اللّقاء الفكري حول كتاب: "الدّولة العالقة" للأستاذ محمّد الحدّاد

فئة: أنشطة سابقة

اللّقاء الفكري حول كتاب: "الدّولة العالقة" للأستاذ محمّد الحدّاد

احتضن مقرّ مؤسسة مؤمنون بلا حدود وجمعيّة الدّراسات الفكريّة والاجتماعيّة، بتونس العاصمة، يوم السبت 26 يناير، اللّقاء الحواري الفكري الذي تضمّن قراءة حول كتاب: "الدّولة العالقة: مأزق المواطنة والحكم المدني في المجتمعات الإسلاميّة"، للأستاذ محمّد الحدّاد، قدّمها الأستاذ أنس الطّريقي، وأدار اللّقاء الأستاذ نادر الحمّامي.

واستهلّ الأستاذ أنس الطريقي مداخلته بتنزيل الكتاب في إطار ما أسماه؛ صراع التّأويلات حول الدّولة، وبيّن أنّ السّياق العام الذي يخوض فيه هو سياق "الدّولة العالقة"، وأنّ المفهوم الأساسي الذي يدور حوله هو مفهوم الشّرعيّة الذي يمكن أن يحوز الاتّفاق الجماعي، قائلاً إنّ الدّولة كما يحدّدها الكتاب عالقة بين فكّي كمّاشة يحاولان تدميرها وسحقها، ويؤدّيان بها إلى الفوضى والعنف، وأضاف أنّ هاتين الشّرعيّتين تتّفقان في المفعول والنّتيجة، رغم اختلافهما في المصدر؛ فالشرعيّة الأولى هي التي تتبنّاها الأصوليّة الإسلاميّة، والشّرعية الثّانية هي شرعيّة الدّولة النّيوليبراليّة أو شرعيّة "العولمة السّائبة" المخترقة للدّول، وقال إن الكتاب بذلك يقدّم استراتيجيّة نظريّة وعمليّة من أجل تأسيس شرعيّة ذات مقدّمات نظريّة وحلول عمليّة. وحلّل الطّريقي ذلك قائلاً، إنّ الشّرعية المأمولة في كتاب الحدّاد تتأسّس في منابع الذّات العربيّة الإسلاميّة الرّاهنة، ولا تعتبر أنّ هذه الذّات مقطوعة عن تاريخها، لذلك فهي تعود إلى الذّاكرة الجماعيّة التي تتجسّد في الفكر الإصلاحي في القرن التّاسع عشر، اعتماداً على نوع من التّحيين والتّأصيل.

واعتبر الطّريقي أنّ تحيين شرعيّة الدّولة عبر تأصيلها يتمّ بإعادة ربطها بالجوهر الذي فقدته بسبب تطبيقاتها التّاريخيّة، وأنّ ذلك يتجاوز مفهوم الدّولة الوطنيّة والقوميّة إلى ما قبلها، بالعودة إلى أفكار النّهضة العربيّة التي تمثّل البدايات البكر لتحسّس الدّولة الحديثة، ولبناء الشّرعية العربيّة الإسلاميّة الممكنة، مبيّنا أنّ ذلك يتوافق في رأي الحدّاد مع دولة المواطنة الحديثة التي لا تنفي الدّولة الوطنيّة، بل تسعى إلى تجاوز القالب الهووي النّمطي الذي تتعلّق به، والذي يتعارض مع منطق الاختلاف والتعدّد، ويؤدّي إلى تكوين بذور العنف بدل بذور الإجماع. وبيّن أن ذلك لا يعني بالضّرورة استعادة مضامين النّهضة العربيّة في القرن التّاسع عشر، بل يعني التنبّه إلى "الحدوس البكر" حول مفهوم الشّرعيّة الذي يمكن تتأسّس عليه عمليّة التّفكير في الدّولة العربيّة الإسلاميّة الرّاهنة، وأنّ تلك الاستعادة يمكن أن تكتفي بالأسئلة، باعتبارها منطلقات قابلة للبناء عليها.

وشرح الطّريقي، من هذا المنطلق، مفاصل الكتاب من زاوية سمّاها "موجبة"، معتبراً أنّ الكتاب يقدّم حجاجاً دقيقاً على هذه الأطروحة حول استئناف شرعيّة الدّولة، يجري في اتّجاهين؛ الأوّل استدلالي وفيه بيان أحقّية فكر النّهضة بأن يكون منطلقاً للتّأصيل، من خلال العمل على تفكيك الحدوس التّحديثية الإصلاحيّة وبيان علاقتها بمفهوم المواطنة، في إطار تفاعلها الإيجابي مع الدّولة الحديثة، والاتّجاه الثّاني سجاليّ، وفيه يبدو محمّد الحدّاد مخاصماً ومجادلاً لشرعيّتي الأصوليّة الإسلاميّة والعولمة السّائبة. وقال الطريقي إن الكتاب يميّز بوضوح بين أن نكون كائنات تراثيّة، أو أن نكون كائنات لها تراث، في إشارة إلى أنّ استعادة أسئلة النّهضة العربيّة لا يعني بأيّ شكل من الأشكال العودة للإقامة في الماضي، بل يعني استعادة الأسئلة ومحاولة تأصيلها في الرّاهن والبناء عليها، في سياق التّمييز بين القراءة بالحدّ والقراءة بالأفق، قائلاً إنّ فكر النّهضة من هذا المنظور لا يحُدّنا، وإنّما هو يفتح لنا أفقاً متجدّداً بعيداً عن منطق الإسقاط، محلّلا بذلك مفهوم استراتيجيّة التّأصيل التي ينبني عليها الكتاب.

وقدّم الطريقي بعض الملاحظات النّقدية حول الكتاب، نزّلها في إطار ما سمّاه القراءة "السّالبة"؛ معتبراً أنّ محمّد الحدّاد الذي ينفي بوضوح في مجمل كتاباته السّابقة براديغمات التّفكير التّاريخي القائم على التّحقيب الزّمني، يستعيد في هذا الكتاب براديغم الدّولة الحديثة من منطلقات أسئلة روّاد النّهضة العربيّة في القرن التّاسع عشر، ليؤسّس عليه الشّرعيّة المواطنيّة التي تتجاوز شرعيّة الأصوليّات الإسلاميّة والنيوليبرالية. وخلص من التّساؤل حول مدى خلو هذه الدّولة الحديثة من قاع هووي، إلى التّأكيد أنّها تأسّست في ذاتها على اعتبارات هوويّة تصنّف الإنسان بحسب طبيعته من منطلق فرضيّة حالة الطّبيعة، وقال إنّ التّعريف النّهائي للإنسان بوصفه ذاتا مفكّرة، أوقع الحداثة في عقلانيّة جافّة أقصت كل ما هو غير قابل للتّعقّل وحكمت على الثّقافات التي لم تصل إلى إدراك العقل الأوروبي بأنّها ثقافات خارج التّاريخ، وبمقتضى ذلك سارت الحداثة في اتّجاه تبرير الهيمنة الغربيّة على العالم.

وأشار إلى أنّ استبعاد القاع الهووي للشّرعية في سياق اعتبار الإنسان بما هو إنسان دون انتمائه الدّيني أو العرقي، من شأنه أن ينفي تعدّد عناصر الذّات، مؤكّداً على أنّها في تركيبتها ذاتا جماعيّة وتاريخيّة، وأنّها قابلة أيضاً للتّعايش المشترك. وانتهى من ذلك إلى القول "إنّ الشّرعيّة كما يتبناها الكتاب تُحيل على الاتّفاق على مجموعة من الشّروط الجافّة دون أساس وجداني جامع، يجد فيه كلّ مواطن نفسه"، وأكّد على إمكان تحويل الهويّة من عامل صراع ينتهي إلى هدم الدّولة وتحويلها باتّجاه الفوضى إلى عامل تعايش من خلال التّأكيد على التّعدّد وإنجاز الاتّفاق الجماعي على نسبيّة أفكارنا، والتّخلّي عن وهم امتلاك الحقيقة، وهو ما لا يوجد لدى أعلام النّهضة العربيّة لأنّهم كانوا يفكّرون في إطار مقولة الحقيقة الدّينية الواحدة، باعتبار الإسلام وحده هو الحامل للحقيقة، فكان تفاعلهم مع الدّولة الحديثة تفاعلاً تقنيّا، فاعترفوا بالحرّية الدّينية من منظور التّسامح الذي ينطلق من مركزيّة الحقيقة لا من منظور الحق الذي يُنسّب الحقيقة.

 

البحث في الوسم
محمّد الحدّاد