لقاء حواري فكري حول "تقرير الحالة الدينيّة في تونس 2011-2015"

فئة: أنشطة سابقة

لقاء حواري فكري حول "تقرير الحالة الدينيّة في تونس 2011-2015"

دار بفضاء دار الكتب الوطنيّة بتونس العاصمة، يوم الجمعة 18 يناير الجاري، اللّقاء الحواري الذي نظّمته مؤسسة مؤمنون بلاحدود للدّراسات والأبحاث وجمعيّة الدّراسات الفكريّة والاجتماعيّة، حول "تقرير الحالة الدينيّة في تونس 2011-2015"؛ وذلك بمشاركة كلّ من الأساتذة منير السّعيداني، ونادر الحمّامي، وعبد اللّطيف الهرماسي، وشهاب اليحياوي، وأدارت اللّقاء الأستاذة فاتن الوسلاتي.

وأشار د. منير السعيداني في كلمته إلى أهمية تقرير الحالة الدّينية، سواء من حيث الحجمُ أو من حيث التّجميع أو من حيث التّركيز والإلمام بالمسألة الدّينية من مختلف جوانبها، وتنوّع الباحثين المساهمين فيه من مختلف أصناف العلوم الإنسانيّة والتخصّصات الأكاديميّة في العلوم الاجتماعيّة والدّراسات الحضاريّة والدّينية، وعرض لمحة تفصيليّة عن محتوى التّقرير في مجلّداته الأربعة، وقال إنّ إنجاز التّقرير في مختلف مراحله حاول أن يحقق "الوفاء" لما أسماه لوحة سوسيولوجية شاملة للحالة الدينية في تونس، حتى تمكّن من إقامة قاعدة صلبة لمناقشات حول قضايا الحالة الدّينية. وتحدّث من ثمّ عن كيفيّة العمل على إنجاز المشروع، وقال إنّ اللّجنة المشرفة على إنجاز التّقرير فتحت نقاشات متعدّدة مع مختلف الباحثين أفضت في النّهاية إلى صياغة تصوّراتهم العامّة حول المسائل التي كُلّفوا بإنجازها، وأنّ طريقة العمل اتّسمت بالكثير من التّشاركيّة والتّفاعل بين مختلف المساهمين على كثرتهم وتنوّع اختصاصاتهم، ممّا أنتج تنوّعاً كبيراً في المقاربات وفي وجهات النّظر وفي العدّة المفاهيميّة والنّظريّة والمنهجيّة التي تمّ استخدامها، والتي روعي فيها جانب الدقّة العلميّة والتّوثيق. وأكّد أن اللجنة حرصت على ألاّ تصادر حرّية الباحثين في أن يعبّروا عمّا يريدون من أفكار مع الحرص البالغ على ما يوازي تلك الحرّية من موضوعيّة، من منطلق اعتبار أنّ المسألة الدّينية التي عمل عليها التّقرير مركّبة ومعقّدة وكثيرة الوجوه. وخلص من ذلك، إلى الدّعوة إلى أن يُقرأ التّقرير في تكامله لأنّ ما قد تأتي به دراسة ما قد تكمّله دراسة أخرى أو قد تناقشه، وتجعل منه محطّ جدال أو دحض. وختم السّعيداني كلمته بملاحظات عامّة أشار فيها إلى الرّهانات التي يطرحها التّقرير وأهمّها توفير مادّة حول المسألة الدّينيّة لفاعلين مختلفين من طلبة وباحثين وأكاديميّين ومراكز بحث وجامعات ومراصد وإعلام ومسؤولين سياسيّين ومجتمع مدني وصنّاع قرار وغيرهم، ممّن يمكن أن يساهموا في إنجاز مناقشة هادئة ومركّزة حول الشّأن الدّيني. وقال إنّ مساهمة الجامعة في نقاش المسألة الدّينية تكتسي من الأهمّية الشّيء الكبير وتعدّ من ضمن واجباتها المؤكّدة في ظلّ التّجاذب المجتمعي الرّاهن حول ما يتعلّق بالدّين والمعتقد والذي لم يحترم دائما قواعد المناقشة الهادئة والرّصينة.

وتناول الكلمة د. نادر الحمّامي، فأشار إلى أنّ التّقرير يتطلّع إلى معرفة وجهة نظر التّونسي في الكثير من القضايا التي لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بمسألة الدّين والتّديّن، وأكّد على أهمّية هذا التّقرير ضمن الحيّز الزّمني الذي اهتمّ به، لأنّه يحاول الخروج بالمسألة الدّينية من النّزاع السّياسي إلى مجال البحث العلمي الرّصين المستند إلى مناهج بحثيّة وتحليليّة أكاديميّة، وقال إنّ التّقرير لم يكن مستفزّا لأيّة جهة أو طرف إيديولوجيّ أو دينيّ، وهذا ما يفسّر أنّ الأصداء التي أحدثها قد غلب عليها التّنويه والإشادة بالمجهود الجماعي. ولم يُخف أنّ العمل لا يزال قابلاً أن يستوعب مسائل أخرى كثيرة تخصّ الحالة الدّينية وأشكال التديّن في تونس، قائلاً إنّ ما نقص في هذا التّقرير هو ما يمكن أن نستأنف العمل عليه والنّقاش حوله مستقبلاً. وعرّج من ثمّ على بعض الأفكار الأساسيّة التي من شأنها أن تؤكّد على ضرورة التّخلّي عن وهم سائد، وهو أنّ المجتمع التّونسي منسجم دينيّاً، قائلاً إنّ ذلك لا يعدو أن يكون صورة عامّة ليست دقيقة بالضّرورة، وأنّه لا ينبغي الخوف من التّعدّد والتّنوّع والاختلاف، وأنّ المجتمع التّونسي قادر على قبول الاختلاف وإن بدا محافظاً، بالنّظر إلى أنّ التديّن التّونسي ثقافيّ وليس دينيّا، قائلاً إنّ عملا بيداغوجيّاً وعلميّاً وثقافيّاً من شأنه أن يغيّر ما استقرّت عليه آراء التّونسيين حول الدّين والتديّن. واعتبر أنّ المجتمع قابل للتغيّر ويمكن التّأثير في بنيته الذّهنيّة لأنّها ليست بنية ذهنيّة دوغمائية جامدة، وأنّ هويّة التّونسي الدّينية متحرّكة وغير منسجمة كما يروَّج لها، عادةً، سياسيّاً وإعلاميّاً. وألحّ الحمّامي في ختام كلمته على أنّ هناك جهة غائبة عن مدار الاهتمام بالتّقرير، هي الجهة السّياسية التي أسماها "صنّاع القرار" قائلاً إنّهم يفوّتون بذلك الفرصة على أنفسهم حتى يفهموا المجتمع الذي يحكمونه.

وأحيلت الكلمة بعد ذلك إلى د. عبد اللّطيف الهرماسي، فقدم محاولة في قراءة بعض معطيات المسح الميداني حول الحالة الدّينية في تونس، مشيراً إلى تعدّد إمكانيات القراءة وتعدّد الأطر التي يمكن أن تعتمد فيها المعطيات الميدانيّة التي أفرزها، وقدّم لمحة عن السّياق التّاريخي المؤثّر في آراء التّونسيّين حول القضايا التي تمّ استجوابهم فيها، قائلاً إنّ المجتمع التّونسي في أغلبيّته السّاحقة مسلم سنّي أشعريّ عقيدةً ومالكي مذهباً، وأشار إلى أنّ المالكيّة مثّلت عضداً للثّقافة الأبويّة بما أنّها تتيح للأب الولاية على البنت ووصاية الأبناء الذّكور على البنات، واعتبر أنّ المرحلة الاستعماريّة كان لها دور مهمّ في تشكيل البنية الذّهنيّة التّونسيّة، باعتبارها مارست الاستعمار العسكري والثّقافي والفكري، ومن ثمّ ذكّر بالدّور الذي لعبته الدّولة الوطنيّة بعد الاستقلال في توجيه الشّعب وجهة مخصوصة في فهم التّراث والتّعامل معه، يغلب عليها الطّابع التّوظيفي من منطلق البحث عن التّناسب بين الموروث وغايات التّنمية والتّحديث، وانتهى من ذلك إلى اعتبار أنّ آراء التّونسيين حول الدّين والموروث الثّقافي الإسلامي لم تكن ناشئة لدى التّونسيين من فراغ ولا هي آراء مستجدّة حديثاً وإنّما هي جزء من بنية ثقافيّة متكاملة ومؤسّسة في الذّهنية التّونسيّة، تشكّلت شيئاً فشيئاً وفق المؤّثرات العديدة التي ساهمت فيها. وعلّق الهرماسي، على ما سبق أن أشار إليه الحمامي في مداخلته من اعتبار أنّ المجتمع التّونسي قائم على التّعدد الدّيني والاختلاف، وأنّ ذلك التّعدّد لا يلقى التّمثيلية الضروريّة وفق الحقوق المدنيّة والسّياسية الحديثة، قائلاً بخلاف ذلك أنّ الأقليّات الدينيّة في تونس محدودة العدد وأنّها تتمتّع بحقوقها المدنيّة والاجتماعيّة والسّياسيّة بشكل كامل وفق ما يمكن قراءته من نتائج التّقرير.

وتناول الكلمة بعد ذلك د. شهاب اليحياوي فاهتمّ بإشكاليّة حضور الدّيني والسّياسي في المجتمع وظهور فاعلين جدد في المجال الدّيني، وحدّد جملة من الملامح العامّة لتديّن التّونسي من خلال بعض البيانات المنشورة في التّقرير، واعتبر أنّ تديّن التّونسي لا مذهبي فهو يرفض تعميم الدّيني في الكثير من مستويات حياته، إضافة إلى أنّه يعتبر الدّين مجالاً فرديّاً وذاتيّاً، وأنّه يمثّل لديه رابطاً ثقافيّاً بالأساس ومكوناً رئيساً في الهويّة الجمعيّة، وأنّه يرفض الرّاديكاليّة في بعدها الدّيني واللاّديني، ويقبل بولاية الدّولة على الدّين؛ أي دولنة الدّين، وأنّه لا يتعامل مع جميع الطّقوس الدّينيّة بالكيفيّة ذاتها. وحول علاقة التّونسي بوسائل الإعلام قال المتدخّل أنّ هناك معيار أساسي يقوم عليه هو الدّعاية والمشهديّة، وقال إن وسائل الدّعاية المرئيّة هي الأكثر حضوراً لدى التّونسي من تلك المقروءة، وأرجع إلى ذلك ضعف تأثير النّخب المثقّفة التي تعبّر بالكتابة في مقابل صعود نماذج غير ثابتة مرتبطة بثقافة الصّورة. وعرّج على الدّور الكبير الذي تلعبه المؤسّسات الإعلاميّة في تشكيل الرّأي العام. وعن مدى حضور الدّيني في لعب دور عمومي أشار اليحياوي إلى تغلغل هذا الحضور في التّعليم ما قبل المدرسي من خلال الكتاتيب والمدارس القرآنيّة، واعتبر أنّ المدرسة تمثّل المؤسّسة التي يبحث من خلالها كلّ طرف يريد أن يوسّع تأثيره في المجال العام عن التّموقع داخل المجتمع. وقال إنّها تؤثّر في مستوى تكوين ثقافة التّونسي الدّينية، وأنّها محلّ تجاذب من أطراف متداخلة. وأشار إلى حضور الدّيني في مجال العمل، وبيّن أنّ موقف التّونسي لم يحسم في ذلك، فقد تراوح بين من يرى ضرورة السّماح لمن يريد القيام بواجبه الدّيني أثناء العمل من منطلق الحقّ، وبين من يعبّر عن رفض فرض ذلك في الكثير من الفضاءات العامّة، واعتبر أنّ القبول بأسلمة الفضاء العمومي مرتبط بالتقدّم في السنّ. وعن حضور الدّيني في المجال السّياسي اعتبر الأستاذ اليحياوي أنّ التّونسي يعتبر أنّ من واجبات الدّولة أن تكون راعية للدّين إلاّ أنّ ذلك لا يعني أسلمة الدّولة، وقال إنّ هذا يكشف عن رفض التّونسي لتوظيف الدّين في السّياسة وتوظيف السّياسة في الدّين، وخلص إلى اعتبار أنّ التّونسي يقبل بدولنة الدّين ولكنّه يرفض أسلمة الدّولة.

البحث في الوسم
الحالة الدينيّة