ندوة علمية حول كتابات الدكتور عبد الإله بلقزيز: "إشكالية الديني والسياسي"

فئة: أنشطة سابقة

 ندوة علمية حول كتابات الدكتور عبد الإله بلقزيز: "إشكالية الديني والسياسي"

في إطار أنشطتها للموسم الثقافي الجديد، نظمت مؤسسة مؤمنون بلا حدود ندوة علمية لمدارسة كتب عبد الإله بلقزيز التي تعالج إشكالية الديني والسياسي، في صالون جدل الثقافي بالرباط، وذلك يوم السبت الموافق ل 29 شتنبر 2018، حيث شارك فيها مجموعة من الباحثين، بمن فيهم الدكتور عبد الإله بلقزيز، وحضرها جمهور واسع من المثقفين والمهتمين والطلبة الباحثين.

وهكذا تم تقديم مجموعة من الأوراق العلمية من بينها ورقة حول كتاب: "النبوة والسياسة" قدمها الدكتور عز الدين العلام، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الحسن الثاني الدار البيضاء، حيث تساءل: هل كان محمد بن عبد الله نبياً وكفى، أم كان صاحب مشروع سياسي؟ ألا يكون جامعا بين الدعوة إلى الله وبناء كيان سياسي؟ من يستقصي التجربة العربية - الإسلامية، فكرا وواقعا، يلاحظ، تقابل العديد من الثنائيات المتعارضة (والمتساكنة في آن واحد): القرآن والسلطان، الصحابة والحاشية، الجهاد والحرب، الخلافة والمُلك، الشرع والسلطان، الدين والدنيا... ليبين بعد ذلك، أن أغلب من يتحدّث باسم الإسلام، معتدلا كان أو متطرّفا، يتوق إلى تحقيق الطرف الأول من هذه المعادلات؛ يحلم بالخلافة، وأولوية القرآن، وتطبيق الشريعة، وإعلان الجهاد... ومع ذلك، ينبئنا التاريخ كيف انقلبت الخلافة إلى مُلك، وتساكن الطرفان. وكيف تكامل الحكم السلطاني مع مبادئ الشرع، فتعايش الاثنان، وكيف تجاورت، بل وتكاملت الوظائف السلطانية – الدنيوية (من وزارة وكتابة وحجابة...) مع الخطط الخلافية – الدينية (من قضاء وإفتاء وحسبة...)، وكيف أصبغت كل الدول التي تعاقبت على الرقعة العربية الإسلامية طابع الجهاد على كلّ حروبها، حتى ولو كانت قتلا للمسلمين بعضهم بعضا.

إن كلّ الثنائيات المذكورة، يقول الأستاذ العلام، تجد أصلها في ثنائية أعمق هي النبوة والسياسة؟ وتلك، في نظره، هي قضية الكتاب المركزية.

يتمحور الكتاب، إضافة إلى مدخله الذي تحدّث عن "المصادر الكلاسيكية للسيرة النبوية"، حول ثلاثة أقسام؛ أولها بعنوان: "من الجماعة الدينية إلى الجماعة السياسية"، ويخصّ "المسألة السياسية في إسلام الصدر الأوّل بين النص والاجتهاد"، و"الجماعة السياسية والسلطة – ما قبل النظرية السياسية"، وثانيها تحت عنوان: "دولة الدعوة، والتمكين السياسي" لها، ويتحدّث عن "التوحيد عقيدة واجتماعا"، و"الحرب والمفاوضة"، و"الدمج والتمايز". أمّا القسم الثالث، فخصّه الباحث لموضوع "دولة المدينة وآليات الإنشاء"، تحدّث فيه عن موضوع "التنظيم السياسي – الإداري"، و"اقتصاد المدينة: الغنيمة وفلسفة التوزيع"، ليختم أخيرا ب"الكاريزما المحمدية".

موضوع شائك تباينت فيه التأويلات بين من رأى فيما وقع دينا لا علاقة له بأي تشريع سياسي، ومن استغرق الدين كله في الفعل السياسي، ومن حاول ضبط تشابكات وتقاطعات دعوة دينية، أرخت بظلالها على واقع اجتماعي – سياسي (وهذا بالضبط ما حاول القيام به صاحب الكتاب). ناهيك عن انعكاس هذا التصور أو ذاك لعلاقة الدين بالسياسة على الوضع الراهن للعالم العربي والإسلامي.

ما حدود المصادر الإسلامية المعتمدة في هذه الدراسة؟ وما العلاقة بين الدعوة النبوية والفعل السياسي، بين القرآن والتشريع السياسي؟ وهل يمكن الحديث عن "دولة" في العهد النبوي، بل وحتى في فترة ما سمي بالخلافة الراشدة؟ وهل وُجد فعلا جهاز سياسي – إداري يمكن الاعتداد به للقول بوجود هذه "الدولة"؟ وما حدود "نظرية الدولة" في التجربة العربية – الإسلامية؟ تلك بعض المحاور الكبرى التي تمت مناقشها من خلال الكتاب موضوع هذه الدراسة.

أما الدكتور محمد الشيخ، أستاذ الفلسفة بجامعة الحسن الثاني، فقد اختار استقصاء حدَّيْ "الديني" و"السياسي" ، كما وردا في كتاب "الفتنة والانقسام" (2012) للأستاذ عبد الإله بلقزيز، وذلك لا على نحو ما حدث عليه أمرهما في عهد "الإسلام المبكر" (العهد النبوي) ـ فقد كان ذاك موضوع الكتاب الأول من هذه السلسلة: تكوين المجال السياسي: النبوة والسياسة (2005) ـ وإنما على عهد الخلافة الراشدة (العهد الخليفي). وهذا لا يعني، في نظر محمد الشيخ، أن المؤلف ينطلق من مصادرة ـ متأخرة وحديثة ـ على "الانفصال" الحاد بين الحدين، وإنما يدافع على ما يدعوه "التمايز" ـ تمايز الحقلين ـ بل وحتى "المراوحة" بينهما حين يتوسل كل منهما الآخر، ولا سيما حين تتوسل السياسة بالدين. إنما "الفصل" هنا، عنده، إِنْ حدث، يكون فصلا "منهجيا"، وما كان بالفصل "المبدئي"، لا ولا بالفصل "المضموني"، ولا ينبغي له أن يكون.

وهكذا، يقول الشيخ، فإنه من لحظة "إنشاء" المجال الديني ـ اللحظة النبوية ـ إلى لحظة "امتداده" ـ اللحظة الخليفية ـ حدث "توسع" في "الجماعة المؤمنة"، حيث انتقلت من "الجماعة الاعتقادية" إلى "الجماعة السياسية"، لما بدأ يزول التماهي الأول الذي كان ـ على عهد الرسول ـ بين "القيادة السياسية" و"القيادة الروحية" في شخص واحد: شخص النبي، وحين باتت القيادة السياسية مجردة من "رأسمالها الديني. فكان أن بدأت "الشقة" تتباعد أكثر فأكثر، وكان لا بد من أن تستمد السلطة شرعيتها من السياسة. لكن، ما يشدد عليه المؤلف هو أن الدين ما توارى التواري، وإنما بقي حاضرا على النحو التالي: أولا؛ في الحدث الأول ـ حدث الردة ـ أفصح الموقف السياسي آنذاك عن نفسه من طريق الدعوة الدينية، لابسا لبوسها، كما أن الفكرة الدينية، بالمقابل، عبرت عن شرعيتها من مدخل سياسي. ثانيا؛ في الحدث الثاني ـ حدث الفتوحات الإسلامية ـ حيث كانت حاجة الدولة إلى التوسع ـ الداعي السياسي ـ قد توسلت بالصورة الإيمانية ـ الوازع الديني. ثالثا؛ في الحدث الجلل الثالث ـ حدث الفتنة، حيث أن شعار الإصلاح كان قد رُفع من قِبَل معارضة سياسية، بالأولى، بهدف الإحراج الديني والتستر على الأهداف السياسية من وراء حشد الأنصار وإشهار السيوف؛ أي الصراع على السلطة السياسية. هذا مع تقدم العلم بمذهب المؤلف القائل بأنه حيثما تفشل السياسة يبدأ الاقتتال، وهو ما حاول الكتاب البرهنة عليه.

من خلال كل ذلك، سعت ورقة محمد الشيخ إلى تثمين جهود الأستاذ عبد الإله بلقزيز المنهجية والمعرفية الصارمة والخصبة في آن: الصبر على التفتيش في خفايا النصوص ومكابدة تأويلها، الاطلاع الواسع على مظان مرويات تلك الأحداث، دونما إغفال ما كتبه المعاصرون في الموضوع إياه...

كما تسائل ورقة محمد الشيخ "الخيار المنهجي" الذي لجأ إليه الباحث في أمرين أساسيين:

1-               مدى مشروعية إيلاء الأولوية "للشأن السياسي" في تناول أحداث الفترة الخليفية، وهل كان الفاعلون السياسيون آنذاك على "وعي" بأنهم يقومون بعمل "سياسي"، وينهضون ب "خيارات سياسية تسربلت، في بعض الأحايين، بلبوس دينية. وهلاَّ كان بالإمكان، حينذاك، إقامة هذا "التمايز" بكل الوضوح، وهو التمايز الذي أمسى يتبدى لنا اليوم، نحن المحدثين، بعد الحداثة السياسية التي أحدثتها نصوص مكيافلي وهوبز وهيجل المحققة لاستقلال المجال السياسي.

2-               مدى إمكان النبش" في "نوايا" و"مقاصد" و"مرادات" الفاعلين السياسييين، والتحقق منها بعد موت أصحابها بدهور وانفصالنا عنهم بقرون طوال، وضياع بعض "الوقائع" خلف ترسب "تآويل" عدة. كيف لنا أن "نميز"، والحال هذه، بين ما لا يكاد "ينماز": "الوقائع" و"التأويلات"؟    

وركزت مداخلة الدكتور عبد السلام طويل، الباحث بالرابطة المحمدية للعلماء، على أهم محددات النظر التي ميزت مقاربة الأستاذ عبد الإله بلقزيز لإشكالية العلاقة بين السياسة والدين من الوجهتين المنهجية والنظرية.

وبناء عليه، فإن بؤرة اهتمام صاحب الورقة ركزت ليس على موقف وحيثيات ومضمون أطروحة عبد الإله بلقزيز لهذه الإشكالية على أهمية كل ذلك، وإنما على كيفية بنائه المنهجي والنظري لموقفه وأطروحته...وذلك من حيث مدى موضوعية هذه المقاربة وتجردها، وزخمها المعرفي، ومدى انفتاحها واستيعابها واستثمارها لمختلف الحقول المعرفية ذات الصلة بالإشكالية موضوع النظر، وكذا من حيث مدى وعيها بالمساحة القائمة بين التاريخي والمعياري وما يقتضيه ذلك من تنسيب وتخصيص للأحكام والنتائج، وعيا بتعدد السياقات والمرجعيات والتصورات والتجارب..

هكذا سعى صاحب الورقة إلى التدليل على أن أطروحة الأستاذ عبد الإله بلقزيز تندرج ضمن الاجتهادات النوعية القليلة في الفكر العربي المعاصر، والتي باتت تحوز على قيمة علمية وسلطة مرجعية وقوة إجرائية متنامية بفعل تراجع نصاب الإيديولوجية وارتفاع منسوب الموضوعية والعلم فيها..

من جهته، ركز الأستاذ يونس رزين في ورقته على إشكالية السِّياسي والدِّيني في فكر الأستاذ عبد الإله بلقزيز؛ من خلال كتاب "الدَّولة والدِّين في الاجتماع العربي الإسلامي"، مع الاستعانة بمجموع مؤلفاته اّلتي اتّخذت من المسألتين السِّياسية والدِّينية موضوعاً لها. معتقدا أن كل أعمال الأستاذ عبد الإله بلقزيز، سواء التي تنتمي إلى حقل الأدب، أو تلك التي تنتمي إلى حقل الإنسانيات، إِنَّما يوجِّهها هاجسٌ أساس هو التَّفكير في قضية الدَّولة في العالم العربي الإسلامي؛ وذلك من خلال البحث في ممكنات خروج العالم العربي الإسلامي من دوامة التَّخلف والتَّأخر التَّاريخي والنُّكوص الثَّقافي إلى رحاب الكونية. وتجدر الإشارة، ههنا، إلى أن الكونية التي ينافح عنها الأستاذ بلقزيز لا تعني، بأي حال من الأحوال، محوا مطلقا لخصوصية الشعوب العربية الإسلامية، كما لا تعني الخصوصية، كما يشير إلى ذلك عبد الله العروي، التشبث المطلق بالأصالة وبهوية مجردة تعلو على متغيرات التَّاريخ وتبدلات الزَّمن، تعترف الخصوصية بالتَّاريخ في حين أن الأصالة هي نوع من الميتا-تاريخ، وتقيد بفكرة العود الأبدي.

هكذا يرى الباحث أن اهتمام عبد الإله بلقزيز بقضية الدولة وعلاقتها بالدين يعود إلى استشعاره الحاجة الماسة إلى ذلك؛ ذلك أن الواحد يلحظ في هذه الجغرافية العربية الإسلامية مدى الخلط الحاصل بين العقيدة والتَّاريخ، بين مجال المعاملات ومجال العبادات. وفي مقاربة بلقزيز للعلاقة بين السياسي والديني، يجد صاحب الورقة مزاوجة لبعدين: النَّظري(المفهوم) والتَّاريخي(الواقع) على أمل أن يعمل رجل السِّياسية، من جانبه، على الاسترشاد بالنَّتائج التي يحملها ذلك التَّفكير؛ ذلك أن الخروج من دوامة التَّخلف، يقتضي، والحالة هذه، ثورتين: ثورة ثقافية وثورة سياسية. فأمَّا الثَّورة الأولى، فمهمتها الإتيان على البُنى التَّقليدية والعتيقة لأشكال التَّفكير السَّائدة، في الوقت الذي تعمل فيه الثَّورة الثَّانية على التَّطبيق العملي للثَّورة الأولى في الفضاء العام.

 

البحث في الوسم
عبد الإله بلقزيز