اللّقاء الفكري "كيف نقاوم التّطرّف والتعصّب والإرهاب؟"

فئة: أنشطة سابقة

اللّقاء الفكري "كيف نقاوم التّطرّف والتعصّب والإرهاب؟"

انتظم بفضاء دار المعلّمين العليا بتونس، يوم الأربعاء 6 مارس الجاري، لقاء فكريّ في موضوع "كيف نقاوم التّطرّف والتّعصّب والإرهاب؟" بالتّعاون مع مؤسّسة مؤمنون بلا حدود للدّراسات والأبحاث وجمعيّة الدّراسات الفكريّة والاجتماعيّة، ساهم فيه ثلّة من الطّلبة من مختلف الاختصاصات في مرحلة التّبريز. ودار اللّقاء على امتداد جلستين علميّتين، مشفوعتين بمداخلات نقاش من طرف الحضور من طلبة وباحثين.

التأمت الجلسة العلميّة الأولى برئاسة الباحث ناظم بن إبراهيم، وبدأت بمداخلة قدّمها الباحث رامي برهومي بعنوان: "في سيكولوجيا التّعصّب"، اهتمّ فيها بمقاربة التعصّب، باعتباره ظاهرة نفسيّة اجتماعيّة لها دوافع كامنة في السّلوك الإنساني، فقدّم تعريفاً للتّعصّب من هذه الزّاوية البحثيّة، وعرض أسبابه، وعرّج على نفسيّة المتعصّب وسلوكه داخل المجموعة، وقال إنّ اللّحظة التي يولد فيها التّعصّب لحظة متشعّبة تتداخل فيها العوامل الاجتماعيّة والسّياسيّة والثّقافية، وختم مداخلته بعرض ما توصّل إليه النّقد السّيكولوجي لمقولة التّعصّب.

وقدّم بعد ذلك، الباحث محمد أمين عيوني مداخلة بعنوان: "إعادة البناء الثّقافي نحو إيديولوجيا مستنيرة"، اهتمّ فيها بجانب آخر من جوانب دراسة التّطرّف والعنف والإرهاب، يخصّ المقاربة الاجتماعيّة السّياسية، وبيّن أهمّية هذا السّياق في تشكّل الظّاهرة، استناداً إلى عوامل التّمايز الاجتماعي التي رأى بأنّها بدأت مع دولة ما بعد الاستقلال، وما أفضت إليه من قهر واستغلال لفئات اجتماعيّة بعينها، إضافة إلى مساهمتها في بناء أسس ثقافة اجتماعيّة مكبوتة تعوزها الحرّية.

وقدّم من ثمّ الباحث وسيم دحروثي مداخلة بعنوان: "مربّعات العنف بين المسجد والمدرسة: قراءة في تشكّل الوعي الدّيني المتطرّف"، اهتمّ فيها أوّلاً بالمدرسة، باعتبارها مجالاً معرّضاً للعنف من خلال محتوى التّدريس وأشكاله النّمطيّة، ثمّ ثانياً المسجد، باعتباره مداراً لعنف الخطاب والممارسة، وبحث ثالثاً في التّقاطعات بين هذين المجالين، باعتبار ما يتأسّس عليهما من ثقافة اجتماعيّة ذات خصوصيّة. وختم مداخلته بعرض ما رآه من حلول لتقليص ظاهرة العنف بين المدرسة والمسجد.

وانطلقت الجلسة العلميّة الثّانية برئاسة الباحث محمد أمين عيوني، واستُهلّت بمداخلة قدّمها الباحث ناظم بن إبراهيم، بعنوان "اليهوديّة والإرهاب: من مشكلات الهويّة إلى مشروع الذّاتية الصّهيونيّة"، انطلق فيها من تركيز الدّراسات العالميّة حول الإرهاب على الإسلام دون الدّيانات الأخرى، وعرّج على ما أسماه الهوس الصّهيوني بتغيير الهويّات القوميّة، من منطلق الاشتغال على هندسة الهويّة، استنادا إلى مقولة الخطر الخارجي، وقمع التّناقضات الدّاخليّة في سياق بناء الخصوصيّة الثّقافية، وعرض من ثمّ الجوانب الميثيّة لتلك الخصوصيّة، وخلص إلى بيان علاقة ذلك بآليات إنتاج الإرهاب والتّنظير له.

وقدّم الباحث حازم الشيخاوي مداخلة بعنوان: "الإرهاب المؤنّث"، اهتمّ فيها بدور المرأة داخل الحركات الإرهابيّة وفاعليّة النّساء في العنف السّياسي، معتبراً أنّ فعل الإرهاب هامشي، لأنّه يفتقد إلى السّند القانوني والدّيني والفلسفي، وينبني على الرّغبة في افتكاك الاعتراف من أشكال السّلطة المختلفة؛ وبيّن استناداً إلى ذلك حالة التّطابق بين المرأة والإرهاب، وعرض في هذا السّياق جملة من الأمثلة التّفصيليّة، ليخلص في الختام إلى القول إنّ السّبيل لمجابهة الإرهاب المؤنّث يكمن في تكريس المساواة التّامّة بين الجنسين.

واختتم الباحث فهمي رمضاني سلسلة المداخلات، بمداخلة بعنوان "تونس الحداثيّة تنتج الدّواعش لماذا؟ نحو تفسير سوسيو - تاريخي للظّاهرة"، ركّز فيها على المفارقة بين الحداثة والإرهاب في السّياق التّونسي، في السّنوات الأخيرة خاصّة في فئات الشّباب، واعتبر أنّ ذلك يتأسّس على مسارات تاريخيّة متعدّدة ومتجذّرة ساهمت في تشكّل الذّهنيّة الثّقافية والاجتماعيّة للتّونسي، وفق عناصر متداخلة ومتراكبة. واهتم في قسم آخر من المداخلة بالبحث في مستويات التقبّل السوسيولوجي لظواهر العنف الدّيني في تونس.

وعقّب الحضور على اللّقاء في جلستيه العلميّتين، متفاعلين مع ما تمّ طرحه حول سياقات التّطرّف والتّعصّب والإرهاب من زوايا متعدّدة، فاهتمّ البعض بطرح أوجه التّعامل مع الظّاهرة بالانتقال من مستوى التّنظير الفكري والإيديولوجي إلى مستوى الممارسة الاجتماعيّة الفاعلة في التّصدّي لحالات التعصّب الدّيني بداية من محاصرة محاضنها، وصولاً إلى الحدّ من مآلاتها، مروراً بالعمل على كشف آليات تمركزها في المجال العام. كما أشار البعض إلى خطورة حصر العوامل المولّدة للإرهاب في عامل واحد، سواء كان يتعلّق بالمكانة الاجتماعيّة أو بالنّوع الاجتماعي أو بالتّفاوت الطّبقي، من منطلق تعدّد الأصناف الاجتماعيّة الفاعلة في الإرهاب واختلاف مستوياتها وانتماءاتها.