المدخل التأويلي

يمكننا أن نجمل تاريخ العنف في مروره من طور العنف علامةً إلى طور العنف عالماً وكياناً وواقعاً لا يعبّر عن شيء، أو هو لا يعبّر بعدُ عن شيء، بقدر ما هو "الشيء نفسه "، هذا الشيء الذي "يملأ الدنيا" ولا يترك للعلامة وضع التوسُّط التقليدي في نظريَّة الدلالة، لأنَّه "الوجود - الذي - في - وضع" [L’être-en-situation]، ولأنَّ الوجود - الذي - في - وضع عسيرُ النطق عن كيانه [L’être-en-situation s’exprime difficilement sur son existence].

ولكنَّ التناول التأويليّ لأيّ نصّ أو ظاهرة أو حدث يفترض هذا التوسُّط، ويعيّن اللغة سياقاً وأداة له. كيف يمكننا إذن، حيال حدثٍ لا يكون إلا بتمنّع عن "الوساطة الدّلالية اللغويَّة"، بل هو لا يكون إلا بقطعها، أن نستدرجه إلى خطاب يفترض الدلالة ويفترض اللغة؟ ذلك أنَّ العنف قد اخترق نموذج العبارة وخرج عن "قانون التأويل" بما هو قول شيء عن شيء. لم يعد ثمَّة خطاب عنف يستوفي العنف. وعوضاً من هذا "الخطاب" يقوم بيننا اليوم "حدث" العنف.

حدث لم يعد يطرق أفق الكلمة ليُوسِّطها ولا أفق المعنى ليعبّر عنه بالكلمة، بقدر ما بات يطرق باب اللَّامعنى من خلال التدمير والنفي والموت، وباب الانفعال: صراخاً، وخوفاً، وزعق انتقام وتنكيل، وانتصاباً مباشراً للوجه المتجهم للأرباب: إنَّه إذن حضور الرهيب.

إنَّ هذا الوضع الذي يمكننا اعتباره ضرباً من "العجز التأويلي" [un déficit herméneutique] هو أشبه بطغيان الظّاهرة على المعنى. لقد ألفنا الفاعليَّة التأويليَّة صادرةً عن فيضان المعنى على الكلمة، ورابيةً على قدر ذلك الفيضان. ولكنَّنا اليوم أمام فيضان للظاهرة على المعنى. وليس ذلك مجرَّد فقدان للمعنى من قبيل الفقدان الذي تنذر به فلسفات العبث مثلاً أو ريبيات هذا الزمان المختلفة، وإنَّما هو فقدان من طبيعة مختلفة بات يتعين علينا اليوم تحديدها: ما طبيعة الفقد الدلالي الذي ينتمي إليه العنف؟

إنَّ معالجة مثل هذه الإشكاليَّة تقتضي أن ننطلق من فهم الظاهرة، وهو ما يعني استرجاعها إلى دائرة المعنى. ومهما أردنا أن نجدّد في هذا الباب فإنَّ المدخل إليه لا يمكن أن يكون إلا رصد الاسترجاعات التأويليَّة للعنف: "فنحن لا نستوفي أبداً مشهد العنف عندما نستكشف إمبراطوريته" [ريكور، التَّاريخ والحقيقة، القسم الثاني، الفصل الثالث].

هل نحن بحاجة، في ما ننشده من الفهم، إلى سيكولوجيا للعنف؟ إنَّ احترازنا على هذه السيكولوجيا هو أنَّها قد لا تتجاوز، كما لاحظ ريكور، حدود سيكولوجيا "الألم واللذة"، أو "الدعة والسعادة"، مهمِلة غياهب "الغضبيَّات"، ونزوات "ركوب المخاطر"، وإرادة "الانتشار" و"التغلّب" و"المنازلة"، و"غرائز الموت"، وقوى "التدمير"، و"شهوة الكارثة" ...؟ [راجع ريكور، المصدر هو هو، المعطيات هي هي]. ربما كان علينا، كما يقول، أن نستبدل بهذه السيكولوجيا "فيزيولوجيا للعنف": أين، وفي أيّ المناطق من الوعي، أو ممَّا تحت الوعي، أين، وفي أيّ الأطراف، من الأحشاء والأعصاب، ينبغي علينا أن نجد خيط الفهم الممكن لهذا الغول الذي تستفزّه بغير واسطة ولا تقدير، وبضرب من الربط المباشر، أحداث الشارع التي تلهب الدواخل، وتفجّر كظائمها بغير مقاومة؟

إنَّ هذه الأسئلة لا تخاطب، ولا ينبغي لها، أن تخاطب الفيزيولوجي فينا، بقدر ما ينبغي عليها خاصَّة أن تحلل كيمياء التحوُّل التي يتمُّ بها سبك انفعالات العنف الرهيب تلك، وصهرها، ضمن أعتى المطلقات: الانتصار للخير، أو للعدل، أو للحق، أو للنفس، تلك المطلقات التي تلحق بها آليَّاً صفات الحقيقي: فالعدل فيها سيكون هو العدل الحقيقي، والخير فيها سيكون هو الخير الحقيقي،... إلخ.

كيف يمكن أن نفسّر أنَّ سلميَّة الروح التي تلازم كلَّ إيمان، وأنَّ سكينتها وطمأنينتها اللتين تلازمان كلَّ تلفّت "إبراهيمي" نحو السماء، تتفجَّر كلها، على أحزمة الموت العنيف والمتعدّي، على أحراف الجسد وحروفه: ما الذي يفسّر اضمحلال الرُّوح أمام الحرف؟ واستقرار نفخ الحياة الجارف في الموت، وتلاشي المعنى أمام اللّفظ؟ [انظر: جان مارك غوتيي ...]

فكأنَما لا يسعنا ولا يتّسع لنا إلا الرُّوح، وكأنَّما لا ينفينا ولا يضيق عنَّا إلا الحرف.

أسئلة ممكنة:

ما هي تكاليف الاسترجاع التأويلي للعنف؟ وما هي إمكانياته؟ إلى أيّ مدى يمكننا أن ننطق وفق منطق المعنى مشهديَّة العنف؟ هل هناك عنف في الفكر؟

ما العنف؟ هل هو الفعل العنيف؟ هل هو انعدام السلم كإنذار بالعنف[هوبز؟] أين يتمظهر العنف؟ وكيف يتمظهر؟ ماذا عن العنف الرمزي؟

إلى أي موضع ينبغي توجيه الفحص عن العنف: الدين؟ الاعتقاد؟ العلاقة الاجتماعيَّة؟ التاريخ؟ السياسة؟

ضمن أيّ رمزانيَّة يمكننا أن نحصّل توصيف الفعل العنيف؟ رمزانيَّة الشرّ؟ رمزانيَّة الموت؟ رمزانيَّة المقدَّس؟ تحليليَّة الفعل والدوافع؟ تحليليَّة المسؤوليات والتواطؤات؟ ثيولوجيا العنف؟ أخيريَّات العنف؟ ...

أيَّة تأويليَّة للعنف؟ ومن أي طرف يمكننا أن نتناولها: من وجة نظر العنيف؟ من وجهة نظر الضحيَّة؟ أي إمكان لتحليليَّة فينومينولوجيَّة للعنف؟

    محورالعنف والإرهاب.

    كيف يمكن فهم الإرهاب؟ قد لا يتعلّق الأمر بتحليله وتفكيك عناصره وآلياته بقدر ما يتعلق بتوظيف كل ذلك من أجل إدارك معناه ... كيف يمكن إدارك الإرهاب كتحوّل من تحوّلات العنف الإنساني تجاه العالم ؟ أليست تحوّلات العالم التي تجري أمامنا هي التي تولّد الإرهاب كحالة قصوى وأخيرة من نفي العالم ومن عدمية الكيان ؟بأي معنى يمكننا أن نتحدث عن تاريخ للإرهاب : تاريخ يصوّر أدواته وسائله ؟ تاريخ يسرد أفكاره وإيديولوجياته ؟ تاريخ يرتّب مفاعيله وآثاره ؟

    ألا ينبغي على غرار ما تفعله عديد التّنظيرات أن نميز في تاريخ الإرهاب  بين فترتين تمتد أولاهما من "ما قبل" تاريخه إلى 11 أكتوبر وتبدا ثانيتها مع 11 أكتوبر. حدسنا الذي لا بد من اختباره هو أن تاريخ الإرهاب يحتمل لحد اليوم فترة ثالثة يمكن أن نعينها ببداية التفجيرات الإرهابية داخل البلدان الإسلامية .. ما الذي يبرر ذلك ؟ أي وجه يتخذه الإرهاب بهذا المنعطف الجديد ؟

    ثمة كثير من الأسئلة يمكننا طرحها على الإرهاب : فهي الأسئلة الأخلاقية والإيثيقية التي تمكّن من تمييز ما فيه  من العنف من جهة القضية التي يخدمها .. وهي الأسئلة السياسية التي يطرحها الإرهاب من جهة ادعائه قضية وطنية ليس من المؤكد أنه يخدمها، أو انتمائه إلى تقليد حضاريىذي دعوى كونية يريد تحويل نمط وجود العالم لأنه يعتبر ذلك التحويل العنيف إرضاء لمتعال ما  .. ما طبيعة العلاقة التي تربط بين الإرهاب والمعتقد، والدين ؟

    هل من المؤكد أن الإرهاب يريد الانتصار وتغيير العالم ؟ ألم يصبح من الواضح أن الإرهابي لا يطمع إلا في نصر أخروي؟ إن مثل هذا التحول هو الذي يمكن من خلاله تعيين علامات الفترة الجديدة التي يمكن أن نؤرخها داخل تاريخ الإرهاب : الإرهاب المرجئ : هذا هو اليوم الإرهاب الذي أصبحنا نراه ونعايشه يوميا : إنه أقصى درجات الممارسة العدمية لأن إرجاءه قد حوله إلى ممارسة نافية وواعية بنفسها كمجرد مراوحة على النفي.

    كيف يمكن تقييم التشخيص الغربي للإرهاب ؟دريدا، هابرماس، بودريار، أغامبن، ريكور .. هل الإرهاب هو فقط تمرّد الغيرية المتفرّدة [الإسلامية]  على شمولية التجانس الثّقافي الغربي الذي تحمله العولمة الهاجمة.

    الإرهاب هو  العدوّ الذي هاجم الغرب وأراد تدميره. ولذلك لم يتمثّله الفكر الغربي إلاّ في حدود هذه العداوة، ولم يفكّر فيه إلا من جهة ما أصابه منه : هو لم يتمثّله إلا من جهة ما هو حمولة ثقافة "أجنبية" عليه، مواجِهة له، ولذلك لم يعالجه إلا من جهة ما يَلزمه من حلول المجابهة، والردّ، والحماية الذاتية، والعلاج الاستباقي أو الوقائي. هو، منذ 11 أكتوبر  لميتمثّله إلا من جهة ما هو عرضُ مرضٍ ذاتيّ المناعة، أي من جهة ما هو يغادر نموذج الحملة الخارجية، ليستقرّ ضمن حدث الضربة التي  تلعب دور"النيابة الذاتية" عن العدوان الخارجي : فكأنما الغرب هو الذي وجّه لنفسه ضربة الإرهاب، بل كأنما الإرهاب إفراز غربي ذاتي. ولكنها ضربةٌ "حدثٌ"، وليست نسق ضرب مستقرّا  : إنها ضربة وليست حربا، ولذلك فهي في ما استتبّ من ركود التّاريخ، وانبساطه غيابا للحدث، ولا سيما الحدث اللافت، حدثُ الأحداث، أو الحدث الكبير، بل الأكبر. إنها "الصّاعقة"، و"القعقعة"، و"الزّلزال".

    ما الذي نحتاجه في مقاربة الإرهاب ؟ عناصر التفسير الإرجاعية أم عناصر الفهم التأويلية ؟ فيم تتمثل ذهنية الإرهاب ؟ وهل يكفي لفهمها أن نحددها ضمن منطق العنف الداهم والكاسر دون إنذار ؟ هل بغتية الإرهاب،وعدم قابلية توقّعه، هي جوهره ؟هل الإرهاب هو فقط الحدث المترصد للهجوم من كل حين ؟أليس هو التراكم القديم الذي يتعسر فهمه على قدر تراكم طبقات المعنى المنسية وتغاليفالرموز  الداعية للتفكير ؟

    قد يجب إقامة علم كامل لرمزية الإرهاب : قد يجب إقامة "رمزانية للإرهاب" على غرار رمزانية الشرّ  الريكورية : قد يجب أن نطرح السؤال على أنفسنا كما طرحه غيرنا على نفسه : ما الذي يبرر حدث الإرهاب وحدوثه للفلسفة ؟ حدثه وحدوثه للمعنى .. لا شك أنّ  تحليلية الإرهاب التي تفسر الإرهاب  مطلوبة جدا .. ولكن لا شك كذلك أن تأويليته التي تريد فك رمزيته أعني إحالة علاماته على معنى لا يظهر، وليس بديهيا، وليس قابلا للعقلنة الكلاسيكية ، لا شك أن هذه التأويلية قد باتت اليوم راهنة أكثر من أي وقت آخر...

    * آخر موعد لاستلام استمارات المشاركة: 23 يونيو 2017.

    * آخر موعد لاستقبال البحوث المشاركة: 30 أكتوبر2017.