حلقة نقاش وحوار حول: كتاب الطّاهر الحدّاد "الجمود والتّجديد في قوّتهما"

فئة: أنشطة سابقة

حلقة نقاش وحوار حول: كتاب الطّاهر الحدّاد "الجمود والتّجديد في قوّتهما"

نظّمت مؤسّسة مؤمنون بلا حدود للدّراسات والأبحاث وجمعيّة الدّراسات الفكريّة والاجتماعيّة، بمقرّهما بتونس العاصمة، الأربعاء 28 نونبر، حلقة نقاش وحوار حول كتاب الطّاهر الحدّاد "الجمود والتّجديد في قوّتهما" بمشاركة كل من الأستاذة زينب التوجاني التي أطّرت الطلبة عبد الرؤوف مبارك وقدس البراهمي وخلود البريكي، وقد شاركوا في تقديم قراءات حول الكتاب، والأستاذة سماح حمدي التي سيّرت الكلمة بين الطلبة المتدخّلين، والأستاذ فيصل شلوف الذي تولى إدارة اللّقاء وتقديم مداخلة في الموضوع بعنوان: ''عودة الحدّاد''.

واستهل عبد الرؤوف مبارك مداخلته حول الكتاب، فعرّج على مفهومي الجمود والتّجديد الموظّفين في العنوان، واعتبر انطلاقا من ذلك أهمّية الإشارة التي ينفتح عليها المضمون الذي يتوجّه إلى قارئ محدّد ذي عقلية ذكوريّة، ويتناول مسائل تتعلّق بالزّواج والطّلاق والمساواة في الإرث بين الرّجل والمرأة، ويوهم بصلابة الحجج الفقهيّة السّائدة، ويعضد ذلك بعبارات ظاهرها استنقاص للمجدّدين وذمّ لهم وباطنها سخرية من التّقليديّين. وأشار في سياق ذلك، إلى ما يعرضه الحدّاد من صفات جمود الفقهاء وعجزهم عن التوسّط بين النّص المقدّس والواقع المتحوّل.

وأشارت قدس البراهمي إلى دور الحركات الاجتماعيّة والفكريّة وقوى الضّغط في الدّفاع عن المشاريع الثّقافية التي تراهن على الواقع، وتهدف إلى تحسين شروطه وتقف في وجه القوى التّقليديّة التي تحتكر الموروث الدّيني، وتعمل على غلقه والاستئثار به، حتّى تمارس سلطتها على المجتمع، واعتبرت أنّ كل فعل اجتماعي يرمي إلى تغيير السّائد يقابله بالضّرورة فعل اجتماعي آخر يعمل على تعطيل مساره، ونزّلت ضمن هذا الإطار الصّراع الفكري بين قوى التّجديد وقوى الجمود التي يعبّر عنها الحدّاد في كتابه باعتماد أسلوب السّخرية.

واهتمّت خلود البريكي في مداخلتها بما تضمّنه كتاب الحدّاد من سخرية تقوم على قلب حجج المجدّدين على أصحابها لمزيد بيان التّقابل بين تيّار الجمود وتيّار التّجديد. وقالت إنّه جعل خطاب التّقليديين يبدو متهافتاً، ويدعو القارئ إلى الضّحك منه ومن مسلّماته التي لم تعد تناسب الواقع، واعتبرت أنّ مواقف الحدّاد السّاخرة من أفكار التّقليديّين والمستهزئة من حججهم كان لها وقع كبير في عصره عكسته ردود الفعل العنيفة تجاهه، والتي انتهت إلى تكفيره.

وتناول الكلمة بعد ذلك الأستاذ فيصل شلّوف، فتمحورت مداخلته التي عنونها بـ ''عودة الحدّاد'' حول سياقين اثنين مثّلا عودة الطّاهر الحدّاد متجسّدا في أفكاره، بعد ما يفوق الثّمانين عاماً من وفاته؛ السّياق الأوّل ظهر من خلال إعادة المجتمع التّونسي في السنة الأخيرة طرح فكرة المساواة في الميراث بين الجنسين، وما لحق ذلك من ردود أفعال مكثّفة من أطراف اجتماعيّة ومدنيّة وسياسيّة متعدّدة، ساهمت في تأسيس نقاش مفتوح في الفضاء العمومي التّونسي، أفضى إلى تداعيات وأصداء في المجتمعات العربيّة والإسلاميّة. أمّا السّياق الثّاني لعودة الحدّاد، فكان صدور كتابه الجديد بعنوان: "الجمود والتّجديد في قوّتهما"، الذي تولى المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون نشره بعد أن كان مخطوطا مغموراً.

وعرض المتدخّل مجموعة من الملاحظات حول أفكار الحدّاد في مجمل كتاباته، ومن بينها كتابه الأخير، وهي تتمحور حول اعتبار الحجّة التّأويليّة التي قامت عليها متعارضة مع الحجّة التأويلية التّقليدية، رغم أنّ الحدّاد كان ينتمي إلى المنظومة التّقليديّة في تكوينه، ولم يتثقّف بغير الثّقافة العربيّة الإسلاميّة، وقد استخلص من ذلك سياقين اثنين أبرز من خلالهما اختلاف رؤية الحدّاد للتّراث في ظل استحضار العلاقة بين النصّ المقدّس والواقع المتحوّل؛ السياق الأوّل يهمّ ما جاء به الإسلام مرتبطاً بخصائص العصر الذي تنزّلت فيه الرّسالة، في حين يهمّ السّياق الثّاني ما جاء من أجله الإسلام؛ أي المفهوم العام والشّامل والمطلق المنفتح على التّأويل في كل زمان ومكان. وخلص من ذلك إلى اعتبار أنّ الحدّاد ميّز بشكل واضح بين النّواة الروحيّة والقيميّة والأخلاقيّة الخالدة للإسلام، ونواته التّشريعيّة التي مهما كانت قطعيّة الدلالة، فإنّها تبقى قابلة لإعادة النّظر.

وخلص المتدخّل إلى اعتبار أن هذه العودة لأفكار الحدّاد تكتسب راهنيّة كبرى، سواء في السّياق الثقافيّ التّونسيّ أو في السّياق العربيّ والإسلاميّ، فكأن الفترة الرّاهنة بالاتّجاهات المتمثّلة فيها والأفكار وردود الأفعال حولها وما تثيره من تحفظّات المجتمع التّقليدي هي ذاتها التي كانت سائدة في فترة الثّلاثينيات من القرن الماضي، وقد عرض المتدخّل من ثم بعض الأمثلة عن ردود الأفعال الرّافضة لفكرة المساواة في الميراث بين الجنسين، التي دعا إليها الحداد في مؤلّفاته، ومنها كتابه الأخير، وعرّج على موقف مؤسّسة الأزهر، وقدّم قراءة في ذلك تعتبر أنّ مواقف المؤسّسات التّقليديّة عموماً تميل في جلّها إلى رفض الأفكار الجديدة خوفاً على مصالحها وسلطاتها التي تعتبر أنّها تتجاوز الحدود الجغرافيّة الضيّقة، لتمتد إلى حيث وجد مسلمون.

وأثار المتدخّلون في النّقاش الكثير من المسائل التي تتعلّق بفكر الطّاهر الحدّاد والسّياق الذي تتنزّل ضمنه اهتماماته في هذا الكتاب، واعتبر بعض المتدخّلين أنّه كان يستلهم أفكاره من عمق الواقع المجتمعي التّونسي في فترة الثّلاثينيات، وأنّ التصاقه بالواقع وعمله النّضالي في صفوف العمّال وضد مبادئ الهيمنة على العقول من جهة وعلى الأجساد من جهة أخرى، دفعه إلى التفطّن إلى ضرورة الدّفاع عن الحقوق والحرّيات، وبعث في ذهنه تلك الرّوح النّقدية للمنظومة التّقليديّة، وحثّه على خوض معركته ضدّها.

 

البحث في الوسم
الطّاهر الحدّاد