النّدوة العلميّة الدّوليّة: «الإسلام السّياسي: الخطاب والممارسة»

فئة: أنشطة سابقة

النّدوة العلميّة الدّوليّة: «الإسلام السّياسي: الخطاب والممارسة»

نظّمت مؤمنون بلا حدود للدّراسات والأبحاث وجمعيّة الدّراسات الفكريّة والاجتماعيّة بمقرّهما في تونس العاصمة، النّدوة العلميّة الدّوليّة: «الإسلام السّياسي: الخطاب والممارسة» التي امتدّت على يومي الجمعة والسّبت الموافقين لـ 27 ـ 28 أبريل الجاري، وشارك فيها باحثون وأساتذة متخصّصون في المسائل الحضاريّة من تونس ومن خارجها، وشهدت أشغالها حضور متابعين من باحثين وأكاديميّين ومهتمّين بالشّأن العام.

وقد افتتحت أعمال النّدوة بكلمة ألقاها د. نادر الحمّامي، باسم مؤسّسة مؤمنون بلا حدود للدّراسات والأبحاث، رحّب خلالها بالحضور، وأشار إلى أنّ هذه النّدوة تتزامن مع مرور سنتين على انطلاق جمعيّة الدّراسات الفكريّة والاجتماعيّة، ومع أنّ الفترة الزّمنية لا تعدّ طويلة إلاّ أنّها كانت حافلة بالأنشطة العلميّة والبحثيّة التي قاربت على المئة نشاط، توزّعت بين قراءات في كتب ومحاضرات علميّة وورشات بحثيّة وأيّام دراسيّة وندوات دوليّة، وأجرت خلالها الجمعيّة شراكات فاعلة ومتميّزة مع جامعات ومراكز بحث بدعم متواصل من مؤسّسة مؤمنون بلا حدود للدّراسات والأبحاث، كما أشار إلى أهمّية الرّهانات المطروحة على عاتق الباحثين والمساهمين في دراسة موضوع الإسلام السّياسي الذي يبقى في حاجة متواصلة إلى تعميق البحث فيه وتكثيف العمل على الإحاطة بمساراته النّظريّة والعمليّة وصولاً إلى محاولة فهم مآلاته الممكنة في ظلّ متغيّرات الواقع العربي والإسلامي الرّاهن.

ثمّ قدّم د. أنس الطّريقي كلمة باسم قسم الدّراسات الدّينيّة بالمؤسّسة، عرّج فيها على المحاور العامّة التي ترمي أشغال النّدوة إلى طرحها من خلال جلساتها والتّفاعل في شأنها من وجهات فكريّة متعدّدة بتعدّد زوايا النّظر وطبيعة المقاربات لمسائل الإسلام السّياسي، من الخطاب إلى الممارسة؛ وأشار إلى أنّ أعمال النّدوة تطرح أربعة محاور؛ تهتم في الأوّل بسؤال التّعريف من خلال البحث في مسار تشكّل مفهوم الإسلام السّياسي ثم النّشأة والانتشار، وسؤال التّفكيك وتبحث فيه رؤية الإسلام السّياسي للعالم وأهمّ مقولاته وآليات الخطاب التي يعتمدها، وسؤال التّقييم وتطرح فيه البحث في الإخلالات النّظرية وتقييم الممارسة في الواقع والإسلام السّياسي من منظور ناقديه، وسؤال المصير وتبحث فيه مستقبل الإسلام السّياسي في خضمّ المتغيّرات العالميّة.

واستهلّت أعمال النّدوة بمحاضرة افتتاحيّة ألقاها الأستاذ الدّكتور محمّد الشّريف فرجاني بعنوان: ''الإسلام السّياسي بين الثّوابت الإخوانيّة والتحوّلات الدّيمقراطيّة''، وضّح في بدايتها أنّ موضوع المحاضرة يخصّ مكوّناً من مكوّنات الإسلام السّياسي لا كافّة مكوّناته، وهو المكوّن الذي اختار المشاركة السّياسية، وأضحى عنصراً في المشهد السّياسي في العالم الإسلامي المعاصر. وأمام تعدّد التّسميات التي تطلق عادة على التّيّارات السّياسيّة الإسلاميّة، رأى فرجاني أنّ التّسمية الاصطلاحيّة للظّاهرة تطرح إشكالاً بين ما تطلقه التّيارات المعادية والمناوئة إيديولوجيّاً على الإسلاميّين من تسميات، مثل ''حركات أصوليّة'' و ''حركات تماميّة'' و ''تيّارات إسلامويّة''، وبين ما يطلقه الإسلاميّون على أنفسهم من مثل ''الصّحوة الإسلاميّة'' و ''الحركات السّلفيّة'' و ''حركات الجهاد''... واختار فرجاني من بينها تسمية "الإسلام السّياسي" مبرّرا ذلك بأنّه وجد للظّاهرة الإسلاميّة نظائر مع حركات تسمّي نفسها "المسيحيّة السّياسيّة"، ظهرت منذ نهاية الحرب العالميّة الثّانية في الغرب المسيحي، وقال إنّ تلك الحركات تكوّنت باعتبارها ردّ فعل على الدّيمقراطيّة والعَلمانيّة والحداثة معتبرةً إيّاها "هرطقات الأزمنة الحديثة''، كما أنّها كانت ترى في حقوق الإنسان معارضة لحقوق الله، وأنّها عارضت المساواة بين المرأة والرّجل، وخلص فرجاني إلى كون تلك الحركات المسيحيّة لا تختلف في شيء عن مقولات الإسلام السّياسي منذ المودودي والنّبهاني وقطب والبنّا وصولاً إلى تنظيرات الإسلاميّين المعاصرين، واعتبر أنّ التّشابه كبير بين الإسلام السّياسي والمسيحيّة السياسيّة، رغم ما يزعمه بعض الإسلاميّين وبعض المناوئين للإسلام من وجود "استثناء إسلامي"، وعرّج على ذلك بالقول: "عندما درست المسيحيّة السّياسية وجدت في كتاباتها ما يفنّد مقولة الاستثناء الإسلامي".  

واعتبر من ثمّ أنّ مكوّنات الإسلام السياسي المنحدر من الإخوان المسلمين، مثل النهضة في تونس وحزب العدالة والتنمية في تركيا وحزب الحرية والعدالة في مصر، شاركت في الانتخابات التي قادتها إلى الحكم، سواء بمفردها أو مع حلفاء آخرين، وحتّى يتم قبولها باعتبارها شريكا يوثق به في الدّاخل والخارج، فإنّها عدّدت الإعلانات عن نواياها في التّحوّل إلى الدّيمقراطيّة والتّعدديّة، وتبنّي الحريّات وحقوق الإنسان، ولكنّها وفي الآن نفسه ترفض التّصريح عن مكانتها بالنّسبة إلى الإخوان المسلمين، ولا تريد القطع بوضوح مع مكوّنات الإسلام السّياسي الذي يواصل رفض الدّيمقراطيّة وحقوق الإنسان، هذا بالإضافة إلى عدم القطع مع السلفيّين أيضا وحتّى التيّارات الجهاديّة. وخلص إلى التّساؤل كيف يمكن تقبّل التّطوّر الحقيقي أو المفترض لهذه الحركات في ظلّ وجود الكثير من التّناقضات في خطابها كما في مرجعيّاتها؟

وانطلقت بعد ذلك الجلسة العلميّة الأولى، برئاسة د. صابر السويسي، وقدّم د. مرشد القبّي مداخلة بعنوان "الإسلام السياسي: السياسي بأيّ معنى؟". بحثت المداخلة في تسمية "الإسلام السياسي" واهتمت بداية بالبعد الاصطلاحي الذي تكرّس في هذه المقولة ووجد القبول لدى المنتسبين إلى التيّار الإسلامي ولدى الدّارسين والباحثين فيه ولدى الخصوم السّياسيين الإيديولوجيّين والرّأي العام إجمالاً، واعتبر أنّ التّسليم بالتّسمية لا يعني تجانس الأفكار والرّؤى والمواقف التي تنطوي عليها، وعرّج المتدخّل على التّطوّرات التي شهدتها أطروحات الإسلام السّياسي منذ نشأته مع الإخوان المسلمين والتّحوّلات التي وسمت المواقف من بعض القضايا فضلاً عن الأفكار الدّاعية إلى المراجعة والتّعديل بما تتطلّبه المستجدّات في واقع المجتمعات الإسلاميّة وخاصّة في ما يتّصل بالواقع السّياسي، وقال إنّها تفرض على الباحث محاولة تدبّر المعنى أو المعاني المقصودة من هذا الوسم السّياسي في التّداول في مستوى الخطاب والممارسة معاً، وإلى تبيّن أوجه توظيفه خاصّة لدى المنتسبين إلى هذا التّيار الأيديولوجي. واهتمّت المداخلة بمحاولة نزع البداهة المتأتّية من رواج عبارة الإسلام السّياسي؛ وذلك بتدبّر ضروب استخدام صفة "السّياسي" ودلالتها في بعض كتابات الإسلاميّين وتحديداً أولئك الذين يجتهدون اليوم في تقديم رؤى مجدّدة لمشروع الإسلاميّين السّياسي وعياً منهم بضرورة التّعاطي الإيجابي مع مقتضيات الحداثة السّياسية التي وقفوا على رسوخها في المجتمعات الغربيّة التي أقاموا فيها وكان لهم فيها مجال حرّ من النّشاط والفعل، وعرض القبّي أمثلة من أعمال عبد الوهاب الأفندي وغيره، وأكّد على ضرورة الوعي بأنّ السّياسة تظلّ على الدّوام مفهوماً إشكاليّاً في الفكر الإنساني عامّة فضلاً عن أنّها مفردة حمّالة أوجه في السّياق العربي الإسلامي قديماً وحديثاً.

ثمّ قدّم د. محمّد السويلمي مداخلة بعنوان: "في فكّ أحجية الإسلام السّياسي: التباسات المفهوم ومفارقات الخطاب"؛ أشارت المداخلة إلى أنّ الإسلام السّياسي أفلح بشتّى تشكيلاته وخطاباته في أن يتحوّل إلى ظاهرة عبر وطنيّة تشغل كافّة المسارح المحلّية والدّوليّة، وتفعل في الجمهور المؤمن، رغم تنوّع محاضنه الثّقافية وسياقاته المجاليّة. وقال السّويلمي، إنّ هذا يدعو إلى أشكلة ظاهرة الإسلام السّياسي وتفكيكها خطاباً وممارسة بما يزيح التباسات الأيديولوجيا وأقنعتها. وبحثت المقاربة التي طرحها في حدّ الإسلام السّياسي وسيروراته التّاريخية والسّياقات الفاعلة فيه والحاضنة له، واعتبر أنّ هذا يدفع إلى تشريح الخطابات الإسلامويّة بتفهّم مواردها في التّبرير وأدواتها في الشّرعنة واستراتيجيّاتها التي تخلق سحر العبارة ومكر الخطاب. وخلص إلى اعتبار أنّ طوبى الخطابات الإسلامويّة سرعان ما تهاوت وانكشفت أعطابها ومأزقها باستحواذ قوى الإسلام السّياسي على السّلطة في عدد من الدّول الإسلاميّة مثل إيران وتركيا والسّودان وتونس ومصر، فتلاشى البديل المزعوم بالحكم الرّشيد ودولة الدّيمقراطية والمواطنة.

وترأّس الجلسة العلميّة الثّانية د. ماهر فرغلي، وقد انطلقت بمداخلة قدّمها ذ. عيسى جابلي بعنوان: ''الإسلام السياسي: مكر الخطاب وفوضى المرجع''؛ اهتمت المداخلة بداية بالإشكاليّات التي رافقت صعود الإسلاميّين إلى سدّة الحكم في تونس عقب الثّورة، وبيّن الجابلي أن راشد الغنوشي زعيم التيّار الإسلامي في تونس يعدّ ابنا شرعيّاً لجماعة الإخوان المسلمين وأحد أبرز قياداتها ومراجعها في تونس وخارجها، وطرح من ثمّ ما تعلّق بهذا الصّعود من ظروف تهمّ الخطاب الذي اعتمده الغنّوشي للاستحواذ على السّلطة بوصفه أنموذجاً لخطاب الإخوان المسلمين بصفة عامّة، فأشار إلى أنّ الخطاب الإسلامي في تونس تلبّس بأهم مقولات التيّار الإخواني وروّج لشعاراته ذاتها وعبّر عن أحلامه ومواقفه ذاتها بخصوص الواقع والمستقبل. وقال إنّه خطاب يمتح من معين العصور الغابرة المسمّاة ''ذهبية'' حالماً بخلافة إسلاميّة على ''منهاج النبوّة'' حاملاً سيف ''وأعدّوا لهم''، كما عرض المتدخّل أبرز السّرديّات التي يتّكئ عليها الخطاب الإسلاموي الحديث، وبحث في مدى تأثير تجربة الحكم في أفكاره وتوجهاته واستراتيجياته، وخلص إلى التّساؤل حول حقيقة أو جدّية المراجعات التي طالت خطابه المعلن قبل الثّورة وعند تولّي الحكم في تونس وبعد سقوط الإخوان في مصر، معتبراً أنّ ما يدّعي حزب النهضة أنّه مراجعات جدّية ليس سوى "لين" استراتيجي أو هو مجرّد انحناء ظرفيّ حتى مرور العاصفة.    

وقدّم د. محمّد الهادي الطاهري مداخلة بعنوان: ''أثر الانتقال من الدّعوة إلى الدّولة في خطاب الحركات الإسلاميّة''؛ طرحت المداخلة اعتبار خطاب حركات الإسلام السّياسي واحداً من أبرز صيغ الخطاب السّياسي والدّيني في الثّقافة العربيّة المعاصرة، انطلاقاً من اعتباره الأوسع انتشاراً والأكثر رواجاً وتأثيراً في حياة النّاس لما يتميّز به من بساطة في الأسلوب والمضامين على حدّ السّواء. واهتمّ الطّاهري بخطاب الإسلام السّياسي من لحظة ظهوره إلى لحظة وصوله إلى السّلطة، محاولاً الكشف عمّا اكتنف هذا المسار من ثوابت ومتغيّرات. وقال إنّ جملة النّصوص المرجعيّة التي أنتجتها حركات الإسلام السّياسي وبعض رموزها، يمكن أن تكون منطلقاً للكشف عن أبرز أشكال النّظر والعمل التي ينتهجها الإسلام السّياسي في العالم العربي، كما يمكن أن تكون مدخلاً لفهم التّجربة السّياسيّة الإسلامويّة في مختلف أطوارها. واعتبر انطلاقاً من ذلك أنّ التّفكير في خطاب الإسلام السّياسي في سياق الانتقال من الدّعوة إلى الدّولة يروم الوصول إلى أجوبة دقيقة عن حجم التّغير في مقابل الثّبات وعن أهمّ العوامل السّياقيّة التي ألزمت حركات الإسلام السّياسي بتعديل خطابها وتغيير أساليب عملها ومحاولات إطلاق مراجعات للأسس التي قامت عليها.

وترأّس الجلسة العلميّة الثّالثة د. نادر الحمّامي، وقدّمت دة. أمال موسى مداخلة بعنوان: ''الإسلام السياسي ومسألة المساواة بين الجنسين: خطاب التكيّف ومِحَن الممارسة''؛ طرحت المداخلة مسألة المساواة بين الجنسين بالنّسبة إلى الإسلام السّياسي المشارك في الحكم في تونس، معتبرة أنّ المسألة لم تعد تحتمل الانفصام والالتباس بالنّظر إلى اعتبار أن المساواة تعدّ قلب فكرة المواطنة وأساس مدنيّة الدّولة، وعرّجت موسى على الضّغط الذي مورس على حركة النّهضة من أجل دسترة المساواة بين الجنسين، واعتبرت انطلاقاً من ذلك أنّ التّكيّف والصّهر الثّقافي يعدّان ضرورات حياتيّة وجوديّة بالمعنى السّياسي، وبنت على ذلك القول بأنّ الإكراهات السّياسيّة وضغوط المجتمع المدني التي تعرّض لها حزب النّهضة في تونس هي ما جعلته يحاول تغليب السّياسي وكتم صوت الدّعوي، قائلة: ''لا مفرّ من تغيير الجلد والانقلاب على فكرة الإسلام الشّمولي القائل بتغليب تعاليم الشّريعة''، وافترضت المتدّخلة أنّ للمناضلات الإسلاميّات في حركة النّهضة دورا في إقرار مبادئ الدّستور التّونسي الجديد وفي فرض مسألة التّناصف. واستنتجت من ذلك أنّ السّلوك قد أصبح محدّدا للخطاب بعد أن كان محكوماً بمرجعيّات الخطاب ومعانيه وتعاليمه، قائلة إنّ مشاركة الإسلاميّين في السّلطة قد جعلهم يتلبّسون ببعض شروط لعبة الحقل السّياسي الاجتماعي التّونسي الذي تشكّل على اعتباريّة خاصّة للمرأة فأصبحت استراتيجيّة التّماهي والمزايدة شكلاً من محاولة البحث عن الاعتراف. وأضافت قائلة، إنّ المشاركة في كتابة دستور يقرّ بالمساواة بين الجنسين، ويلتزم بقيم المواطنة ويعترف بمدنيّة الدّولة يمثّل "توريطا ذاتيّا وجماعيّا" للإسلام السّياسي الحاكم في تونس الشّيء الذي فرض بدوره على حركة النّهضة نوعاً من التّجانس المدروس الحذر والألفة المكرهة بين الخطاب والسّلوك.

وقدم بعد ذلك د. فريد بن بلقاسم مداخلة بعنوان: ''من الإسلام السّياسي إلى الإسلام الدّيمقراطي: قراءة في السّياق والدّلالة"؛ طرحت المداخلة إشكاليّة التّحوّل من الإسلام السّياسي إلى الإسلام الدّيمقراطي في المرحلة الانتقاليّة التي أفرزتها ثورات الرّبيع العربي، وبيّن بن بلقاسم أنّ حركة النّهضة في تونس تعدّ من أبرز الحركات الإسلاميّة التي جعلت من مقولتي فصل الدّعوي عن السّياسي والمسلمين الدّيمقراطيين لوناً تصبغ به صورتها الجديدة. واهتمّ في هذا المضمار باختبار مصداقيّة هذا التّحوّل في الصّعيدين المعرفي والأخلاقي من خلال طرح سؤالي السّياق والدّلالة، كما بحث في حدود الخطاب وآفاقه في ضوء حاجة الحركة الإسلاميّة إلى تغيير حقيقي بعد تجربة الحكم تقطع به أطروحات الإسلام السّياسي، ولا سيّما شموليّة الإسلام وخلط الدّين بالسّياسة، وفي ضوء حاجة الفئات المحافظة إلى من يمثّل توجّهاتها سياسيّاً.

وتواصلت أشغال النّدوة في يومها الثّاني من خلال الجلسة العلميّة الرّابعة التي ترأّسها د. أنس الطّريقي، وقدّم في بدايتها د. ماهر فرغلي مداخلة بعنوان: "في إجابة سؤال التّفكيك. سرديّات القواعد التّكفيرية للإسلامويّين ومتونها"؛ اعتنت المداخلة بدراسة معالم تيّار الإسلام السّياسي، عبر تفكيك مقولاته الفكريّة، ومقارنة أهمّ تنظيماته وتنظيراته، واعتبر فرغلي أنّ مدخل هذه الدّراسة هو تلك النّظريّات المؤسّسة، التي استبعدت فيما بعد تلك المقولات، على اعتبار أنّ النّظريّة العموميّة تكون في البداية، وأنّها في مستوى الممارسة تتراجع لصالح العمل، الذي يسبق التّنظير دائماً، وبيّن المتدخّل من ثمّ كيف أنّ التّيّارات الإسلامويّة تقوم باختراع نظريّاتها الأصوليّة وحين تقوم بتطبيقها يحدث التّصادم مع الواقع، ليتمّ بعد ذلك التّعويل على الأفكار التّبريريّة الفقهيّة والعقديّة. وطرح فرغلي أكثر من قضيّة تشير إلى ما سبق، ومنها على سبيل المثال: ''العذر بالجهل''، و ''الحاكمية''، و ''نظرية التّجمّع العضوي'' ليتبيّن في الختام الحدود الفاصلة بين مختلف الجماعات الإسلاموية، وبيّن أنّها قليلة للغاية، وأنّ هناك تداخلا في المرجعيّات والنّظريّات المؤسّسة.

وقدّم د. سهيل الحبيّب مداخلة: ''الإسلام السياسي بين حتميات تطوير البرامج السياسية وصعوبات تطوير الأطر المرجعية''؛ اقترحت المداخلة معالجة إشكاليّة تطوير البرامج والمواقف والشّعارات السّياسيّة التي باتت حركات الإسلام السّياسي مجبرة عليها في ضوء الحقائق التي أفرزتها الثّورات العربيّة الرّاهنة ومساراتها ومآلاتها. واعتبر الحبيّب أنّ هذا التّطوير رهين الأهداف والمشاريع والتّكتيكات السّياسيّة لدى الأحزاب الدّينية، وبين أنّ تطوير السّياسات يمثّل إشكالاً بالنّسبة إلى الأحزاب التي تستند إلى مرجعيّات إيديولوجيّة، لأنّ هامشها يبقى محدوداً بعدم مصادمة ثوابت تلك المرجعيّة، وقال إنّ البعد الإشكالي يزداد حدّة كلّما كانت المرجعيّة الأيديولوجيّة موغلة في الشّمولية الغائيّة أو في الشّمولية الهويّاتيّة معتبراً أنّ مرجعيّة أحزاب الإسلام السّياسي تجمع بين الشّمولية الغائيّة والشّمولية الهويّاتيّة فضلاً عن اعتقادها الجازم بأنّها مستمدّة من مصدر مفارق مطلق الحكمة والمعرفة في مقابل مرجعيّات دنيويّة نسبيّة التّقدير والمعرفة. وعمل المتدخّل على عقد مقارنة بين التّغيير الذي أجبرت عليه الحركات الإسلاميّة قبل عقود والذي تبنّت بموجبه برنامج التّحوّل الدّيمقراطي في أنظمة الحكم مع التّغييرات التي باتت مجبرة عليها اليوم، والتي تفرض عليها تبنّي مقولات الدّولة الوطنيّة المواطنيّة الحديثة والهويّات الموافقة لها ونمط العيش المنفتح بما يفرضه من حريّات مدنيّة، وعرضت المداخلة فرضيّة مفادها أنّ تطوير البرامج والمواقف السّياسية المعلنة يمثّل اليوم مسألة أكثر إشكاليّة بالنّسبة إلى الأحزاب الإسلاميّة.

ثمّ قدّم د. مراد حاجّي مداخلة بعنوان: "مفهوم الحاكميّة والاعتقاد في تدخّل الله في التاريخ"؛ اهتمّت المداخلة بنموذجين من نماذج منظّري الإسلام السّياسي هما أبو الأعلى المودودي وسيد قطب، باعتبارهما من أكثر منظري الإسلام السياسي تأكيدا على مفهوم الحاكمية. وركز الحاجي من ثم على بيان العلاقة بين مفهوم الحاكمية والاعتقاد في تدخل الإله في التاريخ؛ فأشار إلى تناول أن مفهوم الحاكمية يمثّل مقولة أساسية من مقولات الإسلام السياسي، وأن حركات الإسلام السياسي تقيمه على المفاضلة بين شرع الله والشرائع التي يسنها البشر، وأن ذلك مأتى التعارض التام مع مفاهيم مدنية الدولة وحقوق الإنسان والقوانين الوضعية. وقال إن مفهوم الحاكمية متولد عن اعتقاد راسخ لدى الحركات الإسلامية بأن تدخل الله في التاريخ لم ينقطع بانقطاع الوحي. وخلص إلى ارتباط المفهوم بمفهوم الخلافة الإسلامية، وبيّن انطلاقا من ذلك فكرة الابتلاء التي تعني أن المسلمين لا مناص لهم إلا الخضوع الكلّي المطلق لله في دينهم ودنياهم؛ وهو ما يعني أن الحاكمية تمثّل نزعا لكل سيادة غير السيادة المقدّسة على الأرض، وأنها بذلك ردّ فعل على كل الدعوات إلى نظرة تاريخية لحال البشر على الأرض وإضفاء للقدسية عبر التدخّل الإلهي في التاريخ على النموذج المثالي الطوباوي المتصوّر.

وترأّس الجلسة العلميّة الرابعة والختاميّة د. محمّد الشريف فرجاني، وقدّم في بدايتها د. عبد المجيد الجمل مداخلة بعنوان: "المؤسسة العسكريّة بمصر وأحزاب الإسلام السّياسي: 1952-2017"؛ أشارت المداخلة إلى تميّز تاريخ مصر المعاصر والحالي بالدّور الكبير الذي لعبته المؤسّسة العسكريّة في تاريخ مصر، من خلال انحدار كافّة الرّؤساء الذين تداولوا على السّلطة منذ منتصف القرن الماضي إلى اليوم من المؤسّسة العسكريّة، واعتبر الجمل أنّ الاستثناء الوحيد من بين أولئك كلّهم هو محمّد مرسي الذي حكم فترة قصيرة عقب الثّورة المصريّة. وبيّن المتدخّل أنّ السّمة المشتركة لكلّ حكّام مصر المنحدرين من المؤسّسة العسكريّة، أنّهم تفاوضوا أحياناً أو تحالفوا مع أحزاب الإسلام السّياسي قبل أن يصطدموا معهم، وهذا ما تكرّر عقب الثّورة المصريّة حين ساندت المؤسّسة العسكريّة الإخوان المسلمين في وصولهم إلى السّلطة، لتنقلب عليهم بعد فترة قصيرة، وتناول المتدّخل في هذا السّياق إشكاليّة التّوافق والتّصادم بين المؤسّسة العسكريّة وأحزاب الإسلام السّياسي أوّلاً، ثم دور المؤسّسة العسكريّة في وصول الإخوان إلى السّلطة وسقوطهم سريعاً.

وقدّم د. سامي الرّياحي مداخلة بعنوان: ''فكرة الحريّة عند الإسلاميّين في تونس بين الخطاب والإيديولوجي''؛ اهتمّت المداخلة ببيان تلبّس قراءات الإسلاميّين عن الحرّية بالعديد من الدّلالات التي يختلط فيها الموقف من الرّاهن وسياقاته ممثّلاً في الصّراع مع السّلطة الرّسميّة قبل الثّورة بأصل الرّؤية المستقرّة في كتب التّراث القديم التي يقع تبنّيها وتقديسها، وبيّن الرّياحي الاختلاط وانعدام الوضوح في جعل الحرّية مطلباً رسميّا وشعاراً أوّليّا في أدبيّات الإسلام السّياسي، وأنّه أراد لذلك إسنادها بحجج فلسفيّة وعقليّة منزوعة من سياقاتها، وخلص المتدخّل من ثمّ إلى بيان المفارقة بين الظّاهر البرّاق الذي يخفي في طيّاته مضامين ومواقف تفصح عن عدم انسجام تلك النّصوص في الرّؤية. وقال المتدخّل إنّ الكشف عن دلالة الحرّية عند الإسلاميّين لا تستخلص من المواقف المعلنة في الخطاب والواردة في استنتاجاتهم فحسب، بل كذلك من بنية الخطاب الإقناعي الذي يوجّه إلى القارئ حين يقع توظيف استراتيجيا معيّنة للخطاب.

وعرضت المداخلة بعض الملاحظات حول العلاقة بين الخطاب والإيديولوجيا.

البحث في الوسم
الإسلام السّياسي