اليوم الدّراسي حول "الفرد والفردانيّة"

فئة: أنشطة سابقة

اليوم الدّراسي حول "الفرد والفردانيّة"

دارت برحاب كلّية الآداب والعلوم الإنسانيّة بسوسة، يوم الأربعاء 27 فبراير، فعاليّات اليوم الدّراسي حول "الفرد والفردانيّة"، الذي نظّمته مؤسّسة مؤمنون بلا حدود للدّراسات والأبحاث وجمعيّة الدّراسات الفكريّة والاجتماعيّة، بالشّراكة مع مدرسة الدكتوراه "آداب وعلوم إنسانيّة"، وساهم فيه كل من الأساتذة محمّد محجوب، ومحمّد حمزة، وفتحي انقزو، وترأّس الجلسة الأستاذ نادر الحمّامي. وانطلقت أشغال اليوم الدّراسي بكلمة افتتاحيّة ألقاها السيّد عميد كلّية الآداب والعلوم الإنسانيّة بسوسة؛ الأستاذ كمال جرفال، رحّب فيها بالضّيوف والحضور من طلبة وأساتذة وباحثين، وأشار إلى أهمّية انفتاح الجامعة على فضاءات التّعاون العلمي والبحثي المشترك مع مراكز الدّراسات البحوث والجمعيّات النّاشطة في هذا المجال.

وقدّم الأستاذ محمّد محجوب مداخلة بعنوان "أين يوجد الفرد؟"، انطلق فيها من اعتبار أنّ التّأرجح حول مفهوم الفرد ملازم للفكر الإنساني في جميع مراحله، وطرح تساؤلاً حول إمكانيّات حدوث الفرد في الثّقافة العربيّة والإسلاميّة، لتتمحور المداخلة لاحقاً حول إمكانيّتين؛ تستوعب الأولى الحداثة مثلما ظهرت في الفكر الغربي في شكل سرديّة جاهزة، في حين تستأنف الإمكانيّة الثّانية الحداثة من منطلق بناء سرديّة جديدة تقيم اعتباراً للفرد في ثقافته. وتوقّف في تفصيل ذلك عند بعض الأفكار، ومن بينها ما طرحه المفكّر الكندي شارلز تايلور، الذي حاول الجمع بين مختلف الثّقافات التي يتكوّن منها المجتمع الكندي، وانتهى إلى اعتبار قابليّة تلك الثّقافات غير الأوروبيّة للاندماج في الثّقافة الغربيّة من خلال الاستمرار في الهويّة القائمة، واستخلص من ذلك إمكان استنباط نوع من الفرديّة داخل عناصر ثقافيّة ليست بالضّرورة العناصر المعياريّة التي قامت عليها الحداثة الغربيّة.

وبيّن محجوب استناداً إلى ذلك أنّ غياب نظير لأسس الحداثة الغربيّة في الثّقافة العربيّة والإسلاميّة، لا يلغي إمكان إيجاد ما يكافئ تلك الأسس. وقد طرح ثلاثة أمثلة رئيسة للبرهنة على ذلك؛ المثال الأوّل هو مثال الحديث عن الأنا في الشّعر العربي القديم، وأشار إلى أنّ هذا الأنا لا يستقيم إلاّ ضمن قيم خارجة عنه، باعتبار أنّ التّصوّر الاجتماعي هو الذي يحدّد مجاله. أمّا المثال الثّاني، فهو مثال ابن خلدون في سياق ما تصوّر من قواعد العلاقة مع المتعلّمين، ذلك أنّ تربية المتعلّم على صفات الإنسانيّة لا تكون بالقهر، وأنّها لا تحصل إلاّ من خلال اعتباره ذاتا وفرداً، وقال إنّ ذلك يمكن أن يفيد في قراءة بعض علامات الفرديّة. أمّا المثال الثّالث، فهو مثال ما برهن به المشير أحمد باشا باي لتبرير قانون منع الرّق في تونس، ومن أهمّ ما عبّر عنه، إلى جانب الدّوافع الإنسانيّة، دافع المصلحة السّياسية، وعلّق محجوب على ذلك قائلاً: "إن القراءة التي جوّزت لنفسها أن تتأوّل المعنى الدّيني في مسألة إلغاء الرّق هي قراءة تعلّلت بالمصلحة السّياسيّة"، وأضاف قائلاً: "إن بناء الفرد في ثقافتنا هو مصلحة سياسيّة". وخلص من تلك الأمثلة الثّلاثة إلى وجود نوع من الحدس الفردي في الثّقافة العربيّة والإسلاميّة، وأكّد على إمكان البناء عليه "لتحصيل نوع من السّردية الحداثيّة الخاصّة بنا"، بمواصلة مجهود فكري ابتدأ ولم يتواصل. وختم مداخلته بالاستنتاج قائلا: "يمكننا أن نقيم الفرد أساساً للحداثة عندنا لا انطلاقاً من استعادة النّموذج الغربي وحده، بل بالاستعانة بروافد من ثقافتنا".

وأحيلت الكلمة إلى الأستاذ محمّد حمزة، فقدّم مداخلة بعنوان "الفتوى في زمن الفرد"، اندرجت ضمن ما تتّجه إليه بعض الدّراسات الدّينية والثّقافيّة من تحليل الظّواهر الدّينية المرئيّة والخطابات المبثوثة في وسائل التّواصل الاجتماعي، واهتمّ فيها بالفتاوى "السّيبارنيّة" الافتراضيّة أو الإلكترونيّة، على اعتبارها وجهاً من وجوه الخطاب الدّيني في هذا العصر الذي تبلورت فيه سمات الفرديّة وتكرّست، وبحث في ما تثيره هذه الفتاوى من علائق متشابكة بين المقدّس والأفراد والواقع، وتمحورت المداخلة على مساءلة تلك الفتاوى الافتراضيّة بصفتها بنية وصورة وخطاباً تواصليّاً جديداً أثّر في الشّأن الدّيني وحياة الفرد وجموع المتقبّلين له. وبيّن أن ظاهرة الفتاوى الافتراضيّة مهّدت لتحوّل الفتوى من فضاءاتها التّقليديّة إلى فضاءات جديدة، ممّا أثّر في أشكالها ومضامينها ووظائفها، فتغيّرت معالم المفتين وبعض وجوه سلطتهم متّخذة مسالك جديدة، فكانت سلاحاً لدى من يمتلك سلطة الخطاب، وأداةً من أدوات تنظيم المجتمع، وسلعة رائجة قادرة على الاستقطاب، ما جعل الدّولة تعمل على مراقبة مؤسّسة الفتوى للسّيطرة عليها وتوظيفها.

وبيّن من ثمّ كيف اعتمدت هذه الظّاهرة الحديثة على الصّورة، مكتسحة الفضاءات الإعلاميّة والإلكترونيّة، ما ألغى جانباً من طرائق التّواصل التّقليديّة، وانعكس على أنساق نشر المعرفة الدّينية، واعتبر أنّ ارتحال الفتوى عبر الزّمن من الشّفوي إلى المكتوب إلى المرئي وصولاً إلى الافتراضي، لم يغيّر من اعتبار أنّ "الفتوى ابنة الجماعة"، وأنّها نتاج العقل الدّيني القديم الذي يقسّم النّاس إلى عامّة وخاصّة، وأنّها تخضع لبعض المسلّمات حول وظيفة العامل الدّيني ودوره في توجيه المسلمين، وأنّها تخفي دور الوسيط، لأنّ المفتي يعتبر نفسه دوماً موقّعاً عن الله، وأنّها لا زالت تتغذّى من الرّؤية المثاليّة للمؤمن ورموزه، وتستمدّ مكوّناتها من متخيّل اجتماعي حي يتغذّى من فكرة الانتماء إلى عصر ذهبي للإسلام. كما أشار إلى تلوّن الفتوى بمعطى جديد، يتمثّل في مسرحة الدّين باعتماد الديكور والمؤثّرات الصّوتيّة والألوان، ولاحظ أنّ هذه الفتوى ضلّت تصدر عن عالم رجاليّ؛ لأنّها تعكس الخطاب الذّكوري، وأنّ المرأة تحضر في هذا الخطاب، باعتبارها موضوعاً ومستهلكا، وقال إنّ الفتوى خطاب ذكوري هاجسه الأوّل المحافظة وخدمة الأيديولوجيا السّياسيّة للدّولة، وقدّم مثالاً على ذلك إصدار مؤسّسة الفتوى في تونس لبيان أيّدت فيه دعوة رئاسة الجمهوريّة إلى المساواة في الإرث بين الرّجال والنّساء، وأكّدت فيه أنّ تلك الدّعوة لا تخرج عن مقاصد الشّريعة ولا تعارضها.

وقدّم الأستاذ فتحي انقزو مداخلة بعنوان "حدس المفرد بين التّجربة الفلسفيّة والتّجربة الدّينيّة"، اهتمّ فيها بما أسماه الوجه الآخر لتجربة الفرد، الذي "أفسدته شكليّات المؤسّسة الدّينيّة في عالم بلا روح" كما قال، وتساءل حول ما يمكن جنيه من التّجربة الدّينيّة المعاصرة إن كانت خالية من كلّ مضمون، وتوجّه إلى الحديث عن نشأة فلسفة الدّين في العصر الحديث، واعتبر أنّ الحداثة الغربيّة حداثات في داخل الثّقافة نفسها، والحداثة الدّينية من بين تلك الحداثات، معرّجا على النّصوص الشّهيرة التي أعلنت بداية النّقد الدّيني في أوروبا، واعتبر أنّها لا تزال غير قابلة للهضم في الثّقافة العربيّة الإسلاميّة، وبحث لاحقاً في المراحل التّاريخيّة التي هيأت المناخ لظهور فلسفة نقد الدّين منذ الإصلاح اللوثري، واعتبر أنّ مدارها هو مفهوم الفرد، بما هو ذات وشخص وفردانيّة لا تقبل الاختزال في المفاهيم العامّة، وقال إنّ إدراك خصوصيّة الفرد هو جوهر الإصلاح الدّيني الحديث، وعرض من ثمّ بعض الملاحظات في هذا السّياق حول كتاب "أحاديث في الدّين" لفريدريش شلايرماخر، في نهاية القرن الثّامن عشر، قائلاً إنّه مثّل قادحاً لنشأة فلسفة نقد الدّين.

وبيّن استناداً إلى هذا الكتاب أنّ الصّعوبة في التّدبير الفلسفي لمسألة الفردانيّة تكمن في البحث من داخل التّقاطع بين التّجربتين الدّينيّة والفلسفيّة، وهو تقاطع لا يقع في منظومات شرعيّة، وإنّما يقع في النّفس، واستدلّ بذلك على أنّ مبدأ هذه التّجربة هو الفرد، بناءً على اعتبار أنّ الجزئي والفردي هو مبتدأ الشّعور بالتّجربة الدّينيّة، وهو ما أسماه الحدس بالمفرد، أوّلا، ثم الحدس بالكون وليس بالله ثانياً، واستخلص أنّ التّجربة الدّينيّة لا يقع بناؤها من منطلق الإيمان بالله، بل من منطلق الإيمان بالكون، مشيراً إلى أنّ الله لدى شلايرماخر لم يخلق الدّين بل خلق العالم. وعلّق على ذلك بالقول إنّه حدس ذكي جدّاً، لأنّه متعلّق بتراث صوفي عريق في الفكر الألماني. ولاحظ أنّ الكتاب لا يتحدّث عن التّوحيد، من منطلق التّسامح في عدم ذكر الله، لاعتبار أنّ الشّأن الدّيني لا يتعلّق بالإله، ولذلك فالأسبق عنده هو الشّرك لا الإيمان. وخلص إلى أنّ الدّين بالنّسبة إلى شلايرماخر هو الفرد ثمّ الكيان الفردي ثم إشعاع الفرد على الكون واندماجه في الجماعة ودخوله في المؤسّسة الدّينية، واعتبر أنّ ذلك يوفّر مساحات مهمّة للتّفكير في التّجربة الدّينية والعالم والألوهيّة.

وعقّب الأستاذ نادر الحمّامي بالقول، لقد كان من البديهي أنّ يبدأ النّقد الدّيني من كانط، وإذا به ينطلق من شلايرماخر ومن كتاب مغمور له، واعتبر أنّ فلسفة الدّين لا يمكن أن تقوم دون تأويل، وأنّ الدّين ينطلق من تجربة فرديّة، وأنّ الحداثة الدّينية هي تجربة روحيّة صوفيّة بالأساس، يوجد في الثقافة العربيّة ما يماثلها لدى الحلاّج الذي دعا إلى تغيير السّلطة السّياسيّة إلى سلطة روحيّة، واعتبر أنّ تجارب المتصوّفة المسلمين يمكن أن تُقرأ من جانب حدس الفرد أو ما يمكن أن تستنبت منه الفرديّة، وأشار إلى أنّ مسألة المنهج أساسيّة في فهم تجربة الفرد بين الفلسفة والدّين، واعتبر أنّ المنهج الماثل في التّجارب الكونيّة مهم، ويمكن التّعامل معه دون الالتزام بنتائجه في الثّقافات الأخرى، ولاحظ قائلاً إنّنا لا نزال نتوجّس من المناهج المختلفة التي قام عليها التّفكير في فلسفات نقد الدّين في الغرب، وانتهى إلى التّأكيد أنّ ما وصلت إليه الحداثة الدّينية في الثّقافة الغربيّة نتاج تراكم يعود إلى سقوط الأنظمة الشّمولية الدّينية وظهور الحركة الإنسانوية.

ودار النّقاش حول إشكال النّظر إلى الحداثة الغربيّة باعتبارها حداثات، وأنّ نشأتها ليست غربيّة بالأساس بقدر ما هي متعلّقة بالحضارات الإنسانيّة الأخرى، وأشار البعض إلى أنّ تركيز المفكّرين العرب المعاصرين على انتقاد الجانب المادّي للحداثة الغربيّة قد أعاق تمثّلهم للحداثة بمفهومها العام ودور الفرد فيها. كما تساءل البعض حول السّياق الذي يسمح بدراسة الفرد والفردانيّة في ظلّ العولمة والرّقمنة، والمسألة الحقوقيّة واصطدامها بمسألة الهويّة، والمفارقة الزّمنية للمقارنة بين الثّقافات حول مسألة الفرديّة، وخلص بعض المتدخّلين إلى أنّ إصلاح العلاقة بالدّين وبناء فكرة المواطنة في الثّقافة العربيّة والإسلاميّة، وإيجاد معايير الانتقال من الفرد المؤمن إلى الفرد المواطن، هي الشّروط الأساسيّة لتحقيق الحداثة.