مشروع بحثي عن التطرف الديني

نظراً لما تشهده الساحة العربيَّة والإسلاميّة من اضطراب سياسي واجتماعي، ترافقه مظاهر فوضى فكريَّة وتنظيريَّة تتَّسم باستسهال قراءة هذا المشهد المعقد بتبسيط يؤدّي إلى تضليل الإنسان وإرباك توجُّهاته وقدرته في الحكم على الأشياء والأفكار؛ ممَّا يزيد من سيولة الفوضى، ويدفع نحو استساغة الأفكار الأيديولوجيَّة ذات الطبيعة المحدَّدة والمغلقة التي تقفز فوق الواقع وحقائقه الموضوعيَّة. فالمشهد الحالي مزدحم بالأفكار المتناطحة الإقصائيَّة، التي تثير زوابع تفكيك المجتمعات وتفتيت مقوّمات الوجود والهويَّة، وتعمّق الأزمات السياسيَّة والاقتصاديَّة. والدول العربيَّة وأنظمتها السياسيَّة أصبحت رخوة بما يكفي لسهولة اختراقها واختطاف إرادتها، ودفعها نحو مزيد من الفشل واللَّااستقرار.

ويأتي على رأس هذا المشهد الفكري والثقافي الفوضوي، التنظيرات والتحليلات والدراسات التي تشتغل على قضايا التطرُّف والإرهاب، وما يرتبط بها من مسائل كالتسامح والتعدديَّة والمواطنة والهويَّة.

من أجل ذلك قرَّرت مؤسّسة "مؤمنون بلا حدود" أن توجّه خطّتها البحثيَّة والدراسيَّة للعام القادم لدراسة هذه المواضيع، مستفيدة من خبرتها في مجال إدارة البحوث وشبكة الباحثين المرتبطين بها، وقدرتها التخطيطيَّة والترويجيَّة.

وتهدف الخطّة البحثيَّة إلى تناول المواضيع المتعلقة بالإرهاب والتطرُّف، من خلال مداخل معرفيَّة متعدّدة؛ كالدراسات الدينيَّة والسوسيولوجيَّة والأنثروبولوجيَّة والفلسفيَّة والسياسيَّة والتاريخيَّة.

وهدف هذه الدراسات هو تفكيك تلك الظواهر، والكشف عن مسبّباتها، وميكانيزمات قوَّتها وتفشيها في بنية المجتمع، وصلتها بالقيم والأخلاق المكتسبة من التنشئة الاجتماعيَّة، سواء في مناهج التعليم أو الخطاب الدّيني السائد الرسمي أو الحركي، أوالخطاب الثقافي بشكل عام، وتأثيرات العولمة والحداثة وما بعدها، والإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي... إلخ.

والمشهد الحالي يبيّن حضوراً مرتبكاً ومتناقضاً للدّين في المجال العام، وذو سيولة تأويليَّة تفسح المجال أمام التأويلات المتطرّفة الانتقائيَّة والمجتزأة من سياقاتها، أو تلك التي كتبت على هامش النص. وتشتغل على إبرازها كمفاتيح أوليَّة ومؤسّسة لفهم غايات الدّين ورسالته، وتدفن تحت مظانّها وجزئياتها الرسالة الإنسانيَّة المنفتحة للدّين على كافة الثقافات والأديان والتلوينات الاجتماعيَّة.

ويعاين المطلع على ما تروّجه أدبيات الجماعات الجهاديَّة، إبراز الجهاد (قتال وقتل) كمبدأ مؤسّس للإسلام الذي يستمدُّ معناه ووجوده من وجود الجماعة واستمراريتها، والتكفير كمحدّد لهويَّة الجماعة المتمايزة عن البشريَّة، والعنف كفلسفة ورؤية للقوَّة وإثبات الوجود. وبالرغم من ضآلة وسطحيَّة هذه الأفكار، فإنَّ السؤال لا يتوجَّه نحوها مباشرة بقدر توجُّهه نحو أسباب رواجها وانتشارها، والتربة التي تستمدُّ منها قوَّتها، ونعني هنا تلك العلاقة الملتبسة بين الدّيني والسياسي، بين الدّين والدولة والمواطنة، وزجّ الدّين بلا هوادة في الصراعات السياسيَّة، واختطاف مفاهيمه ابتغاء الترويج لمشاريع سياسيَّة؛ كمفاهيم الخلافة والحاكميَّة ودار الحرب والسلم والجاهليَّة والكفر والجهاد والجماعة والأمَّة...إلخ.

كما تهدف الخطَّة البحثيَّة من خلال أسئلتها إلى الكشف عن العوامل الأخرى الخارجيَّة الدافعة، التي تشكّل تربة خصبة لتفشّي هذه الظواهر. كفشل الخطط التنمويَّة، والتعاطي السياسي الغربي وتدخُّلاته في المنطقة العربيَّة، والصرعات والحروب التي تفتك بمجتمعاتنا، ورهانات الهيمنة المباشرة عسكرياً أو سياسياً، أو تلك التي تأتينا تحت شعارات الحداثة والعولمة ودمقرطة المجتمعات، وخلفياتها الفلسفيَّة غير المحايدة والمتحيّزة، وكذلك الاختزال التنظيري المسيس المقصود أو غير المقصود القاصر عن فهم مجتمعاتنا، والكابح في عمقه لأشكال التعدُّد والتنوُّع الثقافي والاجتماعي.

كما ستكشف الخطَّة البحثيَّة في مفاصلها الدراسيَّة عن جوهر القيم والأخلاق والمبادئ الدينيَّة المناهضة لأفكار التطرُّف والعنف والإقصاء، والمؤسَّسة في جوهرها للتعدُّد والتنوُّع الديني والثقافي، الذي يقوم على التعارف ومكارم الأخلاق واللَّاإكراه. وميكانزمات الدفاع في القرآن كنصٍّ مطلق لا يستجيب للاستخدام المبتذل المتطرّف والإقصائي.

إنَّ الناظر إلى فكرة التطرُّف يرى في عمقها أنَّها تحطّم فكرة الوطن والمجتمع، وتؤسّس لفكرة الارتباط بالجماعة، المختزلة في لحظة زمانيَّة ذات حمولة إيديولوجيَّة ثابتة لا تتغير. حمولة إيديولوجيَّة منتقاة ومفصَّلة على مقاس الجماعة، وقابلة للمزيد من الاختزال والانتقاء بحسب طبيعة الجماعة وأهدافها واستراتيجيتها. وهذه الرؤية العامَّة المتطرّفة منفصلة عن المكان، وماسخة للزمان، ومدمّرة للإنسان والمجتمع مادياً ومعنوياً.

فكيف تشكَّلت تلك الأفكار؟ وما أسبابها؟

وما مسؤوليَّة الدّين أو التمثلات الدينيَّة؟

وما دور المجتمع والتنشئة الاجتماعيَّة، والأنظمة السياسيَّة، والاستراتيجيات والمصالح السياسيَّة الغربيَّة، والإسلام السياسي، والإسلام الرسمي، والعولمة والحداثة وما بعدها وفلسفتها، والاستعمار بأشكاله المختلفة؟

وهل يمكن للإنسان بتفاعله وانفتاحه انطلاقاً من واقعه بشروطه الثقافيَّة والفكريَّة والاجتماعيَّة مع النص المطلق بجوهره القيمي والأخلاقي، فيما لو تجاوز مستوعباً دون قطيعة معرفيَّة مع ذاكرته الثقافيَّة التي ساهم هذا النص في صناعتها خلال قرون طويلة؛ هل يمكنه حينها أن يواجه بفطرته المؤمنة المسترشدة بالعقل والمعرفة تلك الرؤية المتطرّفة الهادمة لمقومات وجود الإنسان بارتباطاته الزمانيَّة والمكانيَّة، والتي تروم تحويله إلى فرد داخل قطيع منبتٍّ عن جذوره وكينونته كإنسان؟

ما الطريق الصحيحة لمناهضة هذا الشرّ المستطير، وإعادة صياغة تصوُّر المجتمع المسلم لدينه، كتصوُّر قائم على أسس قيميَّة وأخلاقيَّة تأمر بالعدل والإحسان، وتتجاوز التمسُّك بمظاهر وظواهر الدّين وقشوره التي فقدت معناها الأخلاقي بحكم سُنَّة التغير والاختلاف والاستخلاف، وإن كانت تحمله سابقاً؟ فبين المسلم والله، وبين المسلم والمسلم ووطنه ومجتمعه، وبين المسلم وارتقائه أخلاقياً ومعرفياً وحضارياً؛ ثمَّة أكنَّة وغشاوة وحُجب، صنعت باسم التعاليم الدينيَّة المقطوعة عن مضامينها القيميَّة والأخلاقيَّة، أو باسم الإيديولوجيا العلمويَّة المستوردة والمنقطعة عن سياقاتها التاريخيَّة وإشكالاتها الأخلاقيَّة والفلسفيَّة.

فكلا الرؤيتين تفتك بالتنوُّع والتعدُّد الثقافي. إحداهما تخلق عداوة مع الماضي، والأخرى تخلق عداوة مع الحاضر، وما بينهما رؤى هلاميَّة في غالبها تروم التلفيق والتوفيق دون دعائم فكريَّة صلبة. ومن هنا كان من السهل تفجُّر الإسلام وتفجيره، واختطافه بعيداً عن قيم التسامح والتعدُّد والتعارف، نحو وجهات متطرّفة وإقصائيَّة مفرّقة ومشحونة بالعداء.

تُعتبر خطَّة هذا العام بمثابة أرضيَّة ونقطة انطلاق، تروم تحليل هذا المشهد الذي نعيشه، والوقوف على أسبابه، مستفيدة ممَّا تمَّ إنجازه في هذا المجال، راصدة له، ومؤسّسة لما بعدها من دراسات وأبحاث تفصيليَّة تتغيا الإسهام في الخروج من هذا الواقع المأساوي المبتذل والمهين لكرامة الإنسان العربي، والإسهام الفاعل والجاد في الحضارة العالميَّة.

وفيما يلي المداخل المعرفيَّة للمشروع:

ـ مدخل الدراسات الدينيَّة

ـ مدخل الفلسفة والعلوم الإنسانية

ـ مدخل العلوم الإجتماعية

ـ مدخل تأويليَّات العنف

ـ مدخل التصوف والعنف

استناداً إلى ما سبق، تتوزَّع مداخل المشروع حسب المحاور التالية:

محاور المشروع:

  • مفهوم التوحيد بين الأصل الإسلامي والتأويل الجهادي.

  • مفهوم الجهاد بين مدوّنة الفقه الإسلامي وآخر تحييناته الجهاديَّة.

  • الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

  • من دار الحرب ودار الإسلام إلى دار الكفر ودار الإسلام.

  • فكرة التسامح من منظور فلسفي.

  • التواصل والعنف.

  • العنف من منظور سيكولوجي.

  • العنف من منظور العلوم الإنسانيَّة.

  • الهويَّة والاختلاف من منظور أنثروبولوجي.

  • الدولة والعنف والمجتمع الأهلي.

  • التعدُّد والتعدُّديَّة.

  • التعصُّب من منظور سوسيولوجي.

  • تأويليَّات العنف.

  • التصوُّف والعنف.

* آخر موعد لاستلام استمارات المشاركة: 23 يونيو 2017.

* آخر موعد لاستقبال البحوث المشاركة: 30 أكتوبر2017.