لقاء فكري حواري حول محاكمة ابن رشد

فئة: أنشطة سابقة

لقاء فكري حواري  حول محاكمة ابن رشد

احتضن مقرّ مؤمنون بلا حدود وجمعيّة الدّراسات الفكريّة والاجتماعيّة، بتونس العاصمة، يوم السبت 15 سبتمبر الجاري، وفي إطار سلسلة محاكمات الفكر شرقاً وغرباً، اللّقاء الفكري الحواري حول محاكمة ابن رشد، الذي تضمّن محاضرة قدّمها الأستاذ مصطفى بن تمسّك تناول فيها الظّروف التّاريخيّة والسّياسيّة والفكريّة التي حفّت بالمحاكمة إلى جانب دراسة الدّوافع التي تأسّست عليها ومختلف أبعادها، وقد أدار اللقاء الأستاذ فيصل شلوف.

وانطلق الأستاذ مصطفى بن تمسّك من تعريف ابن رشد، فأشار إلى أنّه موسوعيّ اهتمّ بالفقه والفلسفة والطب والفيزياء، وكانت له وجاهة كبيرة في البلاط الموحّدي، وأنّه تولّى مناصب كبرى؛ منها منصب قاضي القضاة بقرطبة، ثم بإشبيلية كما كلّف بإصلاح التّعليم في مرّاكش، وعُيّن الطبيب الخاص للخليفة يعقوب ثم الخليفة المنصور، واشتهر بمحاوراته في الفقه والفلسفة. واعتبر أن محاكمة ابن رشد تكتسب راهنية مستجدّة، لأنّ الظّاهرة الرّشدية لا تزال تعيش بيننا، باعتبارها دفاعاً عن العقلانيّة ضدّ كلّ أشكال الأسطرة والتّفكير المحافظ الذي لا يريد التقدّم بالواقع، وقال إنّها ظاهرة كونيّة ممتدّة فكريّاً وحضاريّاً.

وأشار إلى تصنيف ابن رشد مدارك النّاس وأفهامهم إلى ثلاثة مستويات؛ المستوى الأدنى خطابيّ، والمستوى المتوسّط جداليّ، والمستوى النّخبوي برهانيّ، وهو المستوى الذي دافع عنه ابن رشد وانتصر له، وكان سبباً من أسباب محاكمته المتعدّدة، ومنها أسباب مباشرة وأخرى غير مباشرة ومعلنة وغير معلنة، وقد اهتمّ بتفصيلها قائلا بعدم وجود إجماع بين الرّشديّين على الأسباب الحقيقيّة لمحاكمته، وأنّهم قد انقسموا إلى فريقين؛ يرى الفريق الأوّل أنّ سبب المحنة الرّئيس هو إرضاء الفقهاء ورجال الدّين، وأنّ ابن رشد دفع ثمن التّهم الكيديّة وتحرشّات الفقهاء، في حين يرى الفريق الثّاني أنّ الأسباب الحقيقيّة تكمن داخل كتابات ابن رشد وخاصّة منها كتاب ''جوامع سياسة أفلاطون'' لما تضمّن من نقد لسياسة الدّولة الموحّدية.

وعرض بن تمسك في بيان ذلك بعض السّياقات التّاريخية والسّياسيّة التي رأى أنّها تفسّر تلك الأسباب، بدءاً من تأثّر ابن رشد بالثّورة الثّقافيّة الموحّدية التي قادها ابن تومرت ضدّ التّقليد والتّجسيم والبدع وأساليب القياس القديمة، وأنّه دافع عن الاجتهاد العقلي ونبذ التّقليد، وبيّن أنّ مواقف ابن رشد هذه قد ألّبت عليه الفقهاء، فأصرّوا على الوشاية به للخليفة المنصور، وأصدروا ضدّه شكوى ضمّنوها ما اعتبروا أنّه شذوذ في آرائه وخروج عن الملّة وحطٌّ من حظوة السّلطان، وانتصبت له محاكمة علنيّة في الجامع الأعظم بقرطبة، فلعنه الحاضرون من كبار القوم، وتمّ إخراجه من المحكمة على حال سيّئة ونفي إلى قرية لا يسكنها إلا اليهود وأمر الخليفة المنصور بحرق جميع مؤلفاته الفلسفيّة ومنع من الاشتغال بالفلسفة والعلوم ما عدا الطب.

وعرّج بن تمسّك من ثمّ على أهمّ السّمات التي ميّزت فكر ابن رشد وجعلته عرضة للمحنة، وقرأ بعض المقتطفات من نصوصه وعلّق عليها قائلا: إنّ ابن رشد كان جريئاً في نقد السّلطة السّياسيّة التي احتضنته، وجعلت منه قامة علميّة وفكريّة ودينيّة في عصره، وأشار إلى أنّه استغلّ ما يقوله أفلاطون بخصوص الأنظمة الفاسدة في كتاب "الجمهوريّة الفاضلة" لكي ينقد الفساد السّياسي الذي كان سائداً في الدّولة الموحّديّة، وقد رأى أنّها انحرفت عن نموذج الحكم الإسلامي الأوّل الذي تحقّق في التّاريخ، وهو نموذج دولة الرّسول والخلفاء الرّاشدين، وكان يعتبر أنّه نموذج الحكم الفاضل الذي يماثل لدى أفلاطون النّظام الأرستقراطي.

وعقّب الأستاذ فيصل شلّوف على المداخلة، فأشار إلى انعكاس الأفكار على بعدين؛ الأوّل يهمّ الفلاسفة والثّاني يهم رجال الدّين، ليأتي السّاسة بينهما ويقوموا بالتّوظيف، فيميلون تارة إلى الفقهاء فتكون محنة الفلاسفة، ويميلون طوراً إلى الفلاسفة فتكون محنة الفقهاء، وأشار إلى أنّ منطق الفلاسفة مفتوح على العقل ومنطق الفقهاء منغلق على النّص، وهو التّناقض الأساسي الذي بحثت فيه الكثير من الدّراسات الحديثة، وأسّست عليه نوعاً من المصادرة القائلة بأنّ العقل منفصل عن النّص، وأنّ النّص منفصل عن العقل، واعتبر أنّ هذه المصادرة لا تتوفّر شروطها في فكر ابن رشد، وأنّه وجب أن تناقش من جديد. وعرّج على ميل ابن رشد إلى نموذج ديني سياسي ماثل في دولة النبوّة والخلافة الرّاشدة، واعتبر استناداً إلى ذلك أنّ محنة ابن رشد ليست محنة العقل، وإنّما هي محنة الحرّية، معلّلاً ذلك بأنّ فلسفة ابن رشد لا تعلن الفصل بين الدّين والعقل، بل إنّها في قسم منها تقول بالوصل، فلم يكن العقل لدى ابن رشد يكتسب التّفوّق المعرفي والإبستيمولوجي على الفقه، وأضاف أنّ ما تمّت محاكمة ابن رشد عليه ليس العقل، بل الجرأة على خرق محظورات الفقهاء والمؤسّسة الدّينيّة.

وتدخّل الحاضرون في النّقاش فاهتموا بتنزيل أفكار ابن رشد وأسباب محاكمته في سياقات راهنة، واعتبروا أنّ الطّابع النّخبوي الذي دافع عنه ابن رشد بانتصاره للمستوى البرهاني على المستويين الخطابي والجدالي يمنع من تنزيل الفكر العقلاني إلى حيّز الممارسة في المجال العام ويجعله حكراً على المتفلسفين، وتمّ التّساؤل عن مدى استفادة العرب والمسلمين اليوم من ابن رشد في سياق بناء فكريّ لا يهتمّ بالمضامين بقدر اهتمامه ببناء آليات فكريّة ومنهجيّة صالحة لهذا العصر، وأكّد البعض على اعتبار ابن رشد ابن زمنه وبيئته، ولا يجب أن يُطلب منه أكثر ممّا قدّم، لأنّ ابن رشد الفيلسوف لا يمكن له أن يتخطّى ابن رشد الفقيه والقاضي.

البحث في الوسم
ابن رشد