مدخل الدراسات الدينية

أيَّاً كانت تعريفات التطرُّف الدينيّ، وتفسيراته، فإنَّه يمثّل في الفترة الرَّاهنة كبرى الإشكاليَّات العربيَّة الإسلاميَّة المربكة لواقع المسلمين داخليَّاً، والمسيئة لصورتهم وصورة دينهم خارجيَّاً.

ومهما كانت مظاهره، فإنَّ ملمحه الأبرز ماثل في ما صار يُعرف بظاهرة "الإرهاب الإسلاميّ" المعولم، بعد انتقاله من طور الشبكات المركزيَّة والتنظيمات المؤسّسة للتطرُّف الإسلاميّ بداية بتنظيم القاعدة، وصولاً إلى تنظيم الدولة الإسلاميَّة في العراق (2006)، فإلى تنظيم الدولة الإسلاميَّة في العراق والشام (2013)، إلى طور المنظومات دون هيكل قيادة واضح، فإلى حالة وعي عامّ مبثوث وملهم للجماعات المتشدّدة المنتشرة في شكل خلايا نائمة غير ممركزة قد تظهر هنا وهناك دون سابق إنذار.

من هنا يتأكَّد أنَّ عمل هذه التنظيمات ليس سلوكاً عشوائيَّاً تقوم به مجموعة من المنحرفين المعادين للحداثة وأسلوب الحياة المعاصرة، إنَّما هو تجسيد لمنظومة من الأفكار لها عمقها النَّظريّ والتاريخيّ الذي يمكّنها من أن تتحوَّل إلى "دوغما" لها القدرة على تبرير أعنف السلوكات والأفعال، وعلى التجميع والحشد والتعبئة والتجنيد، لتؤوي تحت سقفها من جهل الحداثة ومن تربَّى في حضنها، بل على التكيُّف مع مستجدّات التاريخ وتقلّباته.

من زاوية النظر هذه يمكن التفطّن إلى أنَّ هذه الحالة التنظيميَّة المتطرّفة تجد امتداداتها في سلسلة نشأة تاريخيَّة تعيدنا، استرجاعاً ومن وجهة نظر تاريخ الأفكار، إلى السلفيَّة الجهاديَّة، فالسلفيَّة بوجهيها: الإصلاحيّ (السلفيَّة الجديدة: محمَّد عبده ومحمَّد رشيد رضا) والإحيائيّ (محمَّد بن عبد الوهاب)، ومختلف عمليَّات التحيين والتركيب والدمج التي خرج منها الإخوان المسلمون في مصر، و"الإخوان" في السعوديَّة، ولكن أيضاً إلى أصلها الأعمق في شجرتها السلاليَّة، وهو في منظومة الأركان والأصول الإسلاميَّة، الممأسسة منذ القرن الهجري الثاني في التاريخ الإسلاميّ، لتختزل تصوُّرات الإيمان، وطرائق تنفيذه الواقعيَّة.

فمن هذه الجهة تدرك العلاقة بين المفاهيم المركزيَّة عند منظّري السلفيَّة الجهاديَّة مثل توحيد الربوبيَّة، وتوحيد الإلهيَّة/ الألوهيَّة (السلفيَّة)، والحاكميَّة (الإخوانيَّة)، وما يلحق بها من مفاهيم الولاء والبراء، والجاهليَّة، والجهاد (جهاد الدفع/ الصائل، وجهاد الطلب/ الابتداء)، والتترُّس، والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، والحسبة، والفقه الحركيّ، وما يناظرها في منظومة العلوم الإسلاميَّة الكلاميَّة والفقهيَّة.

تؤكّد هذه الوقائع أنَّ الحرب على التطرُّف الدينيّ والإرهاب هي في المقام الأوَّل حرب أفكار، تستوجب بداية تجاوز منطق السجال والإدانة المتشنّجة العقيمة، إلى منطق التفهُّم والتحليل. ويستدعي ذلك المنطق تفكيك المنطلقات الفكريَّة، والمقولات الإيديولوجيَّة التي تمثّل عماد هذه الحالة الهلاميَّة العصيَّة على الحصر والتسييج.

وبهذا المنطق فإنَّ التصدّي لهذا الفكر المتعارض مع مطلب التعايش الملحّ الذي تنخرط فيه الشعوب الإسلاميَّة، خصوصاً بعد ما يُعرف بثورة الربيع العربيّ، يبدو مرتبطاً بهذا العمل السابق. فإن كانت أهدافه الإجرائيَّة المباشرة أو الأولى، بيان عمق الانزياح الدلاليّ الذي أنجزته الجماعات المتطرّفة على الأصول الإسلاميَّة، حين قفزت على شروط زمانيَّتها الخاصَّة، لتدرجها في زمانيَّة جديدة، فإنَّ هدفه الأبعد من منظور تأويليّ يبحث في المدى الذي يسمح به المتاح التأويليّ لكلّ جماعة بشريَّة أن تصنع كونها الخاصَّ من المعاني، هو بيان مسارات الأدلجة، ومحدّداتها، وعوامل جاذبيَّتها وصلاحيَّتها الدائمة في الوعي الإسلاميّ المعاصر بالنسبة إلى شريحة هامَّة من حملة هذا الوعي.

قد يلحق هذا العمل بالفعاليَّة الفكريَّة التي وجَّهت أبحاث جيل التسعينات في الفكر العربيّ المعاصر، تحت عنوان كبير هو تفكيك العقل العربيّ المعاصر، بما هو تفكيك لعقل من هذه "العقول" هو العقل الجهادي، ولكنَّه يصبُّ في النهاية في المشروع الأكبر، مشروع تجديد الفكر الدينيّ في الإسلام.

تبعاً لهذه المعطيات السابقة المتعلّقة بالدوافع، والأهداف، والمنهج، تقترح مؤسّسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث سلسلة من المحاور البحثيَّة تهتمُّ بتشريح إيديولوجيا التطرُّف الدينيّ في الإسلام في نصوص الجماعات الإسلاميَّة المتطرّفة الرَّاهنة. أمَّا مادَّتها ومدارها فهي المفاهيم، والنصوص، والأعلام المؤسّسة لهذه الإيديولوجيا. وحسب أبرز الدارسين لهذا الفكر فثمَّة مفاهيم كبرى تمثّل الرواسب الجوهريَّة التي تستقطب كامل عناصر منظومتهم، يبدو مفهوم التوحيد في منزلة القلب منها. كما ثمَّة أعلام منظّرون كثر ربَّما يكون ابن تيميَّة جذعهم المشترك، إلا أنَّ فروعه كثيرة تبدأ من محمَّد بن عبد الوهاب، وحسن البنَّا، وسيّد قطب، وأبي الأعلى المودودي، لتصل إلى عبد اللّه عزَّام، وأيمن الظواهري، وأبي مصعب السوري، وأبي محمَّد المقدسيّ، وأبي قتادة الفلسطينيّ، وغيرهم كثيرون. وبالصًّورة نفسها ثمَّة أيضاً نصوص كثيرة يمكن رصد تسلسلها من فتاوى ابن تيميَّة، إلى شرح العقيدة الطحاويَّة لابن أبي العزّ الحنفيّ، إلى كتاب التوحيد الذي هو حقُّ اللّه على العبيد لابن عبد الوهاب، إلى معالم في الطريق لسيّد قطب، إلى المصطلحات الأربعة في القرآن لأبي الأعلى المودودي، فإلى كتب السلفيّين الجهاديّين المعروفين، وأشهرها كتاب ملّة إبراهيم وأساليب الطغاة في تمييعها لأبي محمَّد المقدسيّ الكويتي، وغيرها كثير.

استناداً إلى ما سبق تتوزَّع هذه المحاور حسب المفاهيم المركزيَّة، والأعلام الذين اهتمُّوا بالتنظير لها، والكتب التي احتوت هذا التنظير، على الترتيب التقريبي التالي:

المحور الأوَّل: مفهوم التوحيد بين الأصل الإسلاميّ والتأويل الجهاديّ (الأعلام، والنصوص)  

يمثّل التوحيد في الفكر الإسلاميّ أشرف العقائد والفقه الأكبر لكلّ فقه لحياة المسلم القديم والمعاصر، ففي ضوئه يفهم العالم، ويفهم ذاته، ويرسم صورة لحياته بجميع أبعادها الغيبيَّة والوجوديَّة، فيحدّد سائر تفاصيلها الدينيَّة والواقعيَّة. وتبعاً لهذه الأهميَّة كان جدال المسلمين فيما بينهم، وفي مواجهتهم للآخر خلال تاريخهم القديم والمعاصر حول معنى الإسلام، صراعاً حول معنى التوحيد أساساً. فبين بداياته موضوعاً لجدل ديني حول معنى الإيمان بين الفرق الكلاميَّة تبلورت عنه الأنساق الخمسة الكبرى للتوحيد الإسلاميّ (الاعتزالي، والسنيّ، والأشعريّ، والإسماعيليّ، والصُّوفيّ)، وصولاً إلى تنظيراته المعاصرة السلفيَّة والإخوانيَّة، كان مفهوم التوحيد عرضة لعمليَّة تحيين متكرّرة هزَّته ليكون أساس البناء والمفهوم المركزيّ لكلّ منازع تأويل الإسلام، وهو الذي في ضوئه وقع التأويل السياسي للإسلام وصيغت جملة المفاهيم السياسيَّة الدينيَّة المروَّجة الآن. فهو المفهوم الذي انقسم إلى أنواع حدَّدتها السلفيَّة الرَّاهنة توحيداً للربوبيَّة، وتوحيداً للألوهيَّة، وتوحيداً للأسماء والصفات، وحدَّدها الإسلام الحركيُّ أو الصحويُّ توحيداً للألوهيَّة وتوحيداً للربوبيَّة وتوحيداً للحاكميَّة. وهو الذي خرج منه مفهوم الولاء والبراء، ومفهوم الحاكميَّة، وتوسَّع بموجبه مدلول دار الحرب ودار السّلم، وهو أيضاً المفهوم الذي يؤسّس المدلول القتالي والحربيّ للجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولمفاهيم الردَّة، والتكفير، والجاهليَّة، وغيرها من المفاهيم الثواني.

وفي ظلّ وعينا المعرفيّ الرَّاهن بأنَّ الحقَّ في الحياة هو أيضاً حقّ في التأويل، كيف يمكن أن نضمن للجميع هذين الحقَّين، من قلب تفهُّمنا لمفهوم التوحيد؟

و لمَّا كان هذا يقتضي تجاوز منطق السجال الذي لا يبني معرفة ولا حلولاً، إلى منطق الفهم والتحليل والتبيُّن والنَّقد والمحاورة، فإنَّه بات يتعيَّن أوَّلاً الإحاطة بالمقولات الإيديولوجيَّة لذلك التأويل المتَّهم بتأسيسه للتطرُّف، وشرح دلالاتها ومضامينها، والحفر في منطلقاته الفكريَّة المعرفيَّة والمرجعيَّة، قبل المرور إلى نقده وبيان حدوده، والبحث عن سبل تجاوزه في إطار المدى التأويليّ الذي يسمح به النصُّ المؤسّس للإسلام.

من هذا المنظور يهتمُّ هذا المحور بمفهوم التوحيد الإسلاميّ في التأويل المتطرّف للإسلام، ويركّز اهتمامه على تبيُّن مضامينه، وتحليل أنساقه، والغوص في خلفيَّاته، تمهيداً لعمليَّة تقويمه، وصياغة تحييناته الزمنيَّة الضروريَّة.

لهذا الأمر ينشغل هذا المحور أوَّلاً برصد النُّصوص والأعلام التي أوَّلت التوحيد في اتّجاه سمح بتركيب العنف عليه، بداية بالتأويلين: القطبيّ والسلفيّ الجهاديّ، رجوعاً إلى امتداداتها السحيقة في التأويلين: الإحيائيّ (ابن عبد الوهاب)، والحركيّ الصحوي (المودودي، وقطب) مروراً بالتأويل التميميّ، وصولاً إلى التأويلات الإسلاميَّة القديمة، لا سيَّما مع التأويل الحنبليّ.

ويهتمُّ ثانياً بكشف مدلول التوحيد في هذه النُّصوص، وتحليل الأنساق النظريَّة التي حوتها.

ويمرّ في مرحلة ثالثة إلى تقويمها من جهات ثلاث، هي: المضامين، والأنساق، والمقارنة بالنّصوص الـتأسيسيّة والنصوص الثواني.

فأمَّا خطوته الرَّابعة فهي خطوة البحث عن البدائل والممكنات التأويليَّة للتوحيد المواجهة للتطرُّف.

وعلى هذا الأساس تجري بحوث هذا المحور وموادُّه في هذا الاتجاه، من حيث الرؤية النقديَّة، والمضمون، والهدف، في تقاطع ثلاثة محاور ممثّلة لصيرورة التطوُّر الدلالي لمفهوم التوحيد.

فالأوَّل يتَّصل بالجذور الأولى للمفهوم في منظومة الفكر الإسلاميّ القديم، أي من خلال الأنساق التوحيديَّة الخمسة.

أمَّا الثاني فيعود إلى التحيينات الوسيطة المنجزة للتوحيد من ابن تيميَّة وابن القيم الجوزيَّة، إلى سيّد قطب وأبي الأعلى المودودي.

أمَّا الثالث فيتَّصل بالتأويل الجهاديّ للتوحيد في كتب منظّري التيَّارات الجهاديَّة الإسلاميَّة كأبي محمَّد المقدسي، وأبي قتادة الفلسطينيّ.

أمَّا الأخير فهو محور المداخل الممكنة لتوحيد مؤسّس للتعايش.

و تتمثّل الأسئلة الموجَّهة في الأسئلة التالية، وما كان في سياقها:

  • ما المضامين المشكّلة لمفهوم التوحيد في تأويله المتطرّف، سواء في مستوى رؤية العالم، أو تصوُّر الألوهيَّة، أو تصوُّر الدين، أو في مستوى التنفيذ الواقعيّ العمليّ؟

  • هل لهذه التأويلات المتطرّفة مبرّرات واقعيَّة أو نظريَّة، فتكون من ناحية تعبيراً عن قلق في العقيدة، وعجز عن عيش التناغم بين الدّين والحياة، أو تكون من ناحية أخرى سدّاً لنقض نظريّ بقي قائماً منذ الأنساق التوحيديَّة الأولى؟

  • هل لهذه الأنظمة التوحيديَّة التحيينيَّة منطقها الداخليّ المتناغم والمنسجم الذي يمنحها صلابة نظريَّة تعاند الأحكام الملصقة بها واقعيَّاً؟

  • ما الإمكانات التأويليَّة الجائزة للتوحيد في اتّجاه مقاومة ثقافة التطرُّف والإقصاء؟

المحور الثاني: مفهوم الجهاد بين النصّ التأسيسيّ وآخر تحييناته الجهاديَّة  

مفهوم الجهاد هو من أكثر المباحث التي استقطبت اهتمام الإسلاميّين المعاصرين كتابة وتنظيراً، فتحوَّل عندهم إلى نظام معرفي يستمدُّ مشروعيَّته من تأويلهم للتوحيد، ويبدأ من جهاد النفس ليشمل البُعد المدنيّ والاجتماعيّ وصولاً إلى جانبه الحربيّ القتاليّ.

ولئن تجسَّدت تنظيراته "الجهاديَّة" المتطرّفة مع أبرز منظّري التيّار السلفيّ الجهاديّ كأبي مصعب السوريّ (و1958)، وأبي محمَّد المقدسيّ، وأبي قتادة الفلسطينيّ، والسيّد إمام بن عبد العزيز الشريف المصريّ (و1950)، وغيرهم، فإنَّه يجد أصوله في شجرة سلاليَّة تعود إلى مفهومه الفقهيّ الأوَّل في المذاهب الفقهيَّة الإسلاميَّة. وعلى هذا النحو يمكن تتبُّع حلقات هذه السلسلة عبر مسارين تأويليَّين لمفهوم الجهاد، يعود الأوَّل ذو التأويل الحربيّ القتاليّ إلى الشافعي والطبري وصولاً إلى ابن تيميَّة، فإلى تحييناته المعاصرة مع سيّد قطب وأبي الأعلى المودودي، فإلى أيمن الظواهريّ، ومن جاء بعده من منظّري السلفيَّة الجهاديَّة. وأمَّا الثاني ذو التطوُّر السّلميّ فأصوله تعود إلى الإمام مالك، وصولاً إلى محمَّد شلتوت ومحمَّد أبي زهرة وغيرهما.

ودون توخّي زاوية نظر معياريَّة تفاضليَّة تنافي منطق البحث العلميّ، يسمح هذا التقسيم على اختزاليَّته الضروريَّة بتبيُّن موجّهين أساسيّين لمفهوم الجهاد في مساره التأويليّ الإسلاميّ، وفي سياق المشروع الكلّي التفهُّميّ المؤطّر لهذا الحور، فإنَّ مدار الاهتمام هنا أيضاً، هو التأويل القتالي الرَّاهن لمفهوم الجهاد، بوصفه التأويل المحمّل مسؤوليَّة نبذ التعايش والإرهاب.

ويجري ذلك عبر توزيع مراكز الاهتمام على ثلاثة شواغل: أوَّلها شاغل التعرُّف، الذي يقصد منه التعرُّف على مضمون مفهوم الجهاد عند الجماعات الجهاديَّة الرَّاهنة، وذلك بشرح دلالته، وتفكيكه إلى مقولاته الفرعيَّة من قبيل جهاد الدفع وجهاد الطلب، وما يدخل تحتها من معاني الكفر والردَّة، وتحليل النسق الذي تنتظم فيه هذه المدلولات وتكتسب منه معناها، والحفر فيها لكشف أصولها، أي مرجعيَّاتها المعلنة والضمنيَّة. وبهذه الصورة يجمع شاغل التعرُّف منهجيَّاً بين التفكيك للمضامين، والتحليل للأنساق التي تحتويها، والحفر في المرجعيَّات التي تموّلها.

وأمَّا الشاغل الثاني فهو شاغل التقييم. وهو ينكبُّ أوّلاً على تقييم التأويل في ذاته، من جهات إمكانه الدلاليّ اللّغويّ الاشتقاقيّ، وسلامته النظريَّة النسقيَّة من التعارض الداخليّ، وثانياً بوجهة نظر مقارنيَّة، أي مقارنة بالأصول الإسلاميَّة في القرآن والسنَّة، والنُّصوص الثواني.

فأمَّا الشاغل الثالث فهو شاغل التجاوز وتأسيس البدائل والبناء، وهنا ينظر في المداخل الممكنة لتحويل الجهاد إلى مبدأ دافع للخلق والإبداع والتعايش.

وعلى أساس هذه الشواغل الثلاثة يحاول هذا المحور أن يجيب عن الأسئلة التالية:

  1. أسئلة التعرُّف:

  • ما مدلول مفهوم الجهاد في التنظيرات القتاليَّة المتطرّفة؟

  • ما المقولات الفرعيَّة التي تبلور معناه وتنشره؟

  • ما الإطار النظريّ النسقيّ الذي يمثّل نظريَّته القتاليَّة؟

  • ما هي مرجعيَّاته الفكريَّة من أفكار وأعلام ونصوص؟

  1. أسئلة التقييم

  • ما مدى إمكان المدلول القتالي المتطرّف للجهاد لغويَّاً؟

  • ما مدى السلامة النظريَّة للنسق الحاوي لمفهوم الجهاد من التناقض والتعارض الداخليّ؟

  • ما علاقة التأويل القتاليّ المتطرّف للجهاد بالمتاح التأويليّ في القرآن والسُّنَّة؟

  • ما علاقته بالمتاح التأويليّ في النصوص الثوانيّ؟

  1. أسئلة التجاوز

  • ما المداخل الممكنة لتأويل إيجابيّ للجهاد، يحوّله إلى طاقة عمل وإبداع وإنجاز حضاري؟

المحور الثالث: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (الأعلام والنُّصوص)  

ما من شكّ في أنَّ مبدأ الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر واحد من أبرز المبادئ الإسلاميَّة التي جاءت بها الرّسالة. لذلك احتفى به الموروث الفقهيّ والكلامي أيَّما احتفاء. فتحوَّل هذا المبدأ من مبدأ أخلاقيّ عامّ إلى مؤسَّسة سياسيَّة تضطلع بها الدولة حسبة وجهاداً، فإلى أصل من أصول الاعتقاد يتقدَّم الصلاة والزكاة أحياناً، ويُعدُّ شرطاً أوَّل للإيمان، إذ يتحقَّق به التنفيذ العمليُّ للتوحيد.

ويبدو في فضائنا الوجودي والمعرفيّ الرَّاهن أنَّه ذو صلاحيَّة عالية أن نعيد قراءة هذا المبدأ من المنظور الذي قرأه منه المستشرق البريطاني مايكل كوك، بوصفه مدخلاً من المداخل الممكنة لتأسيس شروط المواطنة المعاصرة. وذلك من جهة إلحاحه على المسؤوليَّة الفرديّة في تحقيق الخير العامّ.

ولئن يلوح منطقيَّاً وشرعيَّاً أن يجد هذا الطموح بعض المعارضة من قبل مواقف ذات منطلق إسلاميّ، تبعاً للاختلاف الضروريّ في المرجعيَّات وزوايا النظر، فإنَّ من المشكلات التي تطرحها هذه المعارضة أنَّها تصدر عن بعض التنظيمات والتيَّارات الهلاميَّة المتَّسمة بالتشدُّد، التي تتمسَّك بدورها بحقّها في تأويل حربيّ قتالي لهذا المفهوم ينسف التعايش من أساسه.

تكمن المشكلة هنا في أنَّ هذا الموقف المتصلّب المعاند لا يصدر من فراغ، إنَّما هو موجود في القرآن والسنَّة، وفي تراث علوم القرآن، ما يؤسّس مواقفه على أسس جداليَّة تقنع الكثير من معتنقي الإسلام. وفي هذا السياق يصحُّ تقرير رضوان السيّد أنَّ سلوك الإسلاميّين المتشدّدين في العصر الحاضر هو في وجه منه عودة للرّبط بين الجهاد ومبدأ الأمر بالمعروف. وتبعاً لهذا تصبح محاورة هذا الفكر المتشدّد في شأن هذا المبدأ محاورة على التأويل وشروطه، قد تكون أوَّل مضامينها بيان تاريخيَّة تأويل هذا المفهوم في كامل الفكر الإسلاميّ قديمه ومعاصره، وارتباطه بمسارات أدلجة لم تكن في بعض وجوهها وفيَّة لاتّساع المتاح التأويلي في القرآن، كما هي الحال مع الجماعات الإسلاميَّة المتطرّفة.

من هذا المنظور الساعي إلى إيجاد المدخل الرئيس لاستعادة الحقّ في التأويل، يتصدَّى هذا المحور لمبدأ الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر. ويفعل ذلك انطلاقاً من بيان مدى ارتباط التأويل المتطرّف لهذا المبدأ بقراءة تاريخيَّة محفوفة بقبليَّاتها الكامنة في الذَّاكرة والوعي معاً، تنأى به من فسحة المعنى القرآني إلى ضيق الدعوى القائمة على فكرة الحقيقة الواحدة، ووهم امتلاكها.

واستناداً إلى هذه الأهداف، تحدَّدت الأسئلة الكبرى لهذا المحور في التالي:

  1. الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر في النّصوص التأسيسيَّة للإسلام وتعدّد الدلالة: يهتمّ هنا بكشف اتّساع مدلول هذا المبدأ في القرآن والسنَّة.

  2. الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر في التراث الكلاسيكيّ الإسلاميّ: جدل النّصوص والواقع. يقع التركيز هنا على توضيح تاريخيَّة التأويل المنجز على مفهوم الجهاد، بما في ذلك التأويل الحنبليّ التيميّ الدمشقيّ للمبدأ، باعتباره التأويل المرجعيّ للجماعات المتطرّفة.

  3. مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في نصوص الجماعات الإسلاميَّة المتطرّفة: يكون التركيز على مدلول المبدأ، والمقولات الفرعيَّة، والمستندات المعرفيَّة (كالموقف من العقل) والمرجعيَّات الفكريَّة التراثيَّة، والأهداف الإيديولوجيَّة، وكشف مدى توافق التأويل المتطرّف مع المتاح التأويليّ القرآنيّ.

  4. الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، مداخل تأويل إيجابيّ مؤسّس للخير الجماعي، بما هو حقّ في الوجود، وتحسين للوجود الجماعيّ.

تمثّل هذه المحاور بأهدافها موجّهات عامَّة للملفّ، يمكن للباحث أن يشتغل في تقاطع مضامينها.

المحور الرابع: مفهوم دار الحرب ودار الإسلام بين الأصل الإسلاميّ والتأويل الجهاديّ (الأعلام، والنصوص) 

مفهوم دار الحرب ودار الإسلام من المفاهيم المركزيَّة في التنظير الجهاديّ الإسلامويّ. ولئن شهد عند أعلامه المنظرّين عمليَّة مراجعة، فإنَّه حافظ على مدلوله التكفيري الموسَّع منذ تأويله القطبيّ. فقد احتفظت المراجعات الجهاديَّة بالتحويل المنجز لدار الكفر من الدار التي يكون أهلها غير مسلمين، إلى الدار التي لا تكون فيها الغلبة للإسلام ولأحكامه، بصرف النظر عن ديانة أهلها. وعلى هذا النَّحو قرَّر المصري د. فضل (عبد القادر بن عبد العزيز)، والزهرانيّ وغيرهما من الجهاديّين، أنَّه لا دخل لظهور شعائر الإسلام أو الكفر في الحكم على الدار، وأنَّ "دار الإسلام هي كلُّ بلد أو بقعة تعلوها أحكام الإسلام والغلبة والقوَّة والكلمة فيها للمسلمين، وإن كان أكثر سكَّان هذه الدار من الكافرين. ودار الكفر هي كلُّ بلد أو بقعة تعلوها أحكام الكفر والغلبة والقوَّة، والكلمة فيها للكافرين، وإن كان أكثر سكَّان هذه الدار من المسلمين" (نقلاً عن الحركات الإسلاميَّة في الوطن العربيّ (2013)، مج2، ص 1250).

وعلى هجانة هذا المدلول المسند للمفهوم، فإنَّه وثيق الصّلة بتصوُّرهم للتوحيد، والجهاد، والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، كما أنَّ له أصولاً تراثيَّة يمكن تتبُّعها جينيالوجيَّاً وصولاً إلى القرآن والسُّنَّة عبر محطّات، تمثّلها -تراجعاً- تنظيرات سيّد قطب والمودودي، فابن تيميَّة، فابن حنبل، فالفقه الإسلاميُّ عموماً.

من هنا يكون التصدّي لهذا المدلول المتعارض مع شروط التعايش الإنسانيّ الذي يمثّل قيمة كبرى لرسالة الإسلام، مرتبطاً في وجه منه ببيان مقدار الانزياح المنجز عن مقاصدها وغاياتها، في ارتباط بأهداف إيديولوجيَّة متعدّدة الأبعاد.

من هذا المنظور يهتمُّ هذا المحور بمفهوم دار الحرب ودار الإسلام في التنظير الجهاديّ الإسلامويّ، بالتركيز على عمليَّة التأويل الممارسة على النصّ وعلى التراث الإسلاميّ، لتحويل هذه التقسيمة إلى مبرّر للعنف باسم الإسلام، تبيّناً لمستنداتها المعرفيَّة، ومرجعيَّاتها النظريَّة، وتقييماً لدرجة توافق عمليَّة التأويل المنجزة مع مداها الذي يسمح به النصُّ المؤسّس والنصوص الثواني، بين سياقيه التأويليَّين القديم والمعاصر.

وتجري بحوث المحور وموادّه تبعاً للرؤية الموجّهة السابقة في تقاطع التساؤلات الثلاثة التالية:

  • دار الحرب ودار الإسلام في التراث الإسلاميّ القديم: في النصّ التأسيسيّ، والنّصوص الثواني (القرآن والسنّة، والفقه).

  • المفهوم في التأويل الجهاديّ: من التنظير إلى المراجعة: من عبد السلام فرج (التنظير الأساسي الأوَّل للجماعات الجهاديَّة) إلى أيمن الظواهريّ، إلى د. فضل (عبد القادر بن عبد العزيز) الذي عبَّر عن مراجعاته ودعوته إلى إيقاف العمل الجهادي في "وثيقة ترشيد العمل الجهادي"، ومن أبي محمَّد المقدسيّ إلى أبي مصعب الزرقاوي الذي رفض مراجعات المقدسيّ.

  • المفهوم وإمكانيَّات التأسيس للتعايش.

 

* آخر موعد لاستلام استمارات المشاركة: 23 يونيو 2017.

* آخر موعد لاستقبال البحوث المشاركة: 30 أكتوبر2017.