جلسة حواريّة حول الحركة النّسويّة التّونسيّة ضمن فعاليات معرض تونس الدّولي للكتاب

فئة: أنشطة سابقة

جلسة حواريّة حول الحركة النّسويّة التّونسيّة ضمن فعاليات معرض تونس الدّولي للكتاب

نظّمت مؤسسة مؤمنون بلا حدود وجمعيّة الدّراسات الفكريّة والاجتماعيّة، على هامش فعاليّات معرض تونس الدّولي للكتاب 2018، مساء الجمعة 13 أبريل الجاري، جلسة حواريّة حول الحركة النّسويّة التّونسيّة، أدارها الأستاذ نادر الحمّامي وشارك فيها كلّ من الأستاذات سناء بن عاشور المهتمّة بالمجال الحقوقي والقانوني، وحفيظة شقير أستاذة القانون بالجامعة التّونسية، وزهيّة جويرو المتخصّصة في الدّراسات الحضاريّة، وهاجر خنفير المهتمّة بالدّراسات النّسويّة والجندريّة.

وافتتح نادر الحمّامي اللّقاء بكلمة تأطيريّة نزّل فيها الموضوع حول الحركة النّسوية التّونسيّة في سياقه العام، وأشار في البداية إلى أنّ الجلسة مهداة إلى إلهام المرزوقي الأكاديميّة المتخصّصة في علم الاجتماع السّياسي، والتي كان لها اهتمام كبير بنضالات المرأة التّونسية، وكتبت حول "الحركة النّسائية في تونس في القرن العشرين"، وهو عنوان كتابها الذي تمّت ترجمته إلى اللّغة العربيّة مؤخّرا وصدر عن معهد تونس للتّرجمة، وقال الحمّامي إنّ الحديث عن المرأة التّونسيّة اليوم ليس منّة من أحد، وإنّما هو ثمرة نضالات نسويّة منذ ما قبل الاستقلال إلى الآن، وأنّ المرأة ساهمت في جميع مراحل بناء الدّولة التّونسيّة إلى جانب مساهمات العديد من الرّموز الحقوقيّة والأكاديميّة والفكريّة التي تركت بصماتها في تاريخ تونس الحديث.

وانطلق من ثمّ بطرح سؤال أوّلي حول العلاقة الملتبسة والمتوتّرة بين الجانب القانوني من ناحية والبنية الذّهنيّة والاجتماعيّة من ناحية أخرى في ما يتعلق بقوانين المساواة والحرّيات واعتبار القضيّة النّسويّة من ضمن قضايا حقوق الإنسان. وتناولت الكلمة الأستاذة سناء بن عاشور فأشارت إلى أنّ التّشريع ليس بقواعد نظريّة معزولة، باعتبارها خطاباً معياريّاً له تأثير على الذّهنيّات والسّلوك الاجتماعي، واعتبرت أنّ الحركات النّسويّة عموماً ناضلت لتغيير القوانين، لأنّ القواعد القانونيّة في كل المجتمعات ذات أساس عرفيّ وأخلاقيّ، لم يتخلّص في جميع أشكاله من سمات الذّكوريّة، وبيّنت أنّ النّضال النّسوي عمل في جميع المجتمعات على تحقيق المساواة بين الجنسين، انطلاقاً من اعتبار أنّ الطّبيعة الإنسانيّة تأبى التّمييز، واعتبرت ابن عاشور أنّ نضالات المرأة لم تكن فقط محرّكا للجانب النّسوي من المجتمعات، وإنّما كانت محرّكا للشعوب كافّةً من أجل تحقيق العدالة والتّكافؤ الإنساني بين البشر بغضّ النّظر عن اختلافاتهم، وقالت إنّ المرأة بذلك ساهمت على مدى عصور طويلة في إيقاظ الضّمير الإنسانيّ. وعرّجت من ثمّ على فكرة الازدواجيّة التي لم تتخلّص منها القوانين والتّشريعات الاجتماعيّة ما يجعل النّضال الحقوقيّ النّسويّ في كافّة المجالات الاجتماعيّة والقانونيّة الحقوقيّة مشروعاً متواصلاً نحو تحقيق المواطنة الكاملة.

وطرح الحمّامي انطلاقاً من فكرة المواطنة تساؤلاً حول مسار الانتقال من الرّعيّة إلى المواطنة انتهاءً بتحقيق المواطنة مكتملة الحقوق، قائلاً هل يمكن اعتبار الحركة النّسويّة في هذا السّياق مستقلّة ضمن هويّة خصوصيّة أم ينبغي إدراجها ضمن إطار أشمل تمثّله حقوق الإنسان الكونيّة عموماً؟

وتناولت الأستاذة حفيظة شقير الإجابة عن هذا السّؤال، فأشارت إلى أنّ الحركة النّسويّة المستقلّة والتي تكوّنت في تونس منذ بداية الثّمانينيات من القرن الماضي كانت ترمي إلى القطع مع الخطاب السّائد حول المرأة، والذي يدّعي أنّه حقّق المساواة بين الجنسين، وقالت إنّ ما كان يشغل العمل النّسوي في هذا الجانب هو بيان أنّ المكاسب التي تروّج لها الدّولة سياسيّاً باعتبار أنّها تحقّقت لفائدة المرأة ومن ضمنها مجلّة الأحوال الشّخصيّة تخفي الكثير من المظاهر التّمييزيّة التي تكرّس النّظام الأبويّ، وتكتسي صبغة قدسيّة تجعل من تلك المكاسب محدودة وغير نافذة اجتماعيّاً وثقافيّاً، وأضافت أنّ الحركة النّسويّة في تونس بدأت باعتبارها حركة يساريّة تقدّمية وتحوّلت شيئا فشيئا إلى حركة حقوقيّة وديمقراطيّة تركّز أساساً على حقوق الإنسان في مفهومها العام ولا تقتصر على الحقوق النّسويّة فحسب، انطلاقا من الإيمان بكونيّة الحقوق وبأهمّيتها في مسار تحقيق المواطنة. وقالت ''إن المواطنة تعني الاعتراف بكافة الحقوق العامّة والفرديّة''، وبيّنت انطلاقا من ذلك كيف عملت الحركة النّسويّة التّونسية على التشبّث بالمبادئ الإنسانيّة العالميّة من خلال الإلحاح في المطالبة بالمصادقة على الاتّفاقيّات الدّولية في هذا المجال.

وحول السّؤال المتعلّق بأسس الحركة النّسويّة التّونسيّة وأصولها، أشارت الأستاذة زهيّة جويرو إلى ضرورة وضع النّسويّة في إطارها التّاريخي لرفع الكثير من الالتباس، وبيان أنّها ذات أصول حضاريّة وثقافيّة وأنّ غايتها لا تتمثّل في قلب وضعيّة التّمييز، لتكون في صالح المرأة ضدّ الرّجل بعد أن كانت في صالح الرّجل ضدّ المرأة، وبيّنت أن الوعي النّسوي ليس مرتبطاً بالجنس، لأنّ جذوته الأولى قد انطلقت بدعوات أطلقها مصلحون رجال تونسيّون، وقالت إنّ الحركة النّسوية قد بدأت منذ قدوم الإسلام إلى تونس بما حمله من تشريع متأتّ من نظام اجتماعي قائم على تعدّد الزّوجات في حين أنّ البيئة السّابقة لذلك لم تكن تعرف هذا النّظام الاجتماعي، وهو ما أحدث ردود أفعال لدى النّساء وشاركهنّ في ذلك جانب من الرّجال ومن الفقهاء المستنيرين الذين فرضوا ما يُعرف بـ ''الصّداق القيرواني'' الذي أصبح بعد ذلك منتشراً في كافّة مناطق الغرب الإسلامي. وأشارت إلى أنّ أوّل موضوع انشغل به الفكر الإصلاحي التّونسي في بداية القرن التّاسع عشر كان موضوع المرأة. واعتبرت جويرو أن الحركة النّسوية الرّاهنة في تونس تتحمّل مسؤوليّة كبرى، وهي مواصلة تحصيل الحقوق ومقاومة كلّ أشكال التّمييز الموجودة في القوانين الجزئيّة في ضوء مبدأ المساواة في المواطنة والحقوق.

وحول خصوصيّة الحركة النّسويّة التّونسية الرّاهنة ودور الرّجل في دفع النّضال النّسوي أشارت الأستاذة هاجر خنفير إلى الدّور التّاريخي الذي لعبته المرأة التّونسية منذ القديم، باعتبارها حملت صفات المرأة السّياسية الفاعلة، واعتبرت أنّها كانت قديماً مدفوعةً بظرفيّة تاريخيّة جعلت منها فاعلة ولكن دون وعي حقيقي بمسألة الحقوق، وعرّجت على الدّور الذي لعبه الخطاب الإصلاحي التّونسي ممثّلاً في كتاب ''امرأتنا في الشّريعة والمجتمع'' للطّاهر الحدّاد، في تأسيس مفهوم حقوق المرأة والمطالبة بتنزيلها اجتماعيّاً، وأشارت إلى أنّ الممهّدات الأولى التي سبقت كتاب الحدّاد تمثّلت في مطالبات نسويّة لم يركّز عليها كثيرا التّاريخ الرّسمي، وقادتها بعض النّساء اللّواتي نادين بالسّفور وخلع الحجاب، وبيّنت أنّ الخطاب السّياسي الذي كان مدفوعاً بهاجس النّضال ضدّ المستعمر قد أخضع المطالبات النّسويّة في ذلك الوقت إلى نوع من التّذبذب الذي فسّرته بالبراغماتيّة والتّوظيف.

وخلصت الجلسة الحواريّة إلى طرح مسائل تتعلّق بالمؤثّرات الذكوريّة في الحركة النّسويّة من خلال استعراض الظّروف الاجتماعيّة والثّقافيّة لبعض النّساء الرّائدات في مجال المطالبة بالحقوق، في إشارة إلى أنّ ما تحقّق للمرأة التّونسيّة منذ القديم إلى الآن لم يكن ليتحقّق بنضالات نسويّة معزولة عن الواقع الظّرفي والثّقافي والسّياسي التّونسي. كما طرحت الجلسة مسألة التّوظيف السّياسي للحركة النّسويّة قديماً وحديثاً ما يجعل الحقوق والمكاسب التي تتحقّق لفائدة المرأة تُعامل في كثير من الأحيان، باعتبارها واجهةً سياسيّة يتم توظيفها لأغراض أخرى، ما يعطّل تنزيلها اجتماعيّاً وثقافيّاً في سياق الممارسة الفعليّة. كما تمّت الإشارة إلى تنوّع الحركة النّسويّة التّونسية واختلاف روافدها والمؤثّرات الإيديولوجيّة التي تتداخل فيها بين توجّهات يساريّة وأخرى إسلاميّة حديثة النّشأة، ما يجعل الحركة النّسويّة عرضةً إلى الكثير من التّجاذب الذي يؤثّر في فهمها لمنظومة الحقوق الحديثة من جهة ويعطّل فاعليّتها في المطالبة بها من جهة أخرى.