مدخل العلوم الاجتماعية

يعد العنف اليوم من المواضيع المحورية في مجال العلوم الإنسانية، التي حاولت ولا زالت تحاول فهم وتفسير مظاهر السلوك العنيف وعلاقته بالحياة الاجتماعية والدينية والثقافية والسياسية، فهو كظاهرة معقدة، يعرف حضورا قويا في مختلف مجالات حياة الأفراد والجماعات، ويفصح عن تداخلات كامنة وظاهرة، تتطلب المزيد من البحث وتعميق الدراسة في الناتج النظري الّذي قدمته مختلف الحقول البحثية العلميّة في هذا المجال.

ومع التطورات التي شهدها العالم المعاصر بدءا من العقد الأخير من القرن العشرين، صارت الإشكاليات المرتبطة بالعنف ملحة أكثر في محاولة الفهم، لاسيما أن منظور تاريخ الذهنيات، يرى أن أكثر المواجهات تخريبا وتدميرا ودموية هي ما كان العصر الحديث مسرحا له، باعتبار افتتاح الحداثة عصر اكتمال القدرة البشرية على بناء الأنظمة الاعتقادية الأكثر تخفّيًا وتلبُّسًا بما ليس فيها من جهة وتغلغلا إلى أعمق آليات التحكّم في الوجود الاجتماعي بمكوناته المادية وغير المادية من جهة ثانية.

بناء على ذلك نحاول من خلال مدخل العلوم الإنسانية مواكبة التجاذبات سواء الفكرية، الدينية، الإثنية والثقافية، التي تعمل معا في تشكل آليات العنف وتجلياته من خلال دينامية التحولات المجتمعية التي تجعل العديد من علماء الاجتماع يؤكدون عل ضرورة عدم اختزال الفهم في نموذج عام يعمل عل ترجيح أحد العوامل بطريقة مطلقة وكونية، وإنما يؤكدون على ضرورة الترابط بين العوامل المتعددة والمتداخلة في فهم التغير وتفسير العنف. لذلك نقترح من خلال هذا المدخل تناول العنف من خلال المحاور التالية:

المحور الأول: العنف من منظور العلوم الإنسانية.

المحور الثاني: الهوية والاختلاف من منظور أنثروبولوجي.

المحور الثالث: التعصب.

المحور الرابع: التعدد والتعددية.

المحور الخامس: الدولة والعنف والمجتمع الأهلي.

المحور الأول: العنف من منظور العلوم الإنسانيّة

نشهد اليوم تصاعداً ملحوظاً في ظاهرة العنف، ليس فقط في مظهره المُقارب من منظور قانوني كجنوح، بل ثمة عنف مبرر ثقافياً، إمّا بتأويل سياسي، أو بتأويل ديني، أو عرقي ..إلخ. ومع تزايد الظاهرة والإحساس بخطورتها نلقى أن النقاش الإعلامي عادة ما ينشغل بالمقاربة السياسية الآنية، بينما ظاهرة العنف غير مشروطة بأحداث جزئية بل تفصح بنفسها عن أصول كامنة أو ظاهرة في التفكير والاجتماع. من هنا دعت الحاجة إلى اقتراح هذا المحور (العنف من منظور العلوم الانسانية)، الذي نريد به تعميق الدراسة في الناتج النظري الّذي قدمته هذه الحقول البحثية العلميّة في تناول موضوع العنف.

و لا نقصد هنا أي اختزال في استحضار العلوم الانسانية، فسواء في نزوعها الوضعي الّذي يطمح الى الوصف والتّفسير والتنبؤ، أو في توجهاتها الفهمية التي تقصر إمكانها المنهجي على إنجاز الفهم والتّأويل هي جميعها مقاربات نراها حقيقة بالإيراد والاهتمام.

ونقترح من خلال هذا المحور الاشتغال على التساؤلات التالية:

التساؤل الأول حول العنف كمقاربة دلالية/مفاهيميّة.

ونقصد منه تناول دلالة العنف من منظور العلوم الانسانية، دون حصر المفهوم في دال العنف، بل نوسعه الى حقله المفاهيمي. كما نأمل في تحديد دلالات المفاهيم أن نتوسع في إيراد اختلاف المفهوم والتعريفات بما يحقق غنى هذا المحور الدلالي وتوسعه في الاستيعاب.

التساؤل الثاني حول أعلام دراسات العنف.

جرد بأعلام العلوم الانسانية التي تخصصت في دراسة العنف، مع تعريف سيري (بيوغرافي) (أنظر الورقة التقنية في تعريف العَلَم).

التساؤل الثالث حول المتون المرجعية.

دراسة النّصوص المرجعية التي أرست نظريات وتقنيات بحثية في مقاربة ظاهرة العنف، مع الابتعاد عن أسلوب الاختزال في العرض، والتركيز على مقاربة تلك النصوص / المتون من مداخل استفهامية قادرة على استنطاقها، بإبراز السياق السوسيولوجي والثقافي الذي ظهر فيه المتن، والإشكالية المركزية التي يعاجلها، والأطروحة المحورية التي أنتجها، مع بيان كيفية استدلاله عليها. وتناول الصدى الذي يمكن أن يكون المتن أحدثه في زمنه، والردود التقريظية والسجالية التي تفاعلت معه.

المحور الثاني: الهوية والاختلاف من منظور أنثروبولوجي.

يعد علم النفس الاجتماعي والأنثروبولوجيا أكثر التخصصات المعرفية انشغالا بدراسة التحول الذي يطرأ على الانسان من وجوده كفرد بيولوجي الى وجوده كشخص، أي ككائن يستبطن ثقافة مجتمعه، ويحمل رؤيته الى العالم. ولقد أسهم هذان الحقلان المعرفيان في تطوير البحث في كيفية تشكل الهوية الثقافية في الفرد، ودورها في تأسيس إمكانية الفصل بينه وبين الآخر المختلف معه ثقافياً. وقد زاوجت أبحاث الأنثروبولوجيين أمثال رالف لنتون وروث بينيدكت ومرجريت ميد... بين المنظورين السيكولوجي والأنثروبولوجي، منتهية إلى تحليل عملية التكوين الثقافي للشخصية، وتحديد طبيعة القيم الرئيسة التي تشكل هوية الفردي ورؤيته الى العالم، مقدمة إسهاماً مهما في فهم إشكاليات الهوية وطبيعة الآليات التي تتحكم في اشتغالها.

ومع التطورات التي شهدها عالمنا المعاصر بدءا من العقد الأخير من القرن العشرين، صارت إشكالية الهوية ملحة أكثر، إذ تم تفسير كثير من ظواهر الصراع السياسي بوصفها دالة تصادم هوياتي حضاري، بل ثمة تنظيرات تسترجع خطاب الهوية من اجل تصريف كثير من مواقفها الصراعية.

هذه العودة الى الفكر الهوياتي اليوم تفرض استعادة جديدة لأدوات الأنثربولوجيا الثقافية وإعمالها. وفي هذا السياق تقترح مؤسسة مؤمنون بلا حدود هذا الملف الذي تسعى من خلاله إلى وضع فكرة الهوية والاختلاف تحت الدراسة من منظور العلوم الانسانية والفلسفية، لنفهم كيف تتشكل الهوية الثقافية، وكيف تنتقل من المستوى الجمعي الى المستوى الفردي؟

وكيف يمكن للاختلاف الهوياتي أن يتحول إلى صراع عنفي دموي؟

وهل يمكن للإنسانيّة اليوم أن تتجاوز التفكير بمقولات الهوية، إلى التفكير بمنطق ما سماه كانط بالمواطنة الإنسانية.

تساؤلات المحور:

التساؤل الأول حول الحقل الدلالي للهوية من منظور الأنثروبولوجيا الثقافية. الاختلاف الهوياتي والوحدة الإنسانية.

التساؤل الثاني حول الأعلام.

التساؤل الثالث حول المتون المرجعية للأنثروبولوجيا التي قاربت إشكالية الهوية.

المحور الثالث: التعصب من منظور سوسيولوجي

ما معنى أن يكون المرء مؤمنا؟ ذاك سؤال، وعلى الرغم مما قد يتبادر إلى الذهن من انحصاره في المجال الديني، يمتد عميقا إلى أغوار اجتماعية وجذور تاريخية وأبعاد فكرية ثقافية، ليس العلم ولا العرفة من خارجها. ولكن يجدر التمييز بين المعتقدات ذات الطبيعة الوصفية-التفسيرية والتي تتكون طياتها من المعارف والعلوم والأساطير مثلا ويُحتكم فيها إلى مقاييس الخطأ والصواب من جهة، ومن جهة ثانية المعتقدات المعيارية التي تحوي في طياتها القيم والعقائد مثلا ويحتكم فيها إلى معالم الرّشد والغِيّ فمكاييل الولاء والبراء. سياقات المعتقدات الأولى بما تفترضه من مؤسسات وأطر وهياكل وفاعلين يتطلب بناؤها واستخدامها استحضار آليات التصديق والتخطيء والتمحيص والاختبار والدّحض والتصحيح ضمن سيرورة بناء الحقائق الوصفية التفسيري والتأويلية واستخدامها العَمَلي. سياقات المعتقدات الثانية، تلك التي تنمو وتترعرع غير خاضعة إلى العقلانية بالضرورة، تستدعي آليات مخيالية من الإيمان المُصَدِّقِ والتبنّي المُثْلِج صدرَ القَلِقِ ضمن سيرورة تشكل علاقة مخصوصة التعاضد بين مالك اليقين وأتباعه.

قد تشتغل هذه السيرورة الأخيرة على مسارات الأفراد والمجموعات والجماعات، سواءٌ أكانت تلك المسارات غرائزية ونفسانية أم تكوينية من ناحية المعرفة الخِبْرِيّة أم اجتماعية من ناحية الدّور والمنزلة. وقد تتوزع نتائج سيرورة المعتقدات المعيارية بين تصور واهم ووعي زائف وتمثل غير مطابق واهتداء مسكن للحيرة، لكنها في كل حالاتها تلك تتّبع سبيلا فيها مراتب مخصوصة من الإيمان يقف في أقصاها التعصّب. في هذه المرتبة يتعاطي المُؤْمِنُ-المُصَدِّقُ مع مواضيع إيمانه تصديقه من مكونات اعتقادية وأمارات إيمانية تعاطيا قد يذهب من الاقتناع بطريق لدني إلى الانجذاب الروحاني ليصل إلى القناعة الهذيانية مرورا بأنوار قد تنقذف في صدره حلما ورؤية ورؤيا.

ولا تتوقف نتائج ذلك على إمكانية انقسام ممالك الأفكار والمُثل المعرفية والاعتقادية إلى نصفيْن أحدهما وصفيّ تفسيري وثانيهما معياري اعتقادي، بل هي تشمل كذلك ما قد يكون بينهما من مناطق اشتراك وتداخل وتصريف وتعاوض كلّما أفسح الواحد فيهما شيئا من مجاله للآخر حسب السّياقات التاريخية والاجتماعية المختلفة. ولكن أهم ما تمتد إليه تلك النتائج ما تصل به إلى الأثر المباشر في عوالم الممارسة والفعل. ها هنا تكون المسافة الفاصلة بين تبرير الفعل وما يتأسس عليه من "الحق" شديدة القرب. ذلك أن المتعصب لمعتقداته المعيارية قادر، إذا ما احتاج إلى ذلك، على نسج خطاب "يعقلن" به تبريره لما يأتيه من أفعال تستند إلى المعايير التي يتعصب لها، تجاه وصم غير المعتقدين فيها لها باللاعقلانية. هاهنا، في المعنى التاريخي والاجتماعي، تُبنى عقلانيات الفعل المعيارية بحيث تجد نفسها في قلب النزاع الاجتماعي التاريخي بين تجسيدات متخالفة متقاطعة لقيم الحقّ والخير والجمال. ولكن من نتائج سيرورات بناء المعتقدات المعيارية كما تتجسد في تاريخ أنظمة الاعتقاد وفي جغرافيا تشكل الاجتماع الإنساني وعمرانه أنه ينفتح على بناء شرعيات سياسية واجتماعية وأخلاقية متباينة متخالفة، بما يحتمل الانقياد إلى حروب الكفر والردة والمروق والخروج والفتنة والهرطقة والتشكيك والخيانة والجاهليات الجديدة والمستعادة، يخوضها من يقدمون أنفسهم على أنهم مؤمنون، مُقيمون على اعتقادهم، حافظون للعهود وحفظة الدوغما وسدنة معابد منجزات الفكر مُجَسّدة في الأسس والقناعات والمسلمات المبدئية والمصادرات الأصلية الأساس.

وليس من الضروري طبعا أن تكون الدوغما المُتَعَصَّبُ لها مكتملة البناء في الفكر ومُصَنَّفَةً في تآليف واضحة المعالم تكشفها العلاماتُ وتنقلها جمل ونصوص معلومة تصقلها الألسن في المحاريب فتحوّلها إلى أوراد تُردّدُ ليتجدد الإيمان أو تستلُّ ليتم الردُّ على المناوئين، بل يمكن لها أن تسري في تلافيف التعاطي اليومي لمكونات الثقافات الجماهيرية المبثوثة في المرئيات والمسموعات والمقروآت من كل نوع وطينة، ماسّةً أكثر "ضحاياها" تعرضا لمخرجاتها لا الفكرية الثقافية فحسب بل وكذلك الاجتماعية والسياسية. وليس يتوقف ذلك على من يذهب وقودا لحروب التعصبات المختلفة بل يشمل كذلك مختلف أنواع القتل والتدمير بدءا من قتل العبارات مرورا باغتيال النفوس وصولا إلى الإبادة الثقافية لأنظمة العيش وللعادات والتقاليد والألسن والأديان وتراثات الإنسانية المعمارية والفنية والأدبية، بالتوازي مع التمادي غير الملجم في مسلسلات التسابق والتلاحق في ابتداع أسلحة الدمار الشامل.

ثمّة، من منظور تاريخ الذهنيات، قولٌ مفاده أن أكثر تلك المواجهات تخريبا وتدميرا ودموية هي ما كان العصر الحديث مسرحا له، باعتبار افتتاح الحداثة عصر اكتمال القدرة البشرية على بناء الأنظمة الاعتقادية الأكثر تخفّيًا وتلبُّسًا بما ليس فيها من جهة وتغلغلا إلى أعمق آليات التحكّم في الوجود الاجتماعي بمكوناته المادية وغير المادية من جهة ثانية. قد يكون أدنى ذلك هو أنظمة فبركة الإعلام وتوجيه الرأي العام والأجهزة الإيديولوجية الصانعة زيفَ الوعي بمختلف تنوعاتها وأحجامها وآليات اشتغالها، كما قد يكون أعظمه هو أنظمة صناعة المخاييل الاجتماعية الكبرى وباراديغمات الوجود الإنساني. وليس من شأن الأشكال الكاريكاتورية المصورة لذلك على هيئة مؤامرة كونية تحيكها حكومة عالمية ما أن تقلل من الأبعاد الكونية الأكثر فأكثر تأكّدا للصناعة الاجتماعية التاريخية للتعصّب. ولكن تلك الابعاد لا تلغي وجود حالات تاريخية واجتماعية مخصوصة قد تكون أكثر انفتاحا على اشتغال سريع وحاد وعميق وممتد لآليات صناعة التعصب وتجييشه. وليس من شأن أشكال الفوبيا الكاريكاتورية المصورة لذلك على أنه من الخصوصيات الجوهرية لثقافات وذهنيات وأديان ومذاهب وجماعات بعينها أن تقلل من أهمّية تعيين الجذور الثقافية والاجتماعية التاريخية للعنف تلك التي تكمن في كيفيات تملك المجتمعات لثقافاتها ودهنيات أهليها ومعتقداتهم.

من هذه الوجهة، وبالتركيز على أكثر الأمثلة العربية جدة وحداثة (العقود القريبة من أواخر القرن العشرين وأوائل القرن الذي يليه) نقترح تناول المسائل التالية:

  • مقارنات ومكافحات مفهومية ونظرية وفلسفية تُعنى بإشكاليات الاعتقاد والإيمان والتعصب وإقامة الحجة والبرهان في مختلف الأنظمة المعرفية.

  • تحاليل تاريخية للمسارات الداخلية والخارجية لتشكل آليات صناعة التعصب انطلاقا من جذوره الثقافية والاجتماعية التاريخية.

  • تحاليل سياسية وسوسيولوجية وأنتروبولجية لمَواضع الثقافي (الفكري، الديني، الإثني، الفني) وتحولات كيفيات صنعه- تملّكه.

المحور الرابع: التعدد والتعددية

على العموم، يمكن أخذ التعدد في معنى التكثر العددي أو المادي لغير المتشابه في حين قد تعني التعددية توفر موارد متنوعة وقابلة للاستخدام لدى غير المتشابهين للتأثير في وضع أسس تعايش بينهم بما يستلزمه ذلك من توافقات ومفاوضات وتنازلات متبادلة في اتجاه إيجاد حالة توازن. وعلى هذا، قد يتوجب التمييز بين التعدد بوصفه مجرد تكثّر للمختلف وبين التعددية بوصفها نظام ترتيب يُدْخَلُ بِوَعْيٍ وتَصْمِيمٍ على أشياء العالم وموجوداته وظواهره.

بهذا الفهم، تكون التعددية صناعة لها سياقات وفاعلون ذوو مواقع متباينة واستراتيجيات وموارد ... ففي المجال السياسي مثلا، وفي ما يهم المجتمعات الحديثة، اعتيد عدّ التعدّد ثم التعدّدية أساسا للدّيمقراطية في معنى توفر إمكانية إقامة توازن بين الحاكمين والمحكومين من حيث حيازة الأخيرين موارد مادية وغير مادية تسمح لهم بالتأسيس لسلطة (ات) مضادّة أو باجتراح خيارات أخرى، معارضة أو معترضة أو مختلفة عن خيارات السلطة القائمة. وفي المرور من التعدّد السّياسي، الذي قد يكون طبيعيا، إلى التعدّديّة السّياسيّة التي لا تكون إلا إنتاجا اجتماعيا تاريخيا، تَنْبَنِي جُمْلةٌ من الحقوق يمكن أن تشرّع دستوريا وقانونيا كما يمكن أن تنقام عرفيا وإجرائيا أو، على الأقل، ينفسح لها المجالُ بحيث تكون محلّ تنافسٍ بين قوى اجتماعيّة ذات برامج متباينة.

أما في غير السياسي، أي في الاقتصادي مثلا، يبدو التعدّد قاعدة أساسا في وجود سوق الخيرات المادية واستمراره مجالا حديثا يربط بين مستهلكين تفترض الكثير من تيارات العلوم الاقتصادية أنّهم أفرادٌ على تمام العلم باختلاف البضائع جودة وقيمةً، استعمالية و-أو تبادلية، وعلى تمام الحرّية في الاختيار بين تلك السّلع العديدة المتنوعة بما يُنْشِئُ نظامًا تراتبيا من التثمين والتبخيس يعاود إنتاج ذاته ويرسّخ توازنه من محض منطق العرض والطلب فيه. لا تشتغل تلك السوق من دون أزمات بالطبع، ولكنها حتى في حالات تأزمها، تظل قائمة على واحدة من قواعدها الرئيسة التي تجعل النظام الرأسمالي المعولم، وعلى الرغم من تماثله الظاهر، يعتمد على عدد عديد من أشكال الاستغلال ليست 'الحكومة العالمية' المفترض وجودها ضامنا لاستمرار ذلك الاستغلال إلا وكالة لإدارة تنوّعه المُتَكَثّر. وتلك 'وكالة' من سماتها أيضا تعدد أعراق أعضائها وأجناسهم وإثنياتهم ولغاتهم وأنظمتهم القيمية ومشاربهم الفكرية ضمن الليبرالية...

وفي غير السياسي كذلك، أعمق ما يكون التمييز بين مجرّد التعدّد والتعددية في المجال الثقافي. هاهنا تكون التعددية باعتبارها وجودا للمتنوع والمختلف والمتمايز لا وجودا متزامنا أو متجاورا أو متجايلا فحسب بل وجودا متفاعلا تتبادل فيه الموجودات التأثير والتأثر. وقد يمتدّ تجسّد ذلك من الأجيال أو حتى الأفواج العمرية المختلفة إلى مختلفي التكوين الدراسي ومتبايني التنشئة الاجتماعية ومتمايزي الانتماءات الإثنية والعرقية وصولا إلى مختلفي القناعات والرّؤى والسّلالم القيميّة والاعتباريّة، سواء أكانت خالصة في إيتيقيتها الأخلاقية أم متضمنة في أنظمة إيمانية واعتقادية وتقديسية أم دينية، بَسَمَاوِيِّهَا وأَرْضِيِّهَا، وغير دينية.

بمراجعة التواريخ الكونية الحديثة، يمكن اختزال كيفية إدارة تناقضات التعدّد في المجال السياسي في ما يعرف على العموم بأنه تأسيس للديمقراطية. ولكن تلك كيفيةٌ مغايرة لكيفية إدارة التعدّد الجنسي والعرقي والقيمي والثقافي والمعرفي... وهي كيفيّة لا تزال، راهنًا، تُراوح، في توتّر لا يستقرّ إلا ليفور من جديد، بين مقولات القبول المتنازل، وهندسات التسامح مع إظهار الاحترام أو من دونه، وسياسات التمييز الإيجابي، وفلسفات الاعتراف المتساوي والمتبادل خلال حقب السلم أو ما بعد الأزمات والنزاعات والمواجهات أو حقب الحروب الباردة وحامية الوطيس...

وبمراجعة التواريخ الكونية الحديثة مخصصة على تواريخ المعارف والثقافات في علاقتها بالتغيرات الاجتماعية والسياسية وعلى الأخص منها واقعةُ الاستعمار الأوروبي فالأمريكي الحديث والمعاصر لكافة أرجاء الكون تقريبا، يمكن التأكيد على ما شهدته التعددية الثقافية من المعاناة في مكابدة أثر التصوّرات التطورية، والمركزية، والعنصرية التي تلبّست بالعلوم الإنسانية والاجتماعية الحديثة. ويصحّ ذلك على الأخصّ إذا ما نظرنا إلى تلك العلوم من منظور تعاضد المعرفة والسلطة. ويعني ذلك في ما يعني أن ما يمكن أن يعدّ من أمضى الأسلحة في بناء أسس الانتقال الكوني المنشود من التعدّد إلى التعددية في المجال الثقافي على قاعدة التعارف الإنساني يمكن أن يكون هو ذاته معطوبا بنفس العلة التي يسعى إلى علاجها. كما يعني ذلك في ما يعني أن أمصال ذلك العلاج تُصنع من النسبية الحضارية، والنقد الثقافي، والفكر العلمي الإنساني والاجتماعي، في مُدَاوَاةٍ غايتها القصوى، بعيدة المدى ولا شك، هي القضاء على تلك العلة كما يُقْضَى على الأوبئة الفتاكة وعلى الأخص إذا كانت من النوع الذي تكمن جراثيم فواعيلها في سبات تفيق منه كلما جيّشتها عوامل الاقتصاد والاجتماع والسياسة والثقافة.

ولكن هذا البعد الكوني، لا يحجب التحول الاستراتيجي الهائل الذي طرأ على فهم التعددية الثقافية خلال العقود الثلاث الأخيرة من القرن العشرين مجسدا في تنامي الفعالية الوصفية والتفسيرية والتأويلية للمنظور ما بين الثقافي مطبقا على داخل الثقافات القومية والوطنية. فإلى وقت قريب، كان يُعتقَد في 'تجانس' تلك الثقافات القومية والوطنية في معنى طمسها للتعدد المتنوع المزركش لمكوّناتها الإثنية واللغوية والمذهبية والدينية والاجتماعية والجندرية. لكن، وعلى الرغم من 'إنجازات' الدولة العربية ما بعد الاستعمارية في هذا المضمار على امتداد النصف الثاني من القرن العشرين مثلا، ظلّت مختلف التوازنات القائمة على الطمس الواعي والمبرمج للتنوع الثقافي داخل الثقافة العربية، تنبئ عن عجزٍ فادحٍ في الانتقال من حالة التعدّد القائم "طبيعيا' إلى حالة التعددية المُدارة على أساس الاعتراف بالتنوّع أساسا لا عَرَضًا. لسياقات العولمة بوصفها افتتاحا لزمن الذاتيات الثقافية الواعية بذاتها والقائلة وعيها ذاك دور كبير في ما تشهده حال تلك التوازنات العربية المعاصرة من انقلاب، ولكن، وبالتوازي مع ذلك، ليس من الصدفة أن تمنح السياقات السياسية والاجتماعية والثقافية العربية الجارية منذ خمس سنوات على الأقل فرصا أكبر لبروز آثار العجز عن الانتقال من التعدد إلى التعددية الذي إليه أشرنا. موجعةٌ هي تلك الآثار وأليمةٌ ومفزعة أحيانا كثيرة، وعلى الأخص في إطلالها على مدارات التفتّت الأهليّ المُتَحَارِب المُهْلِكِ، ولكنها في كل حالاتها تلك تنبئ عن ضرورة إعادة فتح النقاش في التعدد والتعددية من جديد، في سياق ما تشهده أسس التشكل المتجدد للأمة من تجدّد تاريخي.

من هذه الوجهة، وبالتركيز على أكثر الأمثلة العربية جدّة وحداثة (العقود القريبة من أواخر القرن العشرين وأوائل القرن الذي يليه) نقترح تناول المسائل التالية:

  • مقارنات ومكافحات مفهومية ونظرية وفلسفية تُعنى بإشكاليات التعدد والتنوع والتعددية ومختلف العناوين ذات الصلة في الأنظمة المعرفية المختلفة.

  • تحاليل تاريخية للمسارات الداخلية والخارجية لتشكل آليات إدارة التعدد والتعددية في الاقتصاد والاجتماع والسياسة والثقافة....

  • تحاليل سياسية وسوسيولوجية وأنتروبولجية لمَواضع الثقافي (الفكري، الديني، الإثني، الفني) في تلك الآليات وتحولات كيفيات صنعها وإعادة صنعها وإدارتهما.

المحور الخامس: الدولة والعنف والمجتمع الأهلي

من بين نتائج ما تشهده الرقعة الجغرافية العربية منذ نهايات سنة 2010 استحالاتٌ عميقة وسريعة وحادة أحيانا كثيرة في العلاقات بين مختلف المؤسّسات والبنى والكيانات الاجتماعية. وقد أدّى ذلك في أحايين كثيرة إلى إعادة صياغة العديد من الصلات الاجتماعية بين الأفراد وذواتهم وبين الأفراد والأفراد وبين هؤلاء والمجموعات وفي ما بين المجموعات وبين المجموعات والمؤسسات إلخ. ويعني ذلك في ما يعني أن العلاقات بين الدولة والمجتمع الأهلي والمجتمع المدني مسّها التحوير، عميقا إلى هذا الحد أو ذاك. إنّ النزاعات التي تمحورت حول شكل الدولة العربية وأساسها القانوني الدستوري وكذا حول صياغتها علاقاتها بمنظوريها المحكومين وبمجال ممارستها لنفوذها... تلك التي اندلعت بقوة وحماسة وصلت حد الحرب الأهلية في غير ما قطر عربي تنبئ عن البعض من أعماق ذلك التحوير. ويترافق ذلك في الكثير من الأحيان إن لم يكن منفعلا به، مع تحوير آخر في علاقة الدولة تشكيلا وجهازا ومهام بمحيطها الجهوي (المغربي أو الخليجي مثلا) والإقليمي (العربي عامة) والدولي (الإسلامي أو القاري أو الأممي).

وليست تقتصر أمثلة ذلك على مجرّد ما أجابت عليه بعض الصياغات الدستورية العربية الجديدة أو المجددة بما وسّع الحريات مثلا، أو أعاد تعريف كيفية إدارة الثورة الوطنية، في علاقة بمختلف خطوط الصدع الاجتماعي بين الأجيال والجهات والنوعين الاجتماعيين والأصناف المهنية والفئات الاجتماعية. كما لا تقتصر على إعادة محورة الفعل السياسي حول إمكانيات أوسع للمشاركة السياسية فحسب بل تشمل أيضا إعادة تشكيل العلاقة مع مكامن أخرى للسلطة المنبثة في تلافيف المجتمع، وبما فيها نواتات السلطة المضادة. وتتجسّد تلك المكامن في كل موقع لم تعد الدولة العربية المعاصرة قادرة فيه على الاحتواء أو التوجيه أو حتى الاستجابة إلى مطالب منتمين إلى أشكال انتظام اجتماعي تقليدية مثل القبيلة أو العشيرة أو المحلة الصغرى أو الطائفة أو المذهب أو الدين (غير الدين الأغلبي السائد)، أو منتسبين إلى أشكال انتظام اجتماعي مبتدعة مثل الجمعية والمنظمة والرابطة والنادي.

إن ما تحتويه تلك المكامن من سلطة منبثة في تلافيف المجتمع، مجموعات وجماعات قد تتطابق، وقد لا تتطابق، في مسرح وجودها مع الحدود السياسية الإدارية التي تضعها سلطة التدبير السياسي في سياق تحديد مجال نفوذها ومراجعته لإعادة تقسيم تخومه الجماعاتية (المصلحية، القرابية، الإثنية، اللغوية، الدينية، المذهبية، ...). وليس من النافل إيلاء الانتباه في غضون النظر في ذلك إلى تظافر العوامل الداخلية والخارجية في تشكيل مكامن أخرى للسلطة المنبثة في تلافيف المجتمع تتأسس على أسواق عدة متزايدة الاتساع والتغيّر (سوق العمل، سوق الاتجار، سوق المبادرة، سوق الاستثمار، سوق الادخار، سوق العمل الخيري، سوق التكنولوجيا، سوق المعرفة، سوق الفرص السياسية، سوق النخب المحلية، سوق النخب الوطنية، سوق النخب العابرة للحدود ...).

في كل تلك المكامن مكونات المجتمع غير مُدَوْلَنِ العلاقات والآليات وأنماط الاشتغال، بما يجعله أهليا، مصنوعا من نسيج صلات أشكال الانتظام الاجتماعي التقليدية أو مدنيا مصنوعا من نسيج الانتظام الجمعوي حر الانتساب والنشاط والحركة. وفي هذا تعقيدات كثيرة منها ما يتصل بإعادة تشكيل علاقة الدولة العربية المعاصرة بمنظوريها، فرادى وجماعات ومنها ما يتعلق بإعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية عامة. وبالنظر إلى العمق التاريخي الذي يمكن أن تستند إليه مراجعات المفاهيم ذات الصلة وتجسيداتها الممكنة تاريخيا واجتماعيا، يتوجب النظر إلى هذا المجتمع غير مدولن العلاقات والآليات وأنماط لاشتغال في تجسداته المحلية والوطنية والإقليمية (المنظمات الخيرية الإسلامية مثلا) وكذا الدولية (المنظمات الإنسانية الدولية) من ناحية، وفي قدراته التنظيمية (ومنها التشبيكية) واللوجستية والمالية (ومنها التشغيلية) والرقابية (ومنها التمكينية) والإعلامية والعائدة إلى اللوبيات النافذة (ومنها ما يتصل بتشكيل ملامح قيادات المعارضة المدنية) من ناحية ثانية، وفي علاقاته بالأفراد والمجموعات والأجهزة والمؤسسات من ناحية ثالثة... ولهذه الناحية الأخيرة أهمية من حيث كونها قد تجد لها منفذا نحو التوافق الاستراتيجي إلى هذا الحد أو ذاك مع الفراغات التي قد تخلي لها فيها مجالَ الحركةِ مظاهرُ متعدّدة ومتكاثرة لضعف الدولة العربية المعاصرة عن الاضطلاع بمهامها والاستجابة لما يرتفع منها إليها من مطالب أو تجابه به من احتجاجات. في تشكلها الأهلي و-أو المدني وغير الحكومي، يختلف حال تكوين تلك القدرات وتثمينها وتطويرها ووضعها موضع الفعل بين الانبثاق من تحت بمبادرات شبابية أو نسوية أو مهنية أو... والنزول من فوق بمبادرات يتزاوج فيها ما هو للدولة وما هو للجمعيات العابرة للحدود وما هو لأذرع المنظمات القارية أو الدولية.

قد يكون هذا مدخلا من مداخل إعادة صياغة العلاقة بين الدولة العربية المعاصرة وكل المجتمع(ات) غير مُدَوْلَنة العلاقات والآليات وأنماط الاشتغال من منظور مسألة العنف. فعلى اعتبار الدولة، في أحد وجوهها الحديثة على الأقل، تأسيسا لتعاقد غير عنيف أو مُمَدِّنٍ للعنف من خلال معالجة مكامنه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية عبر تحكيم الوازع الدستوري الرادع أو من خلال احتكار ممارسة العنف المنظم، وعلى اعتبار العنف شكلا من أشكال التصرف في النزاعات الفردية والجماعية والمؤسسية، يمكن أن تكون كل إعادات صياغة مختلف العلاقات والصلات التي أتينا عليها مبعثا لتصاعد موجات من العنف ممتدة وموجعة وفادحة إلى هذا الحد أو ذاك أو مُعَدِّلاً له. وما وقائع التحوّلات الاجتماعية والسياسية التاريخية التي شهدتها دول الرقعة الجغرافية العربية ومجتمعاتها إلا مصداقا لهذه المراوحة بين التصاعد والتعديل.

من هذه الوجهة، وبالتركيز على أكثر الأمثلة العربية جدة وحداثة (العقود القريبة من أواخر القرن العشرين وأوائل القرن الذي يليه) نقترح تناول المسائل التالية:

  • مقارنات ومكافحات مفهومية ونظرية وفلسفية تُعنى بإشكاليات الدولة، العنف، المجتمع المدني، المجتمع الأهلي.

  • تحاليل تاريخية للمسارات الداخلية والخارجية لتشكيل علاقات الدولة بالمجتمع وحلها وإعادة تشكيلها وموقع العنف منها.

  • تحاليل سياسية وسوسيولوجية وأنتروبولجية لمَواضع الثقافي (الفكري، الديني، الإثني، الفني) وتحولاتها في سياقات تشكيل علاقات الدولة بالمجتمع.

 

 

* آخر موعد لاستلام استمارات المشاركة: 23 يونيو 2017.

* آخر موعد لاستقبال البحوث المشاركة: 30 أكتوبر2017.