اليوم الدّراسي حول أعمال الأستاذ بسّام الجمل وتوجّهاتها المعرفيّة

فئة: أنشطة سابقة

اليوم الدّراسي حول  أعمال الأستاذ بسّام الجمل وتوجّهاتها المعرفيّة

احتضن مقرّ مؤمنون بلا حدود للدّراسات والأبحاث وجمعيّة الدّراسات الفكريّة والاجتماعيّة، يوم السبت 16 فبراير الجاري، أشغال "اليوم الدّراسي حول أعمال الأستاذ بسّام الجمل وتوجّهاتها المعرفيّة''، بمساهمة كل من الأساتذة محمّد حمزة وباسم المكّي ونادر الحمّامي، الذّين قدّموا قراءات في أعمال الأستاذ بسام الجمل، وأطّر الأستاذ الدّكتور عبد المجيد الشّرفي اليوم الدّراسي وترأّس جلسته العلميّة، وأسبق ذلك بتقديم شهادة عرض فيها السّياق البحثي العام لأعمال الجمل. وافتتح الأستاذ نادر الحمّامي اللقاء بكلمة تقديميّة، رحّب فيها بالمشاركين والضّيوف، وعرض جملة من الأسباب الموضوعيّة لتخصيص يوم دراسي حول أعمال الأستاذ بسّام الجمل في المتخيّل الدّيني، وما يحيط بها من دراسات في علوم القرآن والدّراسات القرآنية، وقال إنّ اليوم الدّراسي يهدف إلى أن يكون منطلقاً، لإعادة النّظر في عديد المسائل وفتح آفاق متجدّدة للحوار العلمي والأكاديمي والنّقاش المفتوح.

وقدّم الأستاذ الدّكتور عبد المجيد الشّرفي شهادة، أشار فيها إلى السّياق العلمي والمعرفي والأكاديمي الذي تتنزّل ضمنه أعمال الأستاذ بسّام الجمل، وعرّج على ريادة الجامعة التّونسيّة في تناول الشّأن الدّيني بالبحث والدّراسة، في إطار كلّيات الآداب والعلوم الإنسانيّة، في ظلّ احتكار المباحث الدّينية في البلاد الاسلاميّة من قِبل المؤسّسات الدّينيّة التّقليديّة، وقال إنّ تناول هذه المباحث من وجهة نظر مخالفة لما هو معهود ومتعارف عليه يبقى أمراً محفوفاً بالمخاطر. وبيّن أنّ الخطاب التّقليدي يستعيد ما اتّفق عليه في نطاق سنّة دينيّة معيّنة، ولا يضيف إليه، فهو يكيّفه بحسب السّياق والظّرف، ويرفض مبدأ الابتداع في هذا الشّأن، على عكس مراكز البحث المتحرّرة من سلطة الدّيني والجامعات العريقة المتقدّمة في الغرب، التي تبحث في ما وراء الخطاب الدّيني وفي ما ليس معبَّراً عنه وما هو مغيّب عن قصد أو غير قصد.

وأشار من ثمّ إلى أنّ أعمال بسّام الجمل تنخرط في هذا التّوجّه إيماناً بما كان انطلق منذ القرن التّاسع عشر من حركة تنويريّة عقلانيّة، وأنّها تفرض نفسها شيئا فشيئا على البلاد العربيّة والإسلاميّة، لأنّها وصلت إلى نتائج مهمّة جدّاً تخالف ما درجت عليه الأدبيّات الإسلاميّة، ومن أهم تلك النّتائج أنّ تسعين بالمئة من آيات القرآن لم ترد فيها أسباب نزول، وثمانين بالمئة من أسباب النّزول لا تتعلّق بآيات الأحكام، بل تتعلّق بآيات الأخبار، وقال إنّ هذه أخطر نتيجة، لأّنها تفنّد الرّأي القائل بإمكانيّة وضع الآيات في إطارها التّاريخي اعتماداً على أسباب النّزول، إضافة إلى أنّها تبيّن أنّ أغلب ما نسب للنّبي هو من وضع الخيال ولا صلة له بالتّاريخ. وختم الشّرفي كلمته بالقول: "إن العقل والإيمان بالتّقدّم والحرّية هي المسائل المهمّة الثلاث التي وجب أن يكرّسها البحث في الموروث الدّيني وإعادة قراءته قراءة نقديّة".

وأحيلت الكلمة إلى الأستاذ محمّد حمزة، فقدّم قراءة في كتاب "جدل التّاريخ والمتخيّل: سيرة فاطمة". وأشار بداية إلى أنّ هذا الكتاب يمثّل تطوّرا في أدوات التّحليل وأفق النّظر ومادّة العمل ومنهج التّعامل مع التّراث، وقال إنّ مادّته تتنزّل في مجال يتقاطع فيه الدّيني بالاجتماعي وبالأدبي، ويتداخل فيه الواقعي والتّاريخي بالمتخيّل والإنشائي، ويتمازج فيه الذّاتي بالموضوعي، وهي لذلك مادّة تغري الباحث بطرح جملة من الأسئلة وتحليل الخطاب الماثل فيها ومدى صدقيّته ودلالاته ووظائفه. وبيّن أنّ الكتاب يتعامل مع شخصيّة فاطمة التي لها مكانة مفصليّة في الوجدان الإسلامي، وفي فهم بعض جوانب حياة الرّسول وما حدث بُعيد وفاته، إلى جانب قيمتها، باعتبارها مفسّرة للقرآن وصاحبة مصحف، وصفتها الرّمزيّة، باعتبارها الرّابط الدّموي الذي يشد الشّيعة إلى الرّسول، الأمر الذي جعلها شخصيّة متنازعاً عليها بين الثّقافة الشّعبيّة والثّقافة الرّسميّة.

وبيّن محمد حمزة أنّ المقاربة التي يقدّمها الكتاب جاءت وفق منهجيّة متعدّدة الاختصاصات، وأنّها تستثمر مناهج تحليل الخطاب وعلوم الإنسان والتّحليل الانثروبولوجي وتاريخ الأفكار والذّهنيّات. واعتبر من ثمّ أنّ الكتاب ينفي فكرة الاختصاص الذي يفضي إلى تقسيم الحضارة إلى قديم وحديث، لأنّه يُلمّ بما كتب حول الموضوع قديماً وحديثاً، وأنّ المؤلّف لم يكتف بالمكتوب وما حفظته الثّقافة العربيّة من نصوص، وإنّما انفتح على الثّقافة الشّفويّة والشّعبيّة، وعلى ما استقرّ في وجدان الجماعة. وخلص إلى اعتبار أنّ المنهج يعدّ مجال طرافة هذا الكتاب وتميّزه، فهو لا يولي اعتباراً مهمّاً لمعياري الصحّة والخطأ في الأخبار والنّصوص، وإنّما يهتم بالخطاب الماثل فيها، فكان الاشتغال على الصّورة يؤسّس للمشترك والمختلف بين المتخيّل والتّاريخ.

وقدّم الأستاذ باسم المكّي قراءة في كتاب "ليلة القدر في المتخيّل الإسلامي"، منطلقاً من مدار الاهتمام بمظاهر المتخيّل في أدبيّات ليلة القدر من خلال ثلاث مقاربات رئيسة بداية بالمقاربة الوصفيّة، ثمّ المقاربة التفكيكيّة وصولاً في نهاية الكتاب إلى المقاربة التأويليّة. وبيّن أن الكتاب بحث في الأخبار المرتبطة بالمجرّد والغيبي، وعرض تناقضها وتعارضها، ورجّح نسبتها إلى الرّسول في زمن متأخّر عن زمن الدّعوة، على اعتبار أنّ الأخبار تتضخّم كلّما تباعد الزّمن عن فترة النبوّة، وأدرج ذلك في سياق الصّراع بين التّصوّرات المذهبيّة. وقال إنّ الكتاب يقدّم قراءة تفكيكيّة للأخبار المتعلّقة بنزول الملائكة وجبريل إلى الأرض في ليلة القدر، ويتتبّع من خلال القراءة الزّمنية التّحوّلات التي خضع لها الخبر وهو يسافر عبر الزّمن، ويتعرّض للتّغيير والتّحوير، وصولاً إلى كشف عاملين مهمّين يتعلّق الأوّل بالطّبيعة الشّفوية للأخبار، ويتعلّق الثّاني بالأفق المعرفي لمنتجي تلك الأخبار.

وبيّن باسم المكّي اشتغال الكتاب على إبراز تقنيات إنتاج المتخيل، وهي أربع تقنيات أساسيّة؛ أوّلها الرّؤية ثمّ التّركيب والتّوليد ثمّ التّضخيم والتّفخيم، انتهاءً إلى تقنية القلب والانتقال من حال إلى حال. وخلص إلى عرض أهمّ النّتائج التي توصّل إليها الكتاب حول متخيّل ليلة القدر، ومن بينها اعتبار أنّه على صلة وثيقة بالتّاريخ، فهو متطوّر ومتغيّر، وهو اجتماعي بطبعه يلتبّس بلباس الأطر المعرفيّة والاجتماعيّة لمنتجيه، وأنّه مدار خلاف بين التّصوّرين السنّي والشّيعي، ومرتبط بالفرقة وشواغلها العقديّة، وتتحكّم فيه مرجعيّات مختلفة، وأنّه متأثّر بالأدبيّات المانويّة إلى جانب الأدبيّات اليهو- مسيحيّة، وانتهي إلى اعتبار أنّ وظيفة ليلة القدر في الضّمير الإسلامي نفسيّة جمعيّة متوارثة من جيل إلى جيل.

وقدّم الأستاذ نادر الحمّامي مداخلة حول كتاب "أسباب النّزول عماً من علوم القرآن" مقترحاً قراءة لهذا الكتاب لا تنطلق من بدايته، وإنّما ممّا وصل إليه؛ أي من بابه الرّابع الذي بحث في علاقة أسباب النّزول بالمتخيّل وبالتّاريخ، والفصل المخصّص لمسألة علوم القرآن في الإبستمولوجية المعاصرة وأفق التّحديث، وعلّل ذلك بأنّ بسام الجمل انطلق باحثاً في بداية الأطروحة وانتهى مفكّراً في نهايتها، بالوصول إلى الآليات والوظائف ومحاولة الخروج من المثال التّطبيقي إلى مثال تنظيري. وذهب إلى أنّ الكتاب يبيّن أنّ العلوم التي يظن البعض أنّها مستقرّة هي في حاجة متواصلة إلى إعادة النّظر وإعادة القراءة بمناهج جديدة من شأنها أن توصل إلى نتائج "خطيرة".

واهتمّ الحمّامي بطرح بعض الملاحظات حول المدوّنة الكبرى التي اشتغل عليها بسام الجمل في هذا الكتاب، وبيّن أهمّية ما قام به ودقّة ما انتهى إلى جمعه من أخبار مبثوثة في متون المصادر القديمة. وعرّج من ثمّ على محتوى الإضافة التي قدّمها الكتاب إلى كلّ البحوث الحديثة في هذا المجال، سواء منها ما أنتجه العرب أو ما أنتجه المستشرقون. واعتبر انطلاقاً من ذلك أنّ دراسة أسباب النّزول لدى هؤلاء كانت غايتها بيان أنّ النّص التّأسيسي المتعلّق بالأحكام التّشريعيّة مرتبط بزمانه؛ أي بمجتمع التّلقي أو الدّعوة وبالتّالي لا يمكن الالتزام بتلك الأحكام بصفة حرفيّة اليوم لبناء المجتمع الحديث، واعتبر أن هذه الفكرة أثبت كتاب الجمل خطأها، لأنّ أسباب النّزول في نسبتها الغالبة لا تتعلّق بالأحكام بل بالأخبار.

واعتبر أنّ أسباب النّزول لها علاقة بمسألة علوم القرآن الأخرى مثل الوحي والنّاسخ والمنسوخ وغيرها، وبيّن أن الجمل تجاوز كلّ الأبحاث الحديثة حول أسباب النّزول، وأضاف قائلاً إنّ مبحث أسباب النّزول يمكن أن ينفتح بالإضافة إلى علوم القرآن، على مسائل أخرى كثيرة مثل الجدل الكلامي وتطوّره، والنّوازع القبَليّة والصّراعات العرقيّة التي تتجاوز أطر البحث ضمن ما تمّ تأليفه داخل دائرة الدّيني. وقال إنّ ما توصّل إليه الجمل حول صناعة أسباب النّزول والمتخيّل فيها، هو الذي أدى إلى تخصّصه بعد ذلك في دراسة المتخيّل، واعتبر أنّ هاجسه تحديثي من منطلق تفكيره في الدّراسات القرآنيّة لا في علوم القرآن، معلّلاً ذلك بقابليّة الدراسات القرآنيّة لتحقيق الإضافة العلميّة أكثر من علوم القرآن.

وتناول الأستاذ بسّام الجمل الكلمة في ختام ذلك، فعقّب على مجمل الأفكار الواردة في المداخلات، وبيّن ظروف اهتمامه بالمتخيّل الدّيني منذ اطّلاعه على مبحث أساطير العرب في الجاهليّة، وعرض بعض المؤثّرات الذاتية والموضوعيّة التي وجّهت أنظاره إلى هذه المباحث. وعرّج على المصاعب التي كانت تواجه درس المتخيّل الدّيني في الجامعة التونسية، وبيّن أن مسار تدريسها أخذ يتشكّل شيئا فشيئا بناء على جهود كثير من الباحثين والدارسين والأساتذة. وعرض بعض سمات المسار البحثي والتكويني الذي انتهجه بداية بعلوم القرآن وانتهاء بالمتخيّل الديني، معتبرا أن هذه المباحث تتعاضد وتتكامل بين النظري والتطبيقي.

وانعقدت في الفترة المسائيّة ورشة نقاش مفتوح حول قضايا المتخيّل ساهم فيها الأساتذة المشاركون والطّلبة، وتمّ التّطرّق إلى عديد المسائل المتعلّقة بالمتخيّل الدّيني والمتخيّل السّياسي وأصوله التّاريخيّة والمعرفيّة، وأشار المتدخّلون إلى أهمّية الجانبين التّاريخي والرّاهن للمتخيّل، كما تمّ الاهتمام بالمتخيّل وتقاطعاته البحثيّة المتنوّعة والتي تتراوح بين الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم الأديان وعلم النّفس وغيرها، وتمّت الإشارة إلى آليّات إنتاج المتخيّل من خلال بناء الصّورة على عناصر ومرجعيّات بين الثّبات والتّحوّل، والعلاقة بين التّمثّل الفردي والتّمثّلات الجمعيّة، وصنع الرّمز انطلاقاً من ذلك. وتمّ طرح علاقة المتخيّل بتنوّع الثقافات والتّفاعل القيمي والنّفسي والزّمني بينها، وصولاً إلى نقاش مفاهيم المتخيّل الماثلة في الثّقافة المعاصرة والتي لها علاقة بالواقع المعيش عبر تمثّل الناس لذواتهم وللآخر، انطلاقا من محاولة إضفاء جملة من الأبعاد الرّمزيّة التي تكتسب عمقها من الموروث الجمعي، ومن إمكانيات التوظيف التي يوفرها التّعامل في الواقع المعيش بمختلف تناقضاته وأبعاده.