ندوة: "تعزيز دراسة الدين من مداخل العلوم الاجتماعية كمطلب لمواجهة ظاهرة التطرف"

فئة: أنشطة سابقة

ندوة: "تعزيز دراسة الدين من مداخل العلوم الاجتماعية كمطلب لمواجهة ظاهرة التطرف"

نظمت مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث لقاء علميا حول موضوع: "تعزيز دراسة الدين من مداخل العلوم الاجتماعية كمطلب لمواجهة ظاهرة التطرف"

وذلك بصالون جدل في الرباط بتاريخ 27 أكتوبر2018 ؛ شارك فيه كل من محمد أوطاهر وهو باحث مغربي مختص في السوسيولوجيا، وإبراهيم ونزار وهو باحث مغربي مختص في الفلسفة.

جاءت وجهة نظر إبراهيم ونزار تحت عنوان: كيف يمكن للعلوم الإنسانية أن تساهم في فهم وتفسير ظاهرة التطرف الديني؟ وخلاصة كلمته كانت كالتالي:

يمثل التطرف حالة من التموقف الأحادي تجاه المجتمع قبل الدين، ويجسد بذلك حالة من الفهم النموذجي لحقيقة الدين. ليس التطرف وضعية روحية بالأساس، بقدر ما هو نتاج تأويل معين للوثيقة المؤسسة لهذه التجربة الروحية. يرتبط الدين بالتطرف في كل مجتمع، وتتفاوت مستويات هذه الرابطة بتفاوت الحاجة النفسية والروحية والاجتماعية، وكذلك السياسية لهذا الدين أو ذاك، كما لا يمكن اعتبار تجربة التطرف في التاريخ حكرا على النموذج الإسلامي، من دون رصد قبلي لبعض النماذج الدينية الأخرى التي شهدت هي الأخرى نمطا معينا من التطرف.

تتوازى مجهودات العلوم الإنسانية، منذ قرون الحداثة، لتعميق النظر في التجربة الإنسانية، ولم تجد أعمق وأعقد من التجربة الروحية. فأخذت بعين الاعتبار كل دراسة لجوانب الإنسان، وربطت مفاعيلها بالسلوك الفردي والجماعي بالنظر إلى طبيعة معتقده. لقد تنبّهت العلوم الإنسانية في الغرب بشكل مبكر إلى أشكال التطرف التي كان يُنبئ بها المجتمع المسيحي، أو أصحاب بعض الطوائف الدينية الأخرى، فتصدّت لها بإعادة قراءة التراث الفكري واللاهوتي بصورة تستحضر الأفق الإشكالي المعاصر لها، وعلى ضوء مستجدات العلم وبنية العقل في المجتمع الحديث، وكذا إطاره السياسي. ما يهمنا في تجربة الغرب مع التراث الديني، وتصحيح النظر إليه، ودرء كل تطرف ناتج عن فهم مغلوط له، هو إعادة مراجعة النص المؤسس عندنا في السياق الإسلامي، والتنبيه على خطورة الفهم غير السياقي للدين، إذا كان مبتورا من الظرف المعاصر للمجتمع الحالي.

يمكن هنا أن نسترشد بالتجربة التأويلية-Herméneutique التي لم يكن جوهر ظهورها سوى تساؤل عن مدى حضور الوعي في ممارسة فعل التأويل للنص المؤسس للدين. ولعل ما يعيشه العقل الإسلامي اليوم من مظاهر العودة المتكررة إلى النص المقدس لتبرير مواقف وتأسيس خطابات، لا يحتاج منا إلا إعادة التحقق من التماثلات الدلالية بين النص الأصلي والتأويل المقدم له، ثم رصد المسافة الرمزية بين سياق النص وسياق تأويله، لتحديد فائض المعنى الذي يفضي إلى الفهوم المعبرة عن موقف متطرف من المجتمع ونمط تديّنه، في مقابل نموذج آخر. إنّ الأمر يتعلق هنا بفلسفة في الدين متخصصة في الشأن الإسلامي.

تحتاج مقاربة الدين، وتجاوز التأويلات المتطرفة له، استحضار التجربة الغربية في فلسفة الدين، وبالتحديد في فلسفة الأنوار، مع الدعوات القائلة بالإيمان العقلاني للدين، أو جعل مجال الدين مسيّجا بحدود العقل، وهي نفسها المرحلة التي دعت في أدبياتها إلى أفكار التسامح والاستقلال بالتفكير، وأخلاق الاختلاف.

تكتسي التجربة المنهجية الفينومينولوجية دلالة خاصة في الفكر الغربي، وبالتحديد في مقاربة الظاهرة الدينية تاريخيا، ولا أحوج من أن نستحضر هذه المقاربة لإعادة تحديد المعالم الطبيعية والأصلية للنموذج الديني في صيغته التاريخية، مجردا من الأعراض التأويلية. يمكن أن نشخص ظاهرة التطرف هنا بأنها انفصال تام عن المرجع الحقيقي للدين، وإعادة إنتاج نموذج متخيل عن الدين وحقيقته، وكأنّ الأمر هنا يتعلق بعودة الدين كما هو في كل عصر، في الوقت الذي لا يتكرر فيه سوى تأويله، ولا يتجدد إلا فهمه حسب متطلبات المرحلة التاريخية بمجمل شروطها وعناصرها. بذلك، ستكون الفينومينولوجيا مدخلا لإخلاء الفهم الديني من أشكال التأويل العالقة به؛ أي تجاوز لكل شيء يشكل صورة شبيهة تدعي أنها له.

كما يجوز لنا الانفتاح على تجربة التحليل النفسي لظاهرة التطرف، وما يرتبط بها من أشكال التعبير العصابي على الشحنة الروحية التي يحملها الفرد داخل جماعته. وكذلك ما استجد في هذا السياق من أدوات تحليل الخطاب المتطرف بشكل نقدي، ينطلق من فرضية أنّ كل خطاب يُنتج أطرافا لها مصالح في بروزه، ولها مصالح في إقبار آخر.

بهذا المعنى، سنجد أنفسنها مضطرين لإجراء مقاربة بينية- interdisciplinaire تستحضر كل هذه الأدوات المنهجية، لفهم وتفكيك عناصر الظاهرة الدينية المتطرفة.

أما محمد أو الطاهر، فقد اختار لوجهة نظره في الموضوع العنوان التالي: التطرف كفعل إنجازي للهوية الدينية لدى الشباب السلفي. وخلاصة رأيه جاءت كالتالي:

إن من بين مداخل فهم إشكالية التطرف الديني هو تفكيك جدلية الفكر والواقع؛ ونقترح في هذا الإطار اعتبار الفكر مستوى من مستويات الواقع وليس مقابلا له؛ ذلك أن الفكر واقع لم يتحقق بعد، وتبنيه هو رغبة في ترجمته، لاعتباره الواقع الذي يجب أن يكون بدل الواقع الملموس والمعيش؛ ومن تم نميز بين مستويين من الواقع: الواقع الفعلي-الموضوعي الذي هو فكر قد تحقق، وبين الواقع المثالي- الذي هو فكر ذو إمكانية للتحقق. تكون الشرعية إذن، هي شرعية سلطة ومصلحة ورهان مرتبطة بعقلانية الفاعل وسياقه قبل أن تأخذ شكلا إيديولوجيا أو لاهوتيا.

قد تسعفنا هذه الفرضية في فهم إشكالية التطرف الديني لدى الشباب السلفي؛ فالمطلوب هو أن نتوقف عن تقديم إجابات جاهزة من قبيل اعتباره مفعولا من مفعولات الإيديولوجية السلفية والتأثير السلبي الذي تمارسه على الشباب، الشيء الذي يقتضي ضمنيا أن الفكر مقابلٌ للواقع ومحدد له، بيد أن عملية تبني الإيديولوجية السلفية هي ترجمة لواقع زمني يتقاطع فيه الفردي والنفسي والاجتماعي والاقتصادي والوجودي.

من هذا المنظور، فالتطرف الديني واقعة اجتماعية بامتياز، إلا أن عناصر تقويمها تيولوجية وآليات ضمان استمراره أيديولوجية. إننا ههنا بصدد مقاربة زمنية التطرف Temporalité de la radicalité، حيث يتم إنتاجه واقعيا على المدى القريب، وتقويمه تيولوجيا على المدى المتوسط، وتعزيز استمراره أيديولوجيا على المدى البعيد.

يقتضي فهم ظاهرة التطرف الديني، من المنظور السوسيولوجي، الوقوف على التركيب والتعقيد الذي يطال بنيتها بعيدا عن الإجابات أحادية-البعد، والتي تختزل التطرف الديني في محددات اقتصادية كالفقر واجتماعية كالتهميش والجهل، بينما تنخرط هذه المحددات في إطار نماذج مثالية -بالتعبير الفيبيري- تسهم في فهم الظاهرة، ولكنها ليست مفسرة ومحددة لها. في هذا الإطار، أصبح عامل الزمن محددا في فهم ظاهرة التطرف الديني؛ وذلك من خلال اعتبار التطرف سيرورة وليس فعلا مجردا، أي إن إدخال عامل الزمن في دراستنا للتطرف يسمح بالانتقال من مقاربة التطرف كمؤثر إلى اعتباره كاشفا (دالا) Révélateur عن بنية معقدة.

سنقف على بعض أوجه هذا التصور الأولي للتطرف الديني من خلال الاشتغال على إشكالية التدين السلفي في علاقته بالالتزام الديني من جهة، وبالتطرف من جهة أخرى من منظور الإنجازية الهوياتية Performance identitaire.

تتمحور فرضيتنا المركزية على فكرة مفادها أن التطرف الديني كاشف عن البعد الإنجازي للهوية الدينية، والذي يسمح التدين السلفي بتشكيله اجتماعيا وسيكولوجيا وبإعادة تفعيله وإنتاجه خطابيا وتيولوجيا. إن الحديث عن التطرف الديني هو حديث عن سيرورة تشكل الهوية الدينية لدى الشباب الملتزم الذي يجد في التدين السلفي التعبير الأكثر إنجازية عن هويته الفردية من خلال تجاوز الهوة بين الخطاب والممارسة كشكل من أشكال التغيير الذاتي. التطرف الديني إذن هو مفعول من مفعولات الفعل الإنجازي للهوية الدينية؛ أي الرغبة في ردم الهوة بين هوية اعتيادية، روتينية وجماعية وهوية فردية، استثنائية واستقلالية.