناهج غير الدّينية الرّسميّة والإنتاج العلمي في الشأن الدّيني داخل الجامعة والإعلام الدّيني والدّين في الإعلام وشبكات التّواصل الاجتماعي والجمعيّات الثّقافية ذات الطّابع الدّيني. في حين تعلّق المجلّد الثّاني بالبحث في المستوى القانوني من خلال الاهتمام بالمعاهدات والاتّفاقيات الدّولية ذات العلاقة بالشّأن الدّيني، والتي صادقت عليها تونس، والبحث حول الدّين والحرّيات الدّينية في الدّستور والقوانين ومجلّة الأحوال الشّخصيّة، ثم المستويين السّياسي والاجتماعي من خلال البحث حول الأحزاب القانونيّة ذات المرجعيّة الإسلاميّة ومواقف الأحزاب المدنيّة إزاء الدّين وشؤونه، وحضور الدّيني على الساّحة الطلاّبية التّونسيّة وعلاقة الدّين بالمرأة والجمعيّات والمنظّمات المهنيّة الدّينيّة. واهتم المجلد الثّالث بمستوى التنوّع المذهبي من خلال البحث حول المذهب المالكي في تونس والبحث حول الصّوفية والتديّن الحنفي وجماعة الدّعوة والتّبليغ والبحث حول السّلفيّة وحول المذهب الإباضي والحالة الشّيعيّة في تونس. كما اهتمّ بمستوى التنوّع الدّيني من خلال البحث حول اليهود واليهوديّة في تونس والبحث حول المسيحيّين في تونس. وختمت المتدخّلة كلمتها بالإشارة إلى المجلّد الرّابع، باعتبار أنّه مثّل القسم الإجرائي من التّقرير، وضمّ رصداً للوقائع والظّواهر وتسجيلها وتصنيفها والرّبط بين سياقاتها المختلفة، وقد ثمّنت الجانب التّحليلي الذي قام على محاولة بناء فهم عام للحالة الدّينية في تونس من خلال العمل على تحليل البيانات ووضع استنتاجات مهمّة يمكن اعتبارها قاعدة معلوماتيّة تفتح آفاقاً للباحثين في الشّأن الدّيني في تونس.

وأحيلت الكلمة إلى الأستاذ محمّد النوّي الذي ثمّن المجهودات التي قام عليها التّقرير، قائلاً إنّه يمثّل بحقّ موسوعة للحالة الدّينية في تونس، لا يمكن لأيّ باحث الاستغناء عنها، لأنّها تشكّل أساساً علميّاً وفكريّاً يقوم على الرّصد والوصف والتّحليل وقراءة البيانات والاستنتاج، مؤكّداً على ضرورة الاهتمام بهذا العمل من جوانبه المتعدّدة، ومزيد التّدقيق والتّعمّق في ما طرحه من خلاصات تتعلّق بحالة التّديّن لدى التّونسيّين، معبّرا عن أهمّية تناوله من زوايا نقديّة وفكريّة بنّاءة حتى لا تكون الاستنتاجات واحدة في قراءة الظّاهرة الدّينية التي من طبيعتها أنّها متنوّعة ومتحرّكة، وقد رصد في هذا السّياق العديد من الملاحظات النّقديّة العامّة حول التّقرير في جملته، إلى جانب بعض الملاحظات النقديّة التّفصيلية لبعض ورقاته، فطرح تساؤلاً حول مبرّرات اختيار مصطلح "حالة" عوض "ظاهرة"، خاصّة وأنّ التّديّن يرتبط بالظّواهر من منطلق التّنوّع لا من الحالة من منطلق الثّبات، وعلّق نقديّاً على مدّة الدّراسة التي يبيّنها التّقرير بوضوح في إطار خمس سنوات، قائلاً إنّ طباعة التّقرير وإخراجه للعموم من الباحثين، كان لاحقاً على هذه المدّة بأكثر من سنتين وهو ما يمكن أن يكون حيّزا كافياً لحدوث تطوّرات لاحقة لم يرصدها التّقرير، ولاحظ أيضاً أنّ التّقرير لا يتضمّن الاستبيان الميداني مفرداً أو في ملحق، حتّى يتيح للباحثين قراءته وبناء تحليلاتهم الخاصّة للبيانات المعتمدة، وأشار إلى أنّ النّتائج التي يذهب التّقرير في اتّجاه تثبيتها يمكن اعتبارها نسبيّة، لأنّ التّونسيين ميّالين بطبعهم إلى التّساهل في الإجابة عن كلّ ما يتعلّق بتديّنهم، وأنّهم لا يفصحون عن حقيقة انتماءاتهم وقناعاتهم بدقّة. وأبدى تحفّظات حول بعض النِّسب والأرقام التي يسجّلها التّقرير معتبراً أنّ التّونسيّين قد يجيبون عن آرائهم ومواقفهم حول بعض المذاهب والأديان دون معرفة مسبقة أو دقيقة وكان أولى أن يوجّه لهم سؤال "هل تعرف كذا؟" عوضاً عن سؤال "ما رأيك في كذا؟"، وأثار النّوّي بعد ذلك بعض الملاحظات التي تتعلّق ببعض الورقات معلّقاً على مسألة الموضوعيّة والحياد المنهجي فيها بالنّظر إلى انتماءات أصحابها الوظيفيّة والمذهبيّة، وانتهى إلى عدم تطابق بعض الأرقام الواردة في مختلف الورقات البحثيّة واختلافها خاصّة مع نتائج البحث الميداني.

وأحيلت الكلمة بعد ذلك إلى الأستاذ نادر الحمّامي، فأشار إلى حركيّة الحالة الدّينيّة في تونس وارتباطها بتجاذبات كبرى خاصّة في الفترة الزّمنيّة التي اهتم بها التّقرير، وقال إنّ العمل على إنجاز هذا التّقرير لا يعني التّعامل من منطلق ثابت مع الظّواهر الدّينيّة بقدر ما يعني متابعة تلك الحركيّة والتّطوّر الذي يمكن قراءته من زوايا متعدّدة ما يحيل بالضّرورة على أهمّية الجوانب النّقديّة في التّعامل مع النّتائج التي أفرزها التّقرير، مثمّنا في متون ذلك الاشتغال النّقدي المتواصل الذي يمكن أن يزيد من أهمّية العمل، ويكرّس مبادئ الموضوعيّة العلميّة التي تُميّز الجامعة التّونسيّة في تعاملها مع الحالة الدّينيّة، وأسّس على ذلك طبيعة مداخلته التي عنونها بـ"تقرير الحالة الدّينيّة، ماذا بعد؟".

وعلّق الحمّامي على بعض الملاحظات النّقديّة، قائلاً: "لا ينبغي قراءة هذا التّقرير بصورة منفصلة، وإنّما لا بدّ من قراءته في كليّته، معتبراً أنّ الورقات البحثيّة المضمّنة في التّقرير حافظت على هامش الاختلاف بين الباحثين، وأنّ ذلك يعدّ جزءاً من طبيعة العمل على الحالة الدّينية، فما يمكن أن ينقُص في ورقة ما متعلّقا بالمنهج أو بزاوية الرّؤية أو ببعض المعلومات يمكن أن يوجد في ورقة أخرى حول المسألة ذاتها. وأشار إلى أنّ التّقرير لا يخوض في نوايا التّونسيّين المستجوبين، وإنّما يعتبر فقط الإجابات المقدّمة لبناء تصوّر حول المسائل المراد الاهتمام بها، وأنّ اختلاف مستويات المستجوبين وتنوّع انتماءاتهم هو عامل إثراء لا بدّ من الانتباه إليه ومحاولة فهم العوامل التي يتأسّس عليها، من أجل فهم خصوصيّات المجتمع التّونسي، وعلّق في هذا السّياق على طريقة التّعامل مع المسألة الدّينية في البرامج التّربويّة والتّعليمية معتبراً أنّ المنظومة الإصلاحيّة لم تمسّ المسائل الجوهريّة المتعلّقة بتغير البنى الذّهنيّة وبحركيّة المجتمع، وقال إنّها لا تأخذ بعين الاعتبار أنّ ما يشكّل البنية الذّهنية المجتمعيّة في ما يتعلّق بالدّين والتّديّن لم يعد مبنيّاً على رافد تونسيّ داخليّ، بل أصبح متأثّراً بروافد من خارج تونس، ممّا ينعكس على طبيعة تلك البنية الذّهنيّة التي لم تعد خصوصيّة بالدّرجة الأولى، واعتبر الحمّامي أنّ تقرير الحالة الدّينيّة في تونس عمل على فهم هذه الجوانب من الشّخصيّة التّونسيّة في مستوى التّديّن، وأنّ هذا العمل لا يمكن أن يكون نهائيّاً ولا ثابتاً لأنّ هذه الظّواهر والحالات في تغيّر متواصل وعلينا ملاحقتها بحثيّاً باستمرار من أجل فهمها والبناء عليها.

البحث في الوسم
الحالة الدّينية