مدخل الفلسفة والعلوم الإنسانية

يعرف العالم اليوم تصاعداً خطيراً في ظاهرة العنف، رغم أنَّ العنف ظاهرة قديمة اهتمَّ الفلاسفة بالنظر فيها وبمحاولة فهمها خاصَّة في عصر الأنوار، حيث ركَّز فلاسفة ذلك العصر (ديدرو، فولتير، روسّو، كانط... إلخ) على التنظير لفلسفة التسامح والمواطنة الكونيَّة، فأنتجوا مجموعة مهمَّة من الأطاريح التي تسلط الضوء على مفهوم العنف. وعلى الرغم من أنَّ فلاسفة القرن التاسع عشر، وخاصَّة سان سيمون وأوجست كونت قدَّموا رؤية متفائلة للغد، فإنَّ ما تلا ذلك يؤكد استمراريَّة سلوك العنف وثقافته أيضاً.

وحين نعود لما سطّره الفلاسفة وعلماء النَّفس بخصوص موضوع العنف نجد اختلافاً كبيراً فيما بينهم بخصوص هذه الظاهرة، فهناك من الفلاسفة من يعتبر العنف من الطبيعة البشريَّة، كهوبز الذي يرى أنَّ الإنسان ذئبٌ للإنسان، وذلك لأنَّنا نعثر في الطبيعة البشريَّة على أسباب تشجّع على ممارسة العنف، وأوَّل هذه الأسباب: التّنافس الذي يدفع البشر إلى السلوك العنفي من أجل إرضاء أهوائهم الخاصَّة، والسبب الثاني هو الحذر والخوف من فقدان ما يملكون، وأمَّا السبب الثالث والأخير فهو الكبرياء؛ هذا الكبرياء الذي يجعل البشر يمارسون العنف لأسباب تبدو تافهة ككلمة أو رأي مخالف أو سخرية ...إلخ. فضلاً عن هذا، فإنَّ هناك أطروحات في علم النَّفس ترى أنَّ الإنسان عنيف بطبعه، فنجد مثلاً سيغموند فرويد يقول: "ليس الإنسان بذلك الكائن الطيّب السمح ذي القلب الظمآن إلى الحبّ، والذي يقال عنه إنَّه يدافع عن نفسه حينما يُهاجم، وإنَّما هو على خلاف ذلك، كائن تندرج العدوانيَّة لديه بالضرورة، وبقدر لا يستهان به، ضمن معطياته الغريزيَّة". ونفهم من موقف فرويد أنَّ العدوانيَّة معطى غريزي في الإنسان. لهذا كان النّزوع إلـى العــدوان، في نظر فرويد، يفرض على الحضارة أعباء كبيرة، ويجعل المجتمعات مهدَّدة باستمرار بالحرب والدَّمار، بل إنَّ الأهواء الغريزيَّة للإنسان أقوى بكثير من اهتماماته العقليَّة.

وعليه، إذا كانت بعض المواقف الفلسفيَّة تربط العنف والعدوان بالغريزة البشريَّة وبالطبع البشري، فهل يصحُّ أن نقول إنَّ العنف مسألة طبيعيَّة؟

في مقابل الأطاريح السابقة نجد تصوُّرات مخالفة في تحديد الطبيعة الإنسانيَّة، فجون جاك روسُّو مثلا يردُّ على هوبز بأطروحة مفادها أنَّ الإنسان خيّر بطبعه، لكنَّ المجتمع أفسده، وبالتَّالي فإنَّ ممارسة الإنسان للشرّ ـ العنف ـ سببها عيش الإنسان في مجتمع فاسد.

المحور الأول: فكرة التَّسامح من منظور فلسفي

يُعدُّ موضوع التسامح من الموضوعات التي استرعت انتباه العقل الفلسفي، خاصَّة في زمن اشتداد الحروب الأهليَّة والصراعات الدينيَّة والعرقيَّة... وفي عصر الأنوار صار مبحثاً رئيساً، إذ انخرط في نقاشه والتنظير لمفاهيمه وقيمه كبار رموز الفكر الأنواري مثل: جون جاك روسو، وفولتير، وجون لوك ...، كما أنَّ التطوُّر النَّوعي الذي شهده زمننا المعاصر بفعل تطوُّر تقنية الاتصال التي ذوَّبت المسافات الجغرافيَّة، جعل الاختلاف الثقافي يتبدَّى بشكل أوضح، ممَّا أوجد جدلاً عميقاً، أظهر الحاجة إلى استعادة فكرة التسامح وإشاعتها، لإمكان تحقيق العيش المشترك.

ومن هنا نرى أنَّ ثمَّة حاجة راهنة إلى استحضار النصوص المؤسّسة لفكر التسامح، تعريفاً بها، ودرساً لمحتواها، واستمداداً لمقولاتها في التنظير والتفكير...، وتعريفاً بمفاهيمها المحوريَّة، وبأعلامها.

وفي هذا السياق يسعى قسم الفلسفة والعلوم الإنسانيَّة في مؤسسة مؤمنون بلا حدود إلى استكتاب الباحثين في هذا الملف، الذي نريد منه أن يكون مسحاً متكاملاً للنتاج النظري للفلسفة في موضوع التسامح. ونظراً لقيمة الأفكار الثاوية في تلك النصوص المرجعيَّة، فإنَّنا نهيب بالباحثين أن يتوسَّعوا في الاستحضار منها وعدم الاقتصار على إيجاز معطياتها بعبارات مختزلة. ولكن في الوقت ذاته فإنَّ إعمال أدوات تحليل الخطاب، والتفكيك الإشكالي، والتأويل المنفتح ... تقنيات ستغني بلا شك هذا المشروع البحثي، ويحفظ القراءة من أن تسقط في مجرَّد تلخيص نثري يكثف محتوى تلك النصوص فقط، ولا يجاوز ذلك إلى إعمال التفكير في اللَّامفكر الثاوي بداخلها، واستخلاص بيناتها المفاهيميَّة.

استناداً إلى ما سبق يتوزَّع هذا المحور على ثلاثة تساؤلات: نتناول فيها المفاهيم المركزيَّة، وأهمَّ الأعلام الذين اهتمُّوا بالتنظير لمفهوم التسامح، والمتون الرئيسة التي نظَّرت له:

التساؤل الأوَّل حول مفهوم التّسامح وحقله الدّلالي

دراسة للمقاربات الدّلاليَّة لمفهوم التسامح، وما يتقاطع معه من مفاهيم منتمية إلى الحقل الدلالي ذاته.

كما سيكون من المفيد التوسُّع في بيان خصوصيَّات التعاريف المعطاة لتلك المفاهيم وأسباب اختلاف الفلاسفة في تحديدها.

التساؤل الثاني حول أعلام فكر التَّسامح

دراسة لأعلام فكر التسامح أمثال: اسبينوزا، جون جاك روسو، فولتير، جون لوك ...، لا نقصد منه الكتابة السيريَّة (البيوغرافيَّة)، بل تناول وجيز للسيرة مع تركيز على ما له تعلق بموضوع الاشتغال، أي فكرة التسامح.

التساؤل الثالث حول المتون المؤسّسة

للباحث كامل الحريَّة في اختيار الأسلوب الذي سيتوسله في دراسة المتن، لكن لا بأس من الإشارة إلى بعض الأسئلة التي نقترح الاشتغال بها:

توصيف السياق السوسيولوجي والثقافي الذي ظهر فيه المتن.

ما الإشكاليَّة المركوزيَّة التي يحاول معالجتها؟

ما الأطروحة المركزيَّة للمتن؟

كيف استدلَّ عليها؟

ما صدى المتن في زمنه؟ وما الردود التقريظيَّة والسجاليَّة التي تفاعلت معه؟

ما قيمة المتن في زمننا الراهن؟

المحور الثاني: التواصل والعنف

حظي موضوع التَّواصل باهتمام كبير من طرف الفلاسفة في لحظتنا المعاصرة. هذا العصر الذي يعرف ارتفاعاً كبيراً في وتيرة العنف. وقد تمَّ تناول موضوع التَّواصل من وجهة نظر أخلاقيَّة، فتمَّ الحديث عن أخلاقيات التَّواصل باعتبارها مبحثاً فلسفياً اشتغل عليه مجموعة من الفلاسفة المعاصرين، أمثال هابرمارس الذي ركَّز على الفعل التَّواصلي. ومن هنا كان موضوع هذا المحور هو الحديث عن علاقة العنف بالتَّواصل. وذلك من خلال محاولتنا الإجابة عن الأسئلة التّالية: إلى أيّ حدٍّ يساهم التواصل الفعَّال في السلم وفي التفاهم؟ وهل عمليَّة التَّواصل ممكنة، أم أنَّه لا فائدة منها كما يرى التيار ما بعد الحداثي الذي يتزَّعمه جان فرانسوا ليوتار؟ وكيف يمكن أن يكون سوء التَّواصل سبباً في ظهور العنف واللَّاتفاهم؟ وللإجابة عن هذا السؤال سيتوزَّع هذا المحور البحثي على ثلاثة تساؤلات أساسيَّة، نتناول فيها المفاهيم المركزيَّة، وأهمَّ الأعلام الذين اهتمُّوا بالتنظير لفلسفة التَّواصل ولأخلاقيَّات الفعل التَّواصلي:

التساؤل الأوَّل حول فلسفة التّواصل.

سيتمُّ من خلاله تسليط الضوء على فلسفة التَّواصل المعاصرة، كما سيكون من المفيد الاطلاع على الآراء المختلفة حول هذا المبحث الفلسفي الحديث النشأة.

التساؤل الثاني حول العنف وأخلاقيَّات التَّواصل.

يهدف إلى معالجة سؤال العنف من وجهة نظر أخلاقيَّة مرتبطة بفلسفة التواصل وبالأخلاق.

التساؤل الثالث حول أعلام ومفاهيم فلسفة التَّواصل.

يهدف إلى دراسة أعلام فلسفة التواصل والمفاهيم البحثيَّة المتعلقة بها.

المحور الثالث: العنف من منظور سيكولوجي

يُعدُّ علم النّفس من العلوم التي تُقدم منظورها كأسلوب يساهم في فهم الطبيعة البشريَّة. وباعتبار العنف الصادر عن الإنسان سلوكاً من أظهر السلوكات البشريَّة، فقد اهتمَّ علماء النفس بقياسه وتعليله بوصفه استجابة تتمظهر، إمَّا في شكل أفعال ظاهريَّة، أو في شكل تغيُّرات داخليَّة يمكن ملاحظتها من خلال الكلام أو طريقة التفكير، ...إلخ.

من هنا كان موضوع هذا المحور البحثي معالجة ظاهرة العنف من زاوية نظر سيكولوجيَّة، أي من خلال التفكير في الأسباب النفسيَّة التي تؤدي إلى ممارسة الفعل العنفي. ودراسة مواقف المدارس النفسيَّة من الظاهرة، واستحضار مفاهيمها. وسيتوَّزع هذا الملفُّ على تساؤلات ثلاثة هي:

التساؤل الأوّل: حول الأسباب السيكولوجيَّة لممارسة العنف.

التساؤل الثاني: حول موقف علماء النفس من ظاهرة العنف.

التساؤل الثالث: حول المفاهيم والنصوص السيكولوجيَّة.

 

 

* آخر موعد لاستلام استمارات المشاركة: 23 يونيو 2017.

* آخر موعد لاستقبال البحوث المشاركة: 30 أكتوبر2017.