حلقة نقاش وحوار حول كتاب "صدام الحرية والمقدّس"

فئة: أنشطة سابقة

حلقة نقاش وحوار  حول كتاب "صدام الحرية والمقدّس"

احتضن مقرّ مؤسسة مؤمنون بلا حدود وجمعيّة الدّراسات الفكريّة والاجتماعيّة، بتونس العاصمة، السّبت 23 فبراير، حلقة نقاش وحوار حول كتاب: "صدام الحرّية والمقدّس" بحضور صاحبه الأستاذ عمّار بنحمّودة، وقد قدّم الأستاذ مراد الحاجي قراءة في الكتاب، وأدار اللّقاء الأستاذ نادر الحمّامي.

واستهلّ الأستاذ مراد الحاجّي مداخلته بالإشارة إلى مفهومي الحرّية والمقدّس اللّذين اشتغل عليهما الكتاب من خلال نماذج سياسيّة وفكريّة، بداية من خير الدّين التّونسي وصولاً إلى راشد الغنّوشي مروراً بالطّاهر الحدّاد والحبيب بورقيبة، قائلاً إنّهما مفهومان ملتبسان، وأرجع ذلك إلى طبيعة العلاقة بينهما والسّياق التّاريخي والثّقافي الذي أنتجهما. واهتمّ في قراءته بتلك النّماذج تباعاً، معتبراً أنّ الحرّية التي يدور في فلكها فكر خير الدّين التّونسي، في أبعادها السّياسيّة والاقتصاديّة والفكريّة، هي حرّية نخبويّة تتعلّق بإطار ثقافي يهيمن فيه الدّين على الفضاء العام، ونزّل في هذا الإطار تعامل الكتاب مع صورة هذا المصلح التّونسي، على أنّها صورة استحدثتها دولة ما بعد الاستقلال، حتى تجعل منها مثالاً للتّجربة البورقيبيّة، وأنّ الواقع التّونسي يقدّم تجارب أخرى أكثر التحاماً مع الشّعب، قد أهملتها الدّولة الوطنيّة النّاشئة، ولم تعتبرها نموذجاً.

وبيّن من ثمّ ظروف الصّراع بين الحرّية والمقدّس من خلال ما يهتم به الكتاب حول شخصيّة الطّاهر الحدّاد وعلاقته بمؤسّسة الزّيتونة، معتبراً إيّاه صراعاً على التّأويل، في إطار السّعي إلى احتكار المقدّس باعتباره رمزاً للسّلطة، وعرّج على علاقة سلطة دولة ما بعد الاستقلال ممثّلة في شخص الحبيب بورقيبة، مع الحرّية في بعدها السّياسي والاجتماعي ومع المقدّس في بعده الدّيني، مشيراً إلى تداخل هذه الأبعاد في صورة بورقيبة بين الحداثيّ والعلمانيّ والمحافظ والمؤمن.

وحاور الحاجي الطّرح الذي قدّمه الكتاب في الفصل الذي اهتمّ فيه براشد الغنّوشي، حول بيان التّحوّل في فكر الحركة الإخوانيّة في اتّجاه الابتعاد عن أصولها المرجعيّة وقبولها بشروط الدّيمقراطيّة من جهة، وبيان بقائها على تلك الأصول وممارستها للتقيّة في إطار اللّعبة السّياسية من جهة ثانية؛ وهو ما يفسّره الكتاب باستجابة الحركة لدوافع الصّراع حول المقدّس ضدّ الحركات الجهاديّة والسلفيّة. وخلص إلى طرح بعض الأسئلة حول مدى تعلّق المسألة بصدام حقيقي بين الحرّية والمقدّس، واعتبر أنّ الصّدام كان على المقدّس وبالمقدّس، وأنّ المسألة يمكن أن تطرح بشكل آخر، فتكون الحرّية نفسها نوعاً من المقدّس. كما أشار إلى أنّ الكتاب يحتاج إلى تدقيق نظري للمفاهيم، لفهم أبعاد الحرّية القانونيّة والفكريّة والسّياسيّة والاجتماعيّة، ولفهم أبعاد المقدّس.

وأحيلت الكلمة إلى الأستاذ عمّار بنحمودة، فبيّن صعوبة حدّ المقدّس داخل الدّائرة الدّينية فقط، لأنّ تسويغ الحرب اليوم يتم باسم الحرّية التي أصبحت تقدّم، باعتبارها مقدّساً أيضاً، وعلّق على ذلك قائلاً إنّ الدّوائر التّأويليّة للمقدّس تتّسع وتضيق، ما يمكن أن يجعل الحرّية جزءاً من المقدّس، فيكون الصّراع في النّهاية بين المقدّس والمقدّس وليس بين الحرية والمقدّس. وفسّر ذلك بضبابيّة مفهوم المقدّس الذي لا يستمدّ قداسته من ذاته، وإنّما يستمدّها من تقديس النّاس له. وقال إنّ جوهر تجربة خير الدّين التونسي هو تلك التّنظيمات التي كانت نتيجة رحلات كثيرة إلى أوروبا استخلص منها منظومة قانونيّة وإداريّة لتسيير الدّولة، واعتبر لذلك أنّ جوهر تلك الإصلاحات ليس نابعاً من التّراث الإسلامي، كما أنّه ليس نابعاً أيضاً من تجربة الأوساط الشّعبيّة التّونسيّة التي لم يعايشها خير الدّين التّونسي، وبيّن من ثمّ محدوديّة إصلاحاته. وأشار بعد ذلك، إلى أن راشد الغنّوشي يمثّل جزءاً من تاريخ تونس الرّاهن الذي لا يزال في طور التّشكّل، وقال إنّ سياسة حركة النّهضة قد أبدت تحوّلا مهمّاً في خطابها الظّاهر، يبدو على سبيل المثال من خلال الفصل بين السّياسي والدّعوي، وفسّر ذلك باستجابتها لمؤثّرات المناخ الجيوستراتيجي والسّياسي العالمي.

وتداول جانب من الحضور على أخذ الكلمة في النّقاش، فتمّت الإشارة إلى سياقات التّعامل مع المقدّس، ومن بينها سياق التّوظيف السّياسي والبراغماتي، وهو ما يفسّر ميل دولة الاستقلال إلى بناء مشروعيّتها الإصلاحيّة على شخصيّة خير الدّين التّونسي، وكذلك فعلت حركة النّهضة التي بحثت عن تأصيل مشروعيّتها في الثّقافة التّونسيّة، وعملت في خطابها الظّاهر على إخفاء انتمائها الإخواني. وتمّت الإشارة أيضاً إلى ضرورة نقد التّجربة الإصلاحيّة، باعتبارها صورة منتقاة ومنتزعة من سياق تاريخي عام. ودافع بعض المتدخّلين على الأهمّية المرجعيّة بالنّسبة إلى الشّعوب، وبيّنوا أن المحتوى الرّمزي الذي تكتسبه شخصيّة المصلح خير الدّين التّونسي يمكن أن يكون مرتكزا للإعادة تأسيس فكرة الإصلاح.