ورشة مدارسة كتاب "جون راولز في التراث الليبرالي" لمؤلفه محمد هاشمي

فئة: أنشطة سابقة

ورشة مدارسة  كتاب "جون راولز في التراث الليبرالي" لمؤلفه محمد هاشمي

     نظمت مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث ندوة علمية لمدارسة كتاب "جون راولز في التراث الليبرالي"، شارك فيها مؤلف الكتاب محمد هاشمي، والأستاذ مراد زوين أستاذ الفلسفة من جامعة الحسن الثاني، والأستاذ أحمد بوز أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس، وذلك يوم السبت 21 أبريل 2018، بصالون جدل الثقافي.

تناول الدكتور مراد زوين في قراءته للكتاب أربعة محاور رئيسة يجمعها مضمون واحد، يتعلق بمدى تأثير فكر الرواد الأوائل للفكر الليبرالي، وخاصة منه الأنجلوسكسوني على الخطاب الرولزي عامة ونظريته في العدالة خاصة.

   بدأ الباحث قراءته بالمدخل الذي خصصه صاحب الكتاب للتراث الليبرالي، حاول من خلاله إبراز الأسس النظرية لهذا التراث عبر مفاهيم تعتبر من الأسس المرجعية التي تقعد للفكر الليبرالي بشكل عام: كمفاهيم الحرية والاختلاف والعقلانية...إلخ

   وكانت ملاحظات مراد زوين الأساسية بخصوص هذا المدخل تتمحور حول اعتماد المؤلف واقتصاره على التراث الليبرالي الأنجلسكسوني وغياب التراث الليبرالي الأوروبي وخاصة الفركفوني.

   في المحاور الأربعة التي اعتمدها الدكتور الزوين كمنهج للقراءة من منظور نقدي، تتبع الخطوات المنهجية التي سار عليها صاحب كتاب" جون رولز والتراث الليبيرالي"، لإثبات تأثير هذا التراث على الخطاب الرولزي في بناء نظريته في العدالة، انطلاقا من لحظة توماس هوبس مرورا بلحظة جون لوك وانتهاء بلحظة النزعة النفعية من خلال تعامله مع ثلاثة نماذج يمثلون هذا التيار: بنتام الذي يمثل في نظر المؤلف التوجه الراديكالي في هذه النزعة، وستيوارت ميل الذي يمثل المصلح والملطف لراديكالية بنتام، وأخيرا هينري سيدجويك الذي يمثل بشهادة رولز، المفكر الذي عبر عن أطروحات النزعة النفعية بالشكل الأكثر نسقية وتنظيما.

حاول القارئ في هذه المتابعة الوقوف على المقاربات النظرية التي اعتمدها المؤلف والاستنتاجات الفكرية التي استخلصها في علاقة هذا التراث بالبناء النظري والفكري لنظرية العدالة عند جون رولز.

   وكانت خلاصته من تتبعه لتلك الخطوات، أنّ المؤلف كان له نفس طويل ودراية دقيقة بالفكر الليبيرالي، استطاع بواسطته إنجاز مؤلفه الذي سيكون مرجعا مهما في المكتبة العربية.

من جهته، أشار الدكتور أحمد البوز إلى أن القراءة التي سيقدمها لهذا الكتاب ستكون عبارة عن ملاحظات، حصرها في خمس ملاحظات أساسية:

أولا ـ أننا أمام عمل مهم، يستمد أهميته من تناوله لأعمال كاتب وفيلسوف ومفكر، يعتبره الكاتب محمد هاشمي جون جاك روسو العصر الحديث، ويحتل "مكانة خاصة" في التقليد الليبرالي وضمن تقاليد الفكر السياسي عموما، ليس فقط من زاوية الاهتمام الذي يوليه بالتراث الليبرالي، وإنما من زاوية مساهمته في تطوير الأسس الفلسفية والمنهجية لليبرالية، وفي توسيع مطامحها بقدر غير مسبوق...

ثانيا ـ أن الكتاب يقدم قراءة جديدة أو لنقل غير مألوفة وغير معتادة ليس فقط لصدى أفكار التراث الليبرالي، مجسدا هنا في أفكار هوبس وجون ولوك ورواد المدرسة النفعية (بنتام، جون ستيوات مل، هنري سيدجويك)، في المتن الرولزي، وإنما لبعض الجوانب في ذلك التراث الليبرالي نفسه. فالكاتب يحرص على تقديم قراءته الخاصة لمتن ذلك التراث قبل أن يستعرض قراءة رولز لها، لكي يصل إلى خلاصة أساسية، وهي أن هذا التراث، أو على الأصح بعض الجوانب منه، كثيرا ما قدم وسوق لنا بصورة تخالف حقيقته.  

ثالثا ـ الدور الذي قام به الكاتب محمد هاشمي، إما في تقريب جزء من هذا التراث من رولز (خاصة تراث هوبز والنفعيون)، أو في وضع مسافة بينه وبين جزء آخر من هذا التراث (لوك)، رغم الصعوبات التي يطرحها ربط التراث الليبرالي بنظرية العدالة والليبرالية السياسية عند رولز. فهوبس، كما يقول الكاتب، يمثل داخل المشهد الحواري لنظرية العدالة، القريب غير المعترف به، أو على الأقل المتنكر له بأناقة ولباقة. أما لوك، فيمثل بالنسبة إلى صاحب النظرية قرابة بقدر ما تجر من مكاسب، بقدر ما تورط في توترات لا غنى عنها، حتى مع اعتراف الكاتب أن ليبرالية لوك وعلمانية هوبس تظلان ذات مأخذ وجاذبية داخل الاستدلال الرولزي، لأن الرجلين وفرا لنظرية العدالة تلك الأخلاقية القبل مدنية المستمدة من تنويعات على الحق الطبيعي.

رابعا ـ الإشكالية التي تطرحها القراءة التي يقدمها رولز للتراث الليبرالي في شقه المتعلق بالنفعية التي تمكنت أفكارها من الهيمنة على الفكر السياسي والاجتماعي والاقتصادي المعاصر، خصوصا في المجال الأنجلو أمريكي، وتمكنت بذلك من تعطيل العدالة الاجتماعية ومنعها من أن تكون الفضيلة للمؤسسات الاجتماعية، كما الحقيقة بالنسبة إلى أنظمة الفكر"، على حد تعبير رولز. فصاحب نظرية العدالة يبذل مجهودا كبيرا لممارسة نوع من الشيطنة على النفعية وجعل غاية كل مشروعه النظري يتركز على تقديم بديل مقنع للثقافة والمرجعية النفعية، التي أفرغت التصور الليبرالي، في نظره، من أي عمق أخلاقي. فعندما يتعلق الأمر بالنفعية، يقول الكاتب، أي محمد هاشمي، فإننا ننتقل مع رولز من أساليب التشذيب والتهذيب التي أجرتها فلسفته على رواد الليبرالية (طوماس هوبس وجون لوك) إلى أسلوب النقد والتشنيع والرفض الصريح والواضح. لكن أن تكون النزعة النفعية في واقع الحال تمثل الغريم الإيديولوجي المباشر لنظرية العدالة كإنصاف، وأن تكون هذه الأخيرة ترفض بالبث وفي كل الحالات أيّ إمكان للتطابق أو التقاطع مع التصور النفعي، فإن ذلك لا يمنع الكاتب من التساؤل حول ما إذا كانت الرولزية دائما على هذه المسافة مع النفعية؟

خامساـ النقاش حول التراث الليبرالي ككل وعلاقته برولز، والتساؤل الذي يطرحه محاولة اختبار المسلك الرولزي في التعامل مع التراث الليبرالي من خلال التركيز على "تركة" هذا التراث المرتبطة بأسماء أنجلوسكسونية فقط. فالتراث الليبرالي أشمل وأعم من ذلك بكثير، والتأسيس النظري للمشروع الرولزي، سواء في بعده المرتبط بالعدالة أو الليبرالية السياسية، يتجاوز بشكل كبير حدود المنتوج الفلسفي والفكري الأنجلوسكسوني، كما أن من الثابت أن رولز يمثل الاتجاه العقلاني الذي يحاول متابعة خط الفيلسوف الألماني كانط الأخلاقي في تأسيس قاعدة عقلية للعدالة، ولكنها لا تستند هذه المرة على أساس ميتافيزيقي.