محاضرة: ''من هو الفرد في الإسلام؟'' للدكتور فتحي المسكيني

فئة: أنشطة سابقة

محاضرة:  ''من هو الفرد في الإسلام؟'' للدكتور فتحي المسكيني

انتظم بمقرّ مؤمنون بلا حدود وجمعيّة الدّراسات الفكريّة والاجتماعيّة بتونس العاصمة، السبت 12 يناير الجاري، لقاءً فكريّا تضمّن محاضرة ألقاها الأستاذ فتحي المسكيني بعنوان: ''من هو الفرد في الإسلام؟''، وأدار اللّقاء الأستاذ نادر الحمّامي.

انطلقت المحاضرة من دحض أطروحة سائدة وتتكرّر لدى الغرب، ويتبنّاها المسلمون حول أنفسهم، تقول بعدم وجود مقولة الفرد في الإسلام، فأشار المسكيني إلى أن علاقة الإسلام بالفردانيّة تطرح بشكل خاطئ من خلال الحديث عن إسلام مجرّد لا تاريخي ومقارنته بشكل مسقط مع العصر الحديث والإنسانيّة الأوروبيّة أوّلاً، واعتبر أنّ هذه المقارنة ظالمة، لأنّها تضع الإسلام في مواجهة الحداثة الغربيّة وكأنّهما ظاهرتان متزامنتان وعلى الوتيرة نفسها تاريخيّا، وأنّ ذلك يطرح اعتراضاً منهجيّا لا يجب إغفاله، ومقارنتها ثانياً مع الثّقافة المسيحيّة التي وفّرت مصادر الفردانيّة بالنّسبة إلى الغرب من خلال فكرة الضّمير وفكرة "الذات"، لتظهر من ذلك كلّه مقولة الفرد، وقال إنّ تلك المقارنات تعمّق خطأ الأطروحة القائلة بعدم إمكانية وجود فرد في الإسلام.

وتساءل المسكيني ''لماذا يتبنّى العرب والمسلمون هذا النّوع من الخطاب الخاطئ حول أنفسهم؟''، وأكّد في المقابل أنّ "الفرد" موجود في الثّقافة الإسلاميّة، بمختلف مدوّناتها التّأسيسيّة، وأنّ إمكانيّة بناء تأويليّة حول الفرد في الإسلام تبقى قائمة، لأنّ المسلم هو فرد في النّهاية وبإمكانه إعادة الانخراط في النّقاش الكوني حين يعيد طرح الأسئلة المناسبة، بالجرأة المناسبة، حول نفسه.

واعتبر المُحاضر أنّ أوروبّا لم تعرف مفهوم الفرد فلسفيّا إلاّ منذ القرن السّابع عشر، وأنّ الفرد قبل ذلك ومنذ أرسطو، كان مصطلحاً بيولوجيّاً ورياضيّاً بمعنى الواحد ولا يعني سوى الشّيء الذي لا يتجزّأ، وأنّه انتقل بعد ذلك إلى مجال الميتافيزيقا، ثمّ إلى السّياسة والأخلاق والقانون، فأصبح يعني نوعاً من الكيان الذي يمكن أن يختلط بمفهوم الشّخص وصولاً إلى مفهوم المواطن الذي أصبح ممكناً أن يتحدّد من خلال جملة من الحقوق و "الإلزامات". ليعيد الأوروبيّون اكتشاف الفرد بالمفهوم الأيديولوجي بداية من القرن التّاسع عشر مع تحوّل الفردانيّة إلى مذهب يمكن للشّخص أن يعتنقه، وتمّ منذ ذلك الوقت إعادة بناء مقولة الفرد باعتبارها مقولة تأسيسيّة، من خلال فكرة اللّيبرالية، وأصبحت تعني الشّخص الذي يدّعي أنّه الأوحد، والذي يختزل كلّ إمكانيّة العالم الذي بحوزته، ومن ثمّ يختزل كل إمكانيّة الحقيقة والأخلاق، ليستعيد كلّ إمكانيّة السّلطة المتاحة، وصولاً إلى نوع من الفوضويّة الفردانيّة.

وقال إنّ مفهوم الفرد بالمعنى المتداول اليوم لم يتمّ اكتشافه إلاّ منذ ستّينيات القرن العشرين، وقد ساعد على ذلك الوعي ما بعد الكولونيالي بمفهوم الحرّية الذي طرحه كُتّاب العالم الثّالث، وهو ما فاجأ اللّيبراليّين الغربيّين، فعادوا إلى مفهوم الفرد لتجريب حداثتهم الخاصّة، وألمح في هذا السّياق إلى بعض الكتابات الفلسفيّة الغربيّة التي طرحت نهاية مقولة الفردانيّة.

وأكّد المسكيني، في سياق بيان إمكانات فردانيّة في الثّقافة العربيّة والإسلاميّة، أنّ الكينونة ما قبل الفردانيّة واسعة النّطاق، ولا يمكن اختزالها في ثقافة بعينها كما هو الحال بالنّسبة إلى الثّقافة الغربيّة، وأنّ الثّقافة الإسلاميّة تندرج في سياقات متعدّدة من تلك الكينونة، ما يجعلها قادرة على استئناف السّؤال حول نفسها، من حيث بدأ الانتماء إلى الدّيانة الابراهيميّة، دون الحاجة كلّية إلى الالتزام بمسار النّقاش الغربي حول الفرد. واعتبر في بيان ذلك أن أطروحات النّحاة والفقهاء والمتصوّفة في الثّقافة الإسلاميّة العميقة على قدر خطير من الجرأة على التّفكير، لأّنها تمتلك إمكانات السّؤال عن نفسها وإمكانات الإجابات اللاّحقة، بخلاف الفلاسفة الذين لم يمتلكوا تلك الإمكانات، وكانوا "وكلاء ثقافة أخرى وملة أخرى" في إشارة إلى اعتماد الفلسفة الإسلامية على شرح التّراث الفلسفي اليوناني.

وقال إنّ السّؤال الذي ينبغي على الثّقافة الإسلاميّة أن تطرحه حول نفسها هو سؤال "من؟" لا سؤال "ما؟"، لأنّ السؤال "ما هو الفرد في الإسلام؟" مرتبط بإجابات ميتافيزيقيّة، ويكمن وراءه اعتقاد في وجود صنم منطقيّ أو ابستيمولوجيّ أو إيديولوجيّ أو أنطولوجيّ صلب بالإمكان التّعرّف عليه كما هو. في حين أنّ سؤال "من نحن؟" هو سؤال الثّقافة الإسلاميّة الممكن، لأنّه يمثّل الإضافة التي أثبتها الإبراهيميّون، ولا وجود لهذا السّؤال في التّقليد اليوناني، وأنّ الأوروبيّين لم يهتدوا إليه إلاّ مع نتشه، وقال: ''إن الحقيقة التي لا تستطيع طرح السّؤال "من؟" حول نفسها هي مجرد ضجيج''.

وأكّد المسكيني على ضرورة أن يستعيد المسلمون ثقافتهم، وأن يحاولوا انطلاقاً منها العودة إلى النّقاش العالمي حول أنفسهم، قائلاً: إنّ سؤال "من هو الفرد في الإسلام؟" يفترض أنّ العرب والمسلمين لديهم السّؤال، ولديهم مجموعة من الأجوبة عنه، ولكن ليس لديهم اليوم الجهة التي يتلقّون منها تلك الأجوبة، وأرجع ذلك إلى تغيّر علاقتهم بأنفسهم القديمة تغيّراً لم يعد يتيح لهم الطّريقة التي يتملّكون بها هذا الإمكان، وأشار إلى أنّ الثّقافة الإسلاميّة لا تزال قادرة على العطاء الكونيّ إذا قامت بإعادة طرح السّؤال "من نحن؟"، وبالتّالي إعادة برمجة الانتماء على أساس أنّه فعل إنجازيّ ناتج عن نوع من التّفرّد في ذاته، وأنّه ليس فعلاً سكونيّاً كما يقدّمه الفهم الإسلاموي المعاصر والحديث لهذه الثّقافة، واعتبر أنّ الإسلاميّين عاجزين عن تقديم أيّة إجابة عن ذلك السّؤال، لقصورهم عن إدراك السّياقات المتحرّكة داخل هذه الثّقافة، وإنّما هم يشيّئون هذه الثّقافة وهذا الانتماء حتى يسيطروا عليه، قائلاً: ''إنّهم يفسدون علينا علاقتنا بأنفسنا القديمة''.

وخلصت المحاضرة إلى أنّ مفهوم الفرد بالمعنى الميتافيزيقي وبالمعنى الأيديولوجيّ في الثّقافة الأوروبيّة لا يلزم المسلمين ولا حاجة لهم به، وأنّ ما يهمّهم، فحسب، هو النّقاش الحقوقي الذي انتهت إليه تلك الثّقافة الغربيّة في العصر الحديث، لأنّه يتمتّع بصفات الكونيّة، وعلى الثّقافة الإسلاميّة أن تعمل على بناء إمكانيّات المساهمة فيه والانتماء إليه، وأنّ ذلك يستوجب الانتقال من مفهوم الآدميّ إلى مفهوم العبد (جمع عباد) ثمّ إلى مفهوم الإنسان، الذي يتموقع خارج إطار ثقافة الملّة، لتصل في النّهاية إلى مفهوم الفرد.

 

البحث في الوسم
فتحي المسكيني الإسلام