اليوم الدّراسي "مقاربات مقارنة"

فئة: أنشطة سابقة

اليوم الدّراسي "مقاربات مقارنة"

نظّمت مؤسّسة مؤمنون بلا حدود للدّراسات والأبحاث وجمعيّة الدّراسات الفكريّة والاجتماعيّة بالشّراكة مع المعهد العالي للّغات بنابل التّابع لجامعة قرطاج-تونس، يوم الأربعاء 6 فبراير الجاري، اليوم الدّراسي "مقاربات مقارنة"، وقد تضمّن مجموعة مداخلات قدّمها ثلّة من الأكاديميّين والجامعيّين التّونسيّين في تخصّصات اللّغة والآداب والحضارة العربيّة، وذلك على امتداد ثلاث جلسات علميّة متتابعة، مسبوقة بالمحاضرة الافتتاحيّة التي ألقاها الأستاذ شكري المبخوت، والذي أقيم اليوم الدّراسي تكريماً له عن مجمل أعماله ومسيرته الأكاديميّة.

وقد افتتح اليوم الدّراسي "مقاربات مقارنة"، بكلمات ترحيبيّة قدّمها كل من الأستاذة نجوى الرّياحي مديرة المعهد العالي للّغات بنابل، التي بسطت بعض الأفكار حول اليوم الدّراسي وظروف تنظيمه والرّهانات العلميّة التي يحملها، والأستاذة سميّة المكّي التي عرضت الطّبيعة التّكريمية التي يرمي إليها اليوم الدّراسي، وقدّمت لمحات تعريفيّة حول مسيرة الأستاذ شكري المبخوت، والأستاذ نادر الحمّامي الذي أشار في كلمته إلى أهمّية التّعاون المشترك بين مؤسّسة مؤمنون بلا حدود وجمعيّة الدّراسات الفكريّة والاجتماعيّة من جهة والمؤسّسات الجامعيّة التّونسية من جهة أخرى.

وانطلقت من ثمّ المحاضرة الافتتاحيّة، مسبوقة بكلمة تقديميّة ألقاها الأستاذ صلاح الدّين الشّريف، وعرض فيها للمسيرة الحافلة التي خاضها الأستاذ شكري المبخوت دارساً وباحثاً وأستاذاً، وثمّن المراحل الكبرى لتجربته العلميّة والأكاديميّة والإبداعيّة، معتبراً أنّ التّنوّع المهمّ في تلك التّجربة مردّه إلى طبيعة شخصيّة الأستاذ المبخوت التي تأبى التّقيّد بمجال واحد، وتسعى إلى البحث المتواصل خارج المألوف، وأرجع إلى ذلك اهتمامه بمجال الأدب في بداياته وتوجّهه فيما بعد إلى مجال البحوث البلاغيّة واللّغويّة، ومن ثمّ إلى خوض تجربة الكتابة الرّوائيّة فتجربة الكتابة في المسائل التّاريخيّة والحضاريّة والثّقافية عموماً، وأكّد على اعتبار أنّ تلك التّجارب جميعها تتعاضد وتتآلف في إطار يجمع بين "البهجة والمرح" ما يبشّر باستمرارها وانفتاحها على عوالم إبداعيّة وعلميّة مهمّة تجلب لصاحبها اعترافاً وتقديراً متواصلين.

واهتمّ الأستاذ شكري المبخوت في المحاضرة الافتتاحيّة بمسألة المقارنة، باعتبارها أسلوباً في التّفكير والنّظر والتّأمّل في وجوه التّشابه والاختلاف، وقال إنّ المقارنات تهدف باستمرار إلى الوصول إلى بعض التّعميمات التي لا تتحقّق إلاّ من منطلق المقارنة بين خصائص واحدة لظواهر تشترك فيها الموضوعات المدروسة، وأشار إلى أنّ المقارنة بدأت في أبحاثه انطلاقاً من تصوّر نظريّة الأعمال اللّغويّة والعلاقة بين العلم وتاريخ العلم، قائلاً إنّ الكثير من الأفكار والتّصوّرات الحديثة حول نظريّة الأعمال اللّغويّة هي أقرب إلى الأوهام والتّصورات الشّائعة منها إلى العلم، فلا معنى للحديث عن تقابل بين البلاغة والتّداوليّة من جهات كثيرة على اعتبار أنّ التّداوليّة لم توفّر الشّروط اللاّزمة لتكون علماً، في حين أنّ البلاغة انبنت على الشّروط الأرسطيّة القديمة للعلم، ودحض بذلك اعتبار قيام التّداولية على حقائق علميّة، وأثار التّساؤل حول علاقة البلاغة العربيّة القديمة بالأسس العلميّة، وإمكانيّات الاعتماد على تلك الأسس في البحوث العلميّة الرّاهنة حول الخطاب، وطرح المبخوت ما اعتبره مجموعة من المشاكل المرتبطة بين البلاغة والتداوليّة، وبحث في آثار ذلك على القول وهندسة اللّسان والتّصنيفات المدرسيّة الموروثة، بين القدرة النّحويّة والبلاغيّة من ناحية والقدرة التّواصليّة الإنجازيّة من ناحية ثانية.

وانطلقت الجلسة العلمية الأولى من اليوم الدّراسي "مقاربات مقارنة"، برئاسة الأستاذ هشام الرّيفي، بمداخلة الأستاذة مليكة الولباني (جامعة تونس)، بعنوان (Le sens entre syntaxe et usage) "المعنى بين السّياق والاستعمال"، اهتمت فيها ببعض الأمثلة التّطبيقية التي درسها لودفيغ فتغنشتاين (Ludwig Wittgenstein) حول مثال الجملة الصّحيحة لغويّاً، وبحثت في الإمكانيّات التّعبيرية المباشرة التي يتيحها السّياق، وقالت إنّ ذلك يحيلنا على طرح الأسئلة حول مبدأ الاستعمال اللّغوي من منطلق ضرورة انطباق الجملة مع الواقع التّعبيري بدقّة، وهل ما إذا يسمح الاستعمال الدّقيق للقواعد اللّغويّة وإنجاز جمل صحيحة في مستوى تطبيق القواعد الموضوعة في إنتاج تعبير صحيح من حيث المعنى المراد التّعبير عنه في الكلام، وطرحت مسألة تجاوز المعنى لروح القواعد القبْلية المضبوطة بحسب رغبة المتكلّم في إنجاز المعنى الذّهني الخاص به.

واهتمت المداخلة الثّانية التي قدّمها الأستاذ عادل الباهي (جامعة منوبة)، بعنوان "التّعبير عن الجنسيّة في العربيّة بين القصد والبنية، قراءة في مقاييس التّنكير التّسويرية"، بكيفيات إفادة النّكرة للدّلالة الجنسيّة، وعرّف الدّلالة الجنسيّة من خلال البنية التي تمثّلها أي من خلال الأقوال المنتجة في الاستعمالات لتعريف الموجودات، واختار المتدخّل أن يدقّق هذه الدّلالة من زاوية المكوّن التّسويري فيها وقد وزّع ذلك على مستويين اثنين اعتبر أنّهما أساسيّان؛ هما المكوّن التّركيبي والمكوّن المعجمي التّصريفي، وبيّن من ثمّ أنّهما يتقاطعان في مكوّن المظهر، وعرض تمثّلات المكوّن في مجموعة من اللّغات إلى جانب العربيّة، واستخلص عوامل الوجود والعينيّة بما هما يبنيان هيكل الاستدلال حسب المقاييس التّسويرية. وخلص المتدخّل إلى بيان أهمّية اعتبار التّمييز بين المادة والخطاب.

وعرض المتدخّل الثّالث في هذه الجلسة العلميّة، الأستاذ وليد الزّيدي (جامعة منّوبة)، مداخلة بعنوان "تصوّر ما لا تراه، قول في خصوصيّة الصّورة عند المكفوفين"، اهتمّ فيها بأدوات التّحسّس المكاني والزّماني للكفيف اعتماداً على الصّوت وصداه، ليتكشّف عمق الحيّز وأهمّية المجال ويتمثّل البعد الصّوَري بعمق انفعالي يحوّله بطريقة شعوريّة إلى محايث للمرئي، وقد بنى مداخلته على اعتبار القدرة التي يمتلكها الكفيف على تكثيف إحساسه ذاك وفق ما يلائم مجال الكلام والسّمع، وهو ما يمثّل بالنّسبة إليه تعويضاً لحاسة البصر وتمثّل الصّورة، وقد ضرب المتدخّل عدّة أمثلة عن طه حسين، مبيّناً أنّ الحسّ الإبداعي لا يمكن أن يتحدّد أو يخفت بالإعاقة.

وانطلقت الجلسة العلميّة الثّانية من اليوم الدراسي "مقاربات مقارنة"، برئاسة الأستاذ الشّاذلي الهيشري. وافتتحت بمداخلة الأستاذة زهية جويرو (جامعة منوبة)، بعنوان "شكري المبخوت، التّفكير في زمن التّكفير"، راوحت فيها بين سياقين اثنين: الأوّل هو السّياق الذي ورد ضمنه كتاب "تاريخ التّكفير في تونس" لشكري المبخوت، والثّاني هو السّياق الذي تضمّن كتاب "التّفكير في زمن التّكفير" لنصر حامد أبو زيد، وقالت إنّ هذه القراءة المتراوحة بين الأثرين اقتضتها جملة من العوامل، من بينها السّؤال المقارن بين التّجربتين التّونسية والمصريّة، وبين مسار الثّقافة في مصر في الفترة الحديثة والمعاصرة ومسار التّشكّل الثّقافي في تونس في الفترة نفسها، وبيّنت أنّ كلا التّجربتين تجمعهما كثير من مواطن التّلاقي والافتراق في آن واحد. واعتبرت أنّ ظاهرة التّلازم بين التّفكير والتّكفير بدأت عموماً منذ منطلق القرن العشرين، وأنّها تستمرّ حتى اليوم في إطار الصّراع بين المجتمع والمؤسّسات الدّينية التّقليديّة.

وأحيلت الكلمة بعد ذلك إلى الأستاذة سماح حمزة (جامعة منوبة)، فقدّمت مداخلة بعنوان ''''وإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْر" قراءة مقارنة في معجزات المسيح بين القرآن والمنحولات''، وانطلقت من مقارنة حول معجزات المسيح بين القرآن ومنحولات العهد الجديد. وقالت إنّ الآية القرآنيّة لا تقدّم المسيح في صورة الإله أو رديف الإله أو الابن ولا الأوّل ولا الآخر، وبيّنت أنّ النّصوص المنحولة تحمل أثراً لتلك المعجزات، واعتبرت انطلاقاً من ذلك إمكانيّة اعتبار النّصوص المنحولة مصدراً أساسيّاً في محاورة التّمثّلات القرآنيّة. وقدّمت المتدخّلة عرضاً لمعجزات المسيح المذكورة في القرآن وبحثت من ثمّ عن تطابقها مع ما ورد في المنحولات، وخلصت من ذلك كلّه إلى إثبات التّطابق. وفسّرت ذلك التّطابق بأنّ هناك تصوّراً مسيهودياً أبيونيّاً وجد اكتماله مع بعض الفرق النّاصريّة وانتقل إلى محمّد عبر الاحتكاك الجغرافي والثّقافي.

وقدّم بعد ذلك الأستاذ نادر الحمّامي (جامعة قرطاج)، مداخلة بعنوان "في رهانات علم الأديان المقارن"، وتساءل في البداية قائلاً: لماذا نقارن بين الأديان؟ مبيّنا أنّ الإجابة عن هذا السّؤال تبقى مرتبطة بمعرفة أصول علم الأديان المقارن، وعرض من ثمّ تلك الأصول، بداية بتخلّص أوربا من سيطرة الدّين الشّمولي منذ منتصف القرن الخامس عشر، وظهور الحركة الإنسانويّة والتّيّارات التّجريبيّة، والمنهج الاستقرائي الذي مثّل ثورة على المنطق الأرسطي، مروراً بظهر تيّارات ناقدة للمؤسّسة الدّينيّة في القرن السّابع عشر، وصولاً إلى تكريس حرّية النّقد الكتابي في منتصف القرن الثّامن عشر، وخلص إلى اعتبار أنّ تلك المراحل هي التي أعطت ميلاد علم الأديان المقارن في القرن التّاسع عشر، وبيّن أنّ الرّهان الأوّل هو الرّهان المنهجي العلمي الذي يقلب اعتبار الدّين مصدراً للمعرفة إلى اعتباره مجالاً للبحث، وأنّ الرّهان الثّاني هو مقاربة الدّين باعتباره ظاهرةً إنسانيّة وثقافيّة، وبيّن في خلاصة ذلك أنّ رهان علم الأديان المقارن الأساسي هو أن نعرف أنفسنا قبل محاولة معرفة الآخر.

وانعقدت الجلسة العلميّة الثّالثة من اليوم الدّراسي "مقاربات مقارنة"، برئاسة الأستاذة نجوى الرّياحي، وقدّم الأستاذ محمد الخبو (جامعة صفاقس)، مداخلته بعنوان "السّرديّات، كيف نقرؤها؟"، اهتمّ فيها بالسّرديّات باعتبارها نظريّة تتعامل مع النّص القصصي تعاملاً علميّاً، وبحث في أصول التّسمية وعلّقها بالإنشائيّة والشّعريّة، وتحدّث عن أعلامها وروّادها في الغرب وتونس، وسلّط الضّوء من ثمّ على كيفيّات تعامل دارسي القصص في تونس مع هذا العلم الوافد على الثّقافة العربيّة، وعرض جملة الأساليب والطّرائق المعتمدة من خلال بعض النّماذج؛ ومن بينها الوصف والتّركيب والجمع والوظائف والأعمال والسّرد والعلاقات بين الخطاب والحكاية، واستخلص من ذلك بعض سمات الاختلاف عن البنية النّظريّة الغربيّة، وقال إنّ ما أنجزه الباحثون التّونسيّون في هذا المجال كبير ودقيق، وأنّ الاقتصار على النّظريّة الغربيّة لا يمكّن من مواكبة تغيّرات السّرديّات المتعدّدة.

وأحيلت الكلمة إلى الأستاذ محمد آيت ميهوب (جامعة تونس)، فقدّم مداخلة بعنوان "قراءة السّد بين طه حسين ومحمود المسعدي، الدّلالات والخلفيّات"، اهتمّ فيها بحيثيّات الجدال النّقدي بين المسعدي وطه حسين، وقال إنّه يعدّ أبرز لحظات اللّقاء النّادرة بين الحركة الأدبيّة التّونسيّة ونظيرتها المصريّة، بالنّظر إلى ما يجمع طرفيه من نقاط اشتراك في التّكوين والفكر الحداثي والذّائقة الأدبيّة، وطرح من ثمّ الأدوات التّحليلية التي قرأ بها طه حسين السّد، وتصنيفه إيّاه على اعتباره قصّة. وخلص إلى عرض بعض سمات العلاقة الأدبيّة بين المشرق والمغرب، مبيّنا غلبة فكرة المركز على تعامل المشرق نقديّا مع كلّ ما ينتجه المغرب من إبداع أدبيّ وثقافيّ، وردّهِ إلى مركزيّة غربيّة خارج السّياق العربي والإسلامي. واختتم اليوم الدّراسي أشغاله بحفل تكريم الأستاذ شكري المبخوت.

 

البحث في الوسم
مقاربات مقارنة