ندوة إصدار "تقرير الحالة الدّينية في تونس 2011 - 2015" على هامش فعاليّات معرض تونس الدّولي للكتاب 2018.

فئة: أنشطة سابقة

ندوة إصدار "تقرير الحالة الدّينية في تونس 2011 - 2015" على هامش فعاليّات معرض تونس الدّولي للكتاب 2018.

دارت على هامش فعاليّات معرض تونس الدّولي للكتاب 2018، يوم السّبت 14 أبريل الجاري، النّدوة الصحفيّة التي نظّمتها مؤسّسة مؤمنون بلا حدود للدّراسات والأبحاث، لتقديم "تقرير الحالة الدّينية في تونس 2011 – 2015"، وقد حضر اللّقاء إلى جانب أعضاء اللّجنة المشرفة على إنجاز التّقرير وجانب من الباحثين المساهمين فيه، جمهور من القرّاء والمتابعين من زوّار المعرض والمهتمّين بالشّأن الدّيني وعدد من الإعلاميّين.

افتتح د. نادر الحمّامي النّدوة بكلمة رحّب فيها بالحضور، وأشار إلى المساهمين في إنجاز التّقرير من هيئة إشراف وأساتذة وباحثين من مختلف الاختصاصات في العلوم الإنسانيّة، وباحثين ميدانيّين من خلال منتدى العلوم الاجتماعيّة والتّطبيقيّة الذي أشرف على البحث الميداني في المجلّد الرّابع من العمل، ونوّه بالدّور الذي قامت به مؤسّسة مؤمنون بلا حدود للدّراسات والأبحاث الرّاعية للمشروع والتي قامت بالإخراج والطّباعة والنّشر والتّوزيع بمشاركة جمعيّة الدّراسات الفكريّة والاجتماعيّة.

وأحيلت الكلمة إلى د. منير السّعيداني المشرف العام على تقرير الحالة الدّينية في تونس، فأشار إلى أنّ إنجاز تقرير حول الحالة الدّينية يعدّ عملاً غير مسبوق في تونس، سواء من حيث الحجمُ أو من حيث التّجميع أو من حيث التّركيز والإلمام بالمسألة الدّينية من مختلف جوانبها، وتنوّع الباحثين المساهمين فيه من مختلف أصناف العلوم الإنسانيّة والتخصّصات الأكاديميّة في العلوم الاجتماعيّة والدّراسات الحضاريّة والدّينية، وعرض لمحة تفصيليّة عن محتوى التّقرير في مجلّداته الأربعة بما مجموعه قرابة 1460 صفحة، وقال إنّ التّقرير أُنجز لهدف أساسيّ وهو الانتقال بالمناقشات التي تهمّ الحالة الدّينية من التشنّج والتّسييس والإيديولوجيا إلى نقاش يكون أقرب ما أمكن إلى العمق والهدوء والشّمول والمواصفات الأكاديميّة المتعارف عليها في مراكز البحوث والجامعات انطلاقاً من الاعتقاد بأنّ المسألة الدّينية مركزيّة بالنّسبة إلى حاضر المجتمع ومستقبله، لما لها من مساس بالتّركيبة المجتمعيّة ومعتقدات النّاس والممارسات التّديّنية اليوميّة سواء كانت جماعيّة أو فرديّة. وأكّد على أنّ التّقرير لا يهتم بالحالة الدّينية الإسلاميّة فقط بل يهتمّ بالحالة الدّينية بمفهومها الشّامل الذي يستوعب مختلف الدّيانات الموجودة في البلاد.

وتحدّث عن كيفيّة العمل على إنجاز المشروع الذي شارك فيه ما يقارب الخمسين باحثاً ودام قرابة السّنتين والنّصف، وعرّج على كيفيّة انتقاء الباحثين المساهمين ممّن لهم اهتمامات أكاديميّة بالمسائل الدّينيّة ويتمتّعون بمواصفات أكاديميّة وموزّعون على مختلف الجامعات التّونسيّة المتخصّصة في الانسانيّات والدّراسات الحضاريّة والدّراسات القانونيّة والحقوقيّة، وقال إنّ اللّجنة المشرفة على إنجاز التّقرير فتحت نقاشات متعدّدة مع مختلف الباحثين أفضت في النّهاية إلى صياغة تصوّراتهم العامّة حول المسائل التي كُلّفوا بإنجازها، وأنّ أعضاء اللّجنة واكبوا سير العمل بكل دقّة وعملوا على متابعتهم بشكل متواصل طيلة فترة إنجازهم للورقات البحثيّة، وخلص إلى التّأكيد على أنّ طريقة العمل اتّسمت بالكثير من التّشاركيّة والكثير من التّفاعل بين مختلف المساهمين على كثرتهم وتنوّع اختصاصاتهم ممّا أنتج تنوّعاً كبيراً في المقاربات وفي وجهات النّظر وفي العدّة المفاهيميّة والنّظريّة والمنهجيّة التي تمّ استخدامها، والتي روعي فيها جانب الدقّة العلميّة والتّوثيق. وقال إنّ الهدف الأساسي من إنجاز التّقرير هو تحقيق المساهمة الرّصينة والجادّة في ظلّ النّقاش السّائد في المجتمع حول المسألة الدّينيّة والذي يغلب عليه الطّابع الانفعالي والمتشنّج. وأكّد على أن اللجنة حرصت على ألاّ تصادر حرّية الباحثين في أن يعبّروا عمّا يريدون من أفكار مع الحرص البالغ على ما يوازي تلك الحرّية من موضوعيّة، من منطلق اعتبار أنّ المسألة الدّينية التي عمل عليها التّقرير مركّبة ومعقّدة وكثيرة الوجوه. وخلص من ذلك إلى الدّعوة إلى أن يُقرأ التّقرير في تكامله لأنّ ما قد تأتي به دراسة ما قد تكمّله دراسة أخرى أو قد تناقشه وتجعل منه محطّ جدال أو دحض.

وانتقل بعد ذلك إلى الحديث عن مستوى العمل الميداني، فأشار إلى أنّه تَمثل في مسح وطنيّ من خلال إجراء مقابلات مع عيّنة ممثّلة قصد الحصول على بيانات تخصّ الحالة الدّينية في تونس. وأنّ العمل هدف إلى التّوصّل إلى تقييم تقديريّ يعتمد الرّبط بين مواقف المستجوبين ورؤاهم وعدد من الخصائص التي يفترض فيها أنّها تكيّف تلك المواقف والتصوّرات وتحكمها. وهي خصائص مرتبطة بالبيئة المعيشيّة للأسرة التي ينتمي إليها الفرد المستجوب ومستوى عيشها وتركيبتها من جهة، ومن جهة ثانية خصائص مرتبطة بالمستجوب هو ذاته من حيث الجنس والعمر والحالة المدنيّة والمستوى التّعليمي والمسار المهني. وقال إن التقييم التّقديري تعلّق بعدد من المسائل من بينها ما يتّصل بالفصل السّادس من الدّستور التّونسي لسنة 2014 الذي نصّ على رعاية الدّولة للدّين وعلى حرّية المعتقد والضّمير وضمان حرّية ممارسة الشّعائر الدّينية وحياد المساجد وباقي دور العبادة عن التوظيف الحزبي. ومن بين ما يشمله التقييم التقديري كذلك موقف جمهور المستجوبين من المساجد وتنظيمها وما يحدث داخلها من الممارسات التعبّدية والشّعائر وما يُبثّ فيها من خطاب وما خيض فيها من صراعات وكذلك قياس مدى قبول جمهور المستجوبين بالتنوّع المذهبيّ والدّينيّ فضلاً عن رصد تأثير التّدين في نمط الحياة وما يشكّلها من قيم ومثل ومبادئ سلوكيّة تتّصل بتصوّر المقدّسات وبالأحوال الشّخصيّة والمعاملات الماليّة والمظهر والسّلوك في الأماكن العامّة. كما شمل التّقييم التقديري بعض الجوانب التشريعية والقانونيّة والعلاقة بين الشّأن الدّيني والفضاء العام ممثلاً عنه بالإعلام والتّعليم والمجال السّياسي.

وعرض السّعيداني بعد ذلك محتوى العمل البحثي في مجلّداته الأربعة وقد اهتمّ المجلّد الأوّل بالمستوى المؤسّساتي من خلال البحث حول وزارة الشّؤون الدّينية والمجلس الإسلامي الأعلى والمساجد والجوامع، ثم بالمستوى التّربوي والعلمي والإعلامي من خلال البحث حول مؤسّسة الزّيتونة وتعليم الدّين والتّديّن في المناهج غير الدّينية الرّسميّة والإنتاج العلمي في الشأن الدّيني داخل الجامعة والإعلام الدّيني والدّين في الإعلام وشبكات التّواصل الاجتماعي والجمعيّات الثّقافية ذات الطّابع الدّيني.

في حين تعلّق المجلّد الثّاني بالبحث في المستوى القانوني من خلال الاهتمام بالمعاهدات والاتّفاقيات الدّولية ذات العلاقة بالشّأن الدّيني والتي صادقت عليها تونس، والبحث حول الدّين والحرّيات الدّينية في الدّستور والقوانين ومجلّة الأحوال الشّخصيّة. ثم المستويين السّياسي والاجتماعي من خلال البحث حول الأحزاب القانونيّة ذات المرجعيّة الإسلاميّة ومواقف الأحزاب المدنيّة إزاء الدّين وشؤونه، وحضور الدّيني على الساّحة الطلاّبية التّونسيّة وعلاقة الدّين بالمرأة والجمعيّات والمنظّمات المهنيّة الدّينيّة.

واهتم المجلد الثّالث بمستوى التنوّع المذهبي من خلال البحث حول المذهب المالكي في تونس والبحث حول الصّوفية والتديّن الحنفي وجماعة الدّعوة والتّبليغ والبحث حول السّلفيّة وحول المذهب الإباضي والحالة الشّيعيّة في تونس. كما اهتمّ بمستوى التنوّع الدّيني من خلال البحث حول اليهود واليهوديّة في تونس والبحث حول المسيحيّين في تونس.

وختم السّعيداني كلمته بملاحظات عامّة أشار فيها إلى الرّهانات التي يطرحها التّقرير وأهمّها توفير مادّة حول المسألة الدّينيّة لفاعلين مختلفين من طلبة وباحثين وأكاديميّين ومراكز بحث وجامعات ومراصد وإعلام ومسؤولين سياسيّين ومجتمع مدني وصنّاع قرار وغيرهم ممّن يمكن أن يساهموا في إنجاز مناقشة هادئة ومركّزة حول الشّأن الدّيني. وقال إنّ مساهمة الجامعة في نقاش المسألة الدّينية تكتسي من الأهمّية الشّيء الكبير وتعدّ من ضمن واجباتها المؤكّدة في ظلّ التّجاذب المجتمعي الرّاهن حول ما يتعلّق بالدّين والمعتقد والذي لم يحترم دائما قواعد المناقشة الهادئة والرّصينة.

وعقّب د. نادر الحمّامي بكلمة وجيزة اعتبر فيها أنّ التّقرير تمرين حقيقيّ على التّعدد والاختلاف والتّفكير الحرّ داخل عمل جماعي، وقال إنّه ليس من اليسير إدارة مشروع حول المسألة الدّينية لا يمكن تصنيف المشاركين فيه ضمن خانة فكريّة واحدة، واعتبر أنّ التنوّع الفكري لم يكن عائقاً وإنّما كان عامل قوّة وإضافة لأنّ المطّلع على التّقرير لا يمكنه أن يصنّفه في توجّه إيديولوجي محنّط، بالنظر إلى طبيعته الوصفيّة للشّأن الدّيني في تونس كما هو، وأشار إلى أنّ العمل اعتمد المعايير العلميّة والموضوعيّة واحترام المختلف، وأنّ المساهمين فيه من أجيال مختلفة سواء في مستوى الإشراف أو في مستوى البحث. وأنّ التّقرير من هذا المنطلق لم يبحث عن الانسجام الشّكلي بقدر ما بحث عن تحقيق الحرّية في تصوّر المسائل الدّينية وفهمها من جوانب متعدّدة واعتبار أنّ الشّأن الدّيني في تونس شأن عموميّ يمسّ مختلف الاختصاصات العلميّة والمعرفيّة ويهمّ كافة أفراد المجتمع وأطيافه وفئاته، وأنّه ليس حكراً على المشتغلين بالمسائل الدّينية والمهتمّين بالدّراسات الأكاديميّة لأنّ غير المختص أيضا يمكنه الاطّلاع على ورقاته والإفادة منه، وبيّن أنّ أعمال التّحرير والمراجعات التي خضع لها العمل وضعت صلب اهتمامها أن يكون مقروءاً ومفهوماً لدى معظم شرائح المجتمع.

وقال الحمّامي إنّ التّقرير يمثّل وحدة متكاملة صيغت وفق تصوّر منهجي واضح ومترابط، ما جعله ينتهي إلى طرح خلاصات لافتة ونتائج مهمّة، وأنّ الاطّلاع عليه يمكن أن يشمل جميع جوانبه كما يمكن أن يقتصر على أبحاث منفصلة منه بحسب الموضوعات التي يطرحها وبحسب نقاط اهتمام كل مطّلع. وأكّد على أنّ ميزة التّقرير أنّه ابتعد على التوتّر وانتهج خطاباً رصيناً لا يندرج في الصّراعات التي تخرج عن الإطار العلميّ، وأنّه لم يكن مدفوعاً لإرضاء أطراف أو إغضاب أطراف أخرى، وإنّما هو وصف حقيقي للحالة الدّينية كما هي.

وأنهى كلمته بالتأكيد على أنّ الشّأن الدّيني ليس حكراً على أطراف بعينها، وأنّ لا أحد يمكن له أن يدّعي امتلاك مقاربة دينيّة نهائيّة، وأكّد في المقابل على أنّ الشّرط الوحيد الفاصل بين كافة المهتمّين بالمسألة الدينيّة هو قدر الالتزام بالموضوعيّة العلميّة والحرّية والاحترام المتبادل، وقال إنّ ما يمكن الخروج به من خلاصات بعد إنجاز هذا التّقرير هو أنّ المسألة الدّينية في تونس هي مسألة ثقافيّة بالأساس قبل أن تكون دينيّة أو عقائديّة، وخلص إلى اعتبار أنّ ذلك من شأنه أن يخرجها من احتكار الفهم والتّصرّف والبحث ليكون النّقاش فيها حقّاً من حقوق المجتمع بكامله.

البحث في الوسم
معرض تونس الدّولي