اليوم الدّراسي "مطارحات في مقولة الفرد"

فئة: أنشطة سابقة

اليوم الدّراسي "مطارحات في مقولة الفرد"

انتظم بمقرّ مؤسّسة مؤمنون بلاحدود للدّراسات والأبحاث وجمعيّة الدّراسات الفكريّة والاجتماعيّة بتونس العاصمة، الجمعة 9 نونبر الجاري، اليوم الدّراسي الموسوم ب: "مطارحات في مقولة الفرد"، وقد تضمّن أربع مداخلات على امتداد جلستين؛ ترأّس الجلسة الأولى د. نادر الحمّامي، وقد تضمّنت مداخلة أولى قدّمتها دة. سماح حمدي بعنوان: ''في فرديّة المتنبي''، ومداخلة ثانية قدّمتها دة. زهرة بالحاج بعنوان: "الفرديّة في الفكر الإصلاحي التّونسي وصولاً إلى تقرير الحرّيات الفرديّة والمساواة"، وترأّس الجلسة الثّانية د. محمد الشّريف فرجاني، وقد تضمّنت مداخلة أولى قدّمتها دة. جنان الإمام بعنوان: "الحريّات الفردية بين القانون والواقع"، ومداخلة ثانية قدّمتها دة. روضة قدري بعنوان: "في صعوبة أن تكون ”فرداً“ في تونس: قراءة في ثلاث دراسات سوسيولوجيّة.

وافتتح الحمّامي فعاليّات الجلسة الأولى من اليوم الدّراسي، فقدّم تأطيراً عامّاً لمقولة الفرد في الثّقافة العربيّة الإسلاميّة، واعتبر أنّ الاهتمام بهذه المسألة يقف صدّا أمام الهروب من الحرّية، مؤكّدا أنّ الحرّية هي القيمة الأولى دائماً، وقال إنّ مسألة الفرد يمكن أن نجد لها صدًى في كثير من المجالات في العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة في مستوى الأدب والفلسفة والقانون، وبيّن أنّ التّنوّع الذي ترمي المداخلات المبرمجة في هذا اليوم الدّراسي إلى تحقيقه ينطلق من اعتبار الفرد موضوع نظر في اختصاصات مختلفة.

وتناولت الكلمة الأستاذة سماح حمدي، فاعتبرت أنّ الثّقافة العربيّة الإسلاميّة تؤسّس منذ عصورها الأولى لانصهار الفرد في المجموعة، وذلك بتبنّي المنظومة القيميّة السّائدة من منطلق إيمان العرب بانحدارهم من أب واحد، وهو ما جعل القبيلة تمثّل الوحدة السّياسيّة والاجتماعيّة التي ينتمي إليها الأفراد جميعهم، وجعل إبداع هؤلاء ينشد المنظومة القيميّة ذاتها، ومن ذلك الأدب. وبيّنت من ثمّ كيف أنّ القصيدة العربيّة القديمة بأغراضها ومعانيها وأساليبها مثّلت المعيار الذي يؤسّس تمكّن الشّاعر وبراعته في القول، وأنّها ظلّت ثابتة على نمطيّة واحدة إلى أن عرفت خرقاً تمثّل في ظهور الذّات وطغيانها على معايير القصيدة القديمة. وطرحت المتدخّلة تجربة المتنبّي الشعريّة من خلال الكثير من الأمثلة في أغراض متعدّدة، باعتبارها تجسيداً لأهمّية ذات الشّاعر الفرد المبدع التي تضخّمت في المدح والرّثاء والهجاء والفخر والغزل، حتّى أصبح ينظر إلى العالم من منطلق ذاتي خاص يمكّنه من تجاوز التّقاليد الجماعيّة السّائدة مع المحافظة على السّنن الشّعريّة التّقليديّة، فالتزم بعمود القصيدة العربيّة وببنيتها الثّلاثية، وقد أرجعت المتدخّلة ذلك إلى صعوبة تجاوز تلك السّنن في عصره.

وأحيلت الكلمة إلى الأستاذة زهرة بالحاج، فافتتحت مداخلتها بالإشارة إلى أنّ الحداثة الغربيّة قد تأسّست على الفرديّة اجتماعيّاً وأخلاقيّاً وفكريّاً وفلسفيّاً وقانونيّاً، وتساءلت من ثمّ حول مدى اهتمام الفكر العربي الإصلاحي والتّحديثي بهذه المسألة في طروحاته، وقدّمت بعض الإشارات حول الفكر الإصلاحي التّونسي وعلاقته بالنّزعة الفرديّة، بدءاً من خير الدّين إلى أبي القاسم الشّابي وجماعة تحت السّور مروراً بابن أبي الضّياف والطّاهر الحدّاد. واعتبرت أنّ الظّرفيّة التّاريخية التي حفّت بفكرة الإصلاح كانت ذات منطلقات سياسيّة واقتصاديّة واجتماعية وثقافية، وأنّ مسألة الفردية لديهم لم ترتق، رغم تفاوت أهمّيتها بين هؤلاء جميعاً، إلى البعد الفلسفي الفكري الواضح الذي يؤهّلها للفعل الصّريح في توجيه المجتمع نحو الحداثة. وعرّجت المتدخّلة على فكرة الفرديّة في دولة الاستقلال من خلال التّعبير القانوني والتّنظيمي الذي كانت تسيّره، وصلاً إلى مصادقة الدّولة التّونسيّة حديثا على الاتّفاقيات الدّوليّة التي تكرّس البعد الفردي، وتفتح المجال في اتّجاه الحرّية الفرديّة والمساواة، واعتبرت أنّ ذلك لم يمكّن من تحوّل البعد الفردي في تونس إلى تمثّل عام وسلوك ثقافي لدى الأفراد والمجتمع والدّولة، ذلك أنّ الموروث الدّيني لا تزال له السّطوة التّامّة على المجتمع، وخلصت من ذلك إلى نقاش تقرير الحرّيّات الفرديّة والمساواة خاصّة في ديباجته التي ضمّت مقدّمات تبريريّة تراعي بالأساس البعد الدّيني الفقهي على حساب الجانب القانوني الفردي، معتبرة أنّه خالف توقّعات التّونسيّين فلم يتجرّد من المنطلقات الدّينيّة، رغم عدم تجاوب ذلك مع المنظمة الكونيّة للحرّيّات الفرديّة.

وانطلقت الجلسة الثّانية برئاسة الأستاذ محمد الشّريف فرجاني الذي عبّر بداية عن أهميّة تناول مسألة الفرديّة في المجالين القانوني الحقوقي والاجتماعي، وهو ما تعكسه المداخلتان اللاّحقتان. وأشار إلى أنّ مسألة الفرديّة التي تأسّست عليها الثّقافة الغربيّة لا تعكس التّجانس والوحدة في تلك الثّقافة بقدر ما تعكس الاختلاف والتنوّع، وهو ما يؤشّر على إمكانيّة اندراج سيرورة فردنة في الثّقافة العربيّة الإسلاميّة، باعتبارها واقعاً.

وتناولت الكلمة الأستاذة جنان الإمام، فبدأت بتعريف الحرّيّات الفرديّة بأنّها مجموع الحقوق والحرّيّات الجسديّة والفكريّة اللّصيقة بالفرد، والتي لا تحتاج إلى إطار جماعي حتى تمارَس، وبيّنت أنّها ما تزال محلّ احتراز ورفض في كثير من الثّقافات، ومن بينها الثّقافة العربيّة الإسلاميّة؛ وذلك باسم الدّين وباسم الخصوصيّة الحضاريّة والتّاريخيّة، وانتقلت من ثمّ إلى بحث مسألة الحرّيّات الفرديّة في تونس، انطلاقاً من النّصوص الإصلاحيّة التي بدأت منذ القرن التّاسع عشر، وقالت إنّ تلك الممهّدات الإصلاحيّة لم ينتج عنها دسترة الحرّيّات الفرديّة في دولة الاستقلال، وهو نقص حاول دستور 2014 أن يتلافاه، مستغلاًّ الظّرفية المشجّعة على الحرّيّة وتأسيس الدّيمقراطيّة ، إلاّ أنّ هذا التّوجّه لم يعتبر الحرّيّة في مستواها الفردي بقدر ما اعتبرها في المستوى الجماعي المتعلّق بحرّيّة تكوين الأحزاب وحرّيّة الصّحافة والإعلام والحرّيّات النّقابيّة، وهو ما نتج عنه ضعف تناول الحرّيّات الفرديّة في ظلّ ممارسات رسميّة ومجتمعيّة كانت تنظر إلى الحرّيّة الفرديّة، باعتبارها مثاراً للوصم والتّمييز الاجتماعي والتّهميش والعنف، وقد أدّى ذلك إلى تنامي تأثير التّيّارات الدّينيّة المحافظة في المجتمع. واعتبرت المتدخّلة أنّ ضعف التّأكيد على الحق في الاختلاف بين مكوّنات المجتمع التّونسي هو ما أدّى إلى عدم الانتباه إلى أهمّية الفرديّة، باعتبارها جوهر قيمة المواطنة. وعرّجت جنان الإمام على بعض المبادرات المدنيّة في تونس التي انطلقت تماشياً مع واقع الحرّيّة الجديد، وبيّنت مجالات عملها على كشف النّقائص القانونيّة والدّستوريّة في مستوى علاقتها بالحرّيّة الفرديّة والمساواة. وانتهت إلى طرح حيثيّات إطلاق لجنة تقرير الحرّيّات الفرديّة والمساواة مؤكّدة على دور الضّغط المدني والاجتماعي الذي دفع السّلطة إلى إطلاق هذه المبادرة القانونيّة، معتبرة أنّ التّقرير هو عمل ضروري يمهّد لإطلاق مجلّة الحرّيّات الفرديّة والمساواة.

وأحيلت الكلمة إلى الأستاذة روضة قدري، فأشارت إلى المقصود بالفرد ضمن مبحث علم الاجتماع بناءً على دراسة لتغيّر الصِّلات الاجتماعيّة وتغيّر العلاقة بالمعايير، وبكلّ ما هو اجتماعي وثقافي، وقالت إنّ الفرد هو منطلق تحليل، لأنّه هو الذي يحمل المعايير، وهو الذي ينتجها، وبيّنت انطلاقاً من ذلك أنّ الاختلافات التي تلاحظ في مستوى علاقة الأفراد بالمعايير ليست نتاجاً بالضّرورة لمواقعهم الاجتماعيّة، وقالت إنّ الحديث عن الفرد والفردانيّة في تونس مرتبط بما شهده المجتمع منذ الاستقلال، ومن قبل ذلك منذ إصلاحات القرن التّاسع عشر من سيرورة تحديث قائمة على بناء دولة القانون والمؤسّسات، وعلى تطوّر باتّجاه تحقيق المساواة بين الأفراد باعتبارهم مواطنين، وأضافت أنّ ذلك كان مفروضاً من طرف الدّولة ما جعله يواجه أشكالاً من المقاومة الاجتماعيّة، واعتبرت أنّ سيرورة التّحديث لم تنجح في إحداث ثورة تقطع مع التّقليد أو مع الأنساق ما قبل التّحديثية. وعرضت من ثمّ محتوى بعض الدّراسات الميدانيّة التي أنجزتها، انطلاقاً من مسائل ثلاث تتعلّق أوّلاً ببحث علاقة الشّباب بالجنسانيّة من خلال مسألة البكارة أو العذريّة الجنسيّة، وثانياً ببحث مسألة عزوبة الرّجل الإطار في تونس، وثالثاً بحث مسألة الجسد في تونس ما بعد الثّورة في مستوى اللّباس وتعبيراته الهوويّة. وخلصت من ذلك كلّه إلى عرض بعض النّتائج التي توصّلت إليها تلك الدّراسات في سياق ما يتعلّق بمسألة الفرد وسيرورة الفردنة في تونس، قائلة إنّ مسألة الهويّة الفرديّة في تونس تشهد تعايشاً هجيناً ومركّباً بين فكر ذكوري متواصل وبين وعي حقيقي بتطوّر العلاقات بين الجنسين على المستويين القانوني والاجتماعي، وهو ما أنتج انتظارات مزدوجة على كافّة المستويات.

البحث في الوسم
مقولة الفرد