مدخل التصوُّف والعنف

تحفل أدبيات الصوفيَّة باستنكار العنف ورفضه أيَّاً كان مصدره، وحتَّى قراءتهم للنصوص المتضمنة لكلام على القتال أو الضرب أو العذاب... تدفع عبر التأويل في اتجاه نبذ العنف وتوجيهه وجهة التربية والتعديل والإصلاح والرياضة، أو تفصل بين منطق العلم ومنطق السر أو بين الفقه والعرفان أو الظاهر والباطن... ولكنَّ أخبارهم ومقالاتهم تشرعه في وضعيات ومقامات مختلفة سواء كان ذلك في علاقة بالذات الفرديَّة أو بسياقات جماعيَّة. فالصوفي في سلوكه يبيح لنفسه ممارسة أشكال مختلفة من العنف في صلة بنفسه وجسده مثلاً، ويتبنَّى مقولة "الجهاد" فيشارك في مواجهات مسلحة قد تكون مع عدو أو سلطان... بل يختار الرباط وينأى عن دنيا الناس ليحمي الثغور ويحفظ نفسه باختبارها المستمر وإخضاعها لأشكال من التربية لا تخلو من شدَّة وقسوة. فالعنف في أدبيَّات الصوفيَّة له مساران مختلفان: أحدهما يمارس على الذات، وثانيهما موجَّه ضدَّ الآخر المختلف دينياً بالأساس والمستعدي للمسلمين. وقد يتوقف مثل هذا السلوك في مرحلة ما، يرى الصوفي أنَّه فيها تجاوز عتبة الرياضة والمجاهدة وترقى في المقامات والأحوال فبلغ مرتبة لم يعد للعنف فيها معنى أو دور في صلته بذاته بعد أن تملكه الحب وأضحى عقيدته وموجهه. وههنا قد نظفر بحضور مختلف للعنف يلج من بوابة المتخيّل، ففي بعض أدعية الصوفيَّة الموجهة نحو عدو ما نعثر على صور كثيرة تبين عن تمثل الصوفي لمصير هذا العدو وأشكال التفوُّق عليه ودحره أو سحقه والتخلص من شرّه. فيكون العنف المتخيّل ههنا حاملاً لمعنى العدالة الربانيَّة التي انتصر فيها الله للخاصَّة من خلقه ممَّن اصطفاهم وقرَّبهم إليه.

إنَّ العنف، وإن غيّب في مقالات الصوفيَّة واستهجن، فإنَّه لم يمنع من محاولة فهمه والبحث في دوافعه وسبل التصدّي له وتوجيهه. لذا لا نستغرب خوض الصوفيَّة في مقامات مختلفة في موضوع العنف واستحضارهم له وتبرؤهم منه. ومع ذلك نجد اليوم في بعض الممارسات الطرقيَّة احتفاء بالعنف ودعوة إليه باسم الكرامة والخوارق، ونلاحظ إقبالاً عليه إلى درجة يكاد يصبح معها ثقافة يتعلمها المريدون وينتصب المشايخ لتلقينها وتدريب طالبيها عليها. بل صار هذا الإقبال عادة استشرت حتى بين عموم الناس، فعنف بعض طقوس الطريقة "العيساويَّة" مثلاً بات مألوفاً مطلوباً في تظاهرات ثقافيَّة وحفلات خاصَّة وعامَّة...، وهو ما يدعو إلى البحث في ظاهرة العنف في أوساط الصوفيَّة ودلالاتها، سواء من خلال النظر في نصوصهم أو متابعة سلوكهم من زاوية اجتماعيَّة ونفسيَّة وتاريخيَّة وجماليَّة وأنتروبولوجيَّة.

ففيمَ تتجلّى أشكال ممارسة العنف في طقوس التصوُّف وسلوكه؟ وما حقيقة موقفه منه؟ وما دوافعه؟ وما طبيعة رؤيته له؟ ولماذا يتصور العنف خاصَّة في علاقة بالجسد والنفس أو الغريزة؟ وهل التصوُّف فعلاً قادر على أن يكون علاجاً للعنف وحلَّاً من حلول تلافيه؟

لتناول هذه الإشكاليَّات وغيرها، يمكن البحث في المحاور التالية:

  • مستويات العنف في الخطاب الصوفي (وينظر في العنف من جوانب عدَّة: في علاقته بالذات وبالآخر الفردي والجماعي، العنف السياسي، العنف العقائدي، العنف المتخيّل، العنف فنَّاً، العنف المشروع والعنف المنكر...).

  • مرجعيَّات العنف في المتخيّل الصوفي (ويهتم بتأويل الصوفيَّة للنصّ القرآني والحديث النَّبوي وبعض الأقوال المأثورة عن الصحابة أو التابعين أو شيوخ التصوُّف، تحديداً ما ورد فيها كلام عن القتال والضرب والعقاب البدني أو الاضطهاد، فضلاً عن تناول مفاهيم الرغبة والتخلية والتحلية والعداوة...، والبحث في الأطراف المستهدفة بالعنف وأشكاله لتبين الخلفيَّة المعرفيَّة المحركة لفهم الصوفيَّة للعنف سواء في نظرتهم للطبيعة عامَّة أو الطبيعة البشريَّة على وجه التخصيص، أو كذلك رؤيتهم لصلة الفرد بالجماعة...).

  • العنف والمحبَّة الصوفيَّة (كيف يكون العنف سبيلاً لتقوية المحبَّة ودعمها، وكيف تكون المحبَّة دافعاً للعنف ومبرراً له؟ وهل يمكن أن تكون المحبَّة حلَّاً لمواجهة العنف وتلافيه؟ ومن ثمَّ هل يمكن للتصوُّف أن يشكّل اليوم حصناً يقي من التطرُّف والعنف والكراهية والتعصُّب، ويكرّس ثقافة التسامح والتواصل والمحبَّة)؟

* آخر موعد لاستلام استمارات المشاركة: 23 يونيو 2017.

* آخر موعد لاستقبال البحوث المشاركة: 30 أكتوبر2017.