إدرار المعنى على هجرة المصطفى

فئة :  مقالات

إدرار المعنى على هجرة المصطفى

التاريخ بوصفه ظاهرة تسلسلية، هو جملة من الأحداث والوقائع التي ولّت وانمحت من سجلّ الزمن، لكن قراءة التاريخ لا تنتهي في مرحلة ولا في لحظة، لكونها استحضارا جديدا للماضي بمعنى آخر. وبتعبير أدقّ، هي استضافة للماضي في الحاضر والمستقبل؛ والاستضافة تعني فيما تعنيه: حسن الاستقبال وكرم الاحتفاء والاعتناء بالضيف.

من هذا المنطلق، تكمن جاذبية قراءة الهجرة النبوية في مدى القدرة على استخلاص العبر والدروس التي تنتج آثارها في المدى البعيد، وتلوح ثمارها في آفاق الأجيال المقبلة، حتى تغدو هذه الواقعة أكثر من حدث عابر، وتصير معلمة فكرية وحضارية أنموذجية في متناول الباحثين والخبراء والمسؤولين.

وإسهاما في تكريس هذا الهمّ المعرفي، أضع بين يدي القارئ بعض الانطباعات والتأمّلات التي ساورتني، وأنا أقلب التفكير في هذا التاريخ المشهود، راجيا أن تقدم وجهة نظر مغايرة في التحليل والاقتراح والاستيعاب.

بادئ ذي بدء، أسجّل بأنّ الهجرة النبوية حركة مجتمعية لا نخبوية، إذ جمعت في صفوفها أصنافا من الناس، فيهم الرجل والمرأة، وفيهم السيد والعبد، وفيهم الغني والفقير، وفيهم الكبير والصغير؛ فما أشبهها بسفينة نوح من التنوع والتركيب الزوجي.

هذه الحركة في انطلاقتها، أخذت شكلا قريبا ممّا نسمّيه اليوم "بالمسيرة الخضراء" التي يطبعها السلوك السلمي الهادئ، والمنبثقة من مشروع إنساني عادل شعاره: "خلّوا بيني وبين الناس".

فصارت بذلك ثورة في الفكر البشري، لأنّها لم تعتمد آليات الانقلاب العسكري والعمل المسلّح، ولا أسلوب الغارة في الدّجى، ولا فنون الكيد والمؤامرة والتجسّس، لتبلغ مقاصدها في التغيير. بقدر ما نهجت أسلوبا ذكيا وعبقريا، فكانت هجرا وصبرا وإيثارا وبحثا عن البديل الحضاري.

فإذا كانت الهجرة حضارية، وبحثا عن البديل الحضاري، فلأنها سلوك مبني على الدقة والحنكة والحكمة والمعرفة، ولم تكن اعتباطا ولا زلّة أو فلتة تلقائية، ولا هروبا من المصير، ومن هنا حالفها التوفيق وكانت سياحة في الأرض، وبحثا في أسباب النصر والتمكين، واستثمارا في عناصر القوة: الإنسان والزمان والمكان.

الهجرة في معنى آخر، إشعاع خارجي وتعريف بالقضيّة المركزية، إنّها تدويل لفكرة التوحيد التي تستغرقها كلمة: "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، مشكّلة العنوان الجديد الذي يسم رسالة السماء إلى العالمين.

كذلك الهجرة، كانت إيذانا بإعلان دولة القيم والقانون والعدالة الاجتماعية وحقّ التديّن وحرّية التعبير والرأي، في وسط يسوده الاحتقان السياسي والإكراه الديني والحرمان الاجتماعي.

فكانت بذلك فكرة إنسيّة، ترمي إلى تحرير الإنسان من الأغلال والتعقيدات الاجتماعية، وظلم الأعراف والمعتقدات الخرافية، ومظاهر الحجر السياسي والميز الطبقي والعرقي، حتى تعود القضية الإنسانية إلى أصلها الآدمي، المبنيّ على المساواة والكرامة والعدل والحرية.

إضافة إلى كونها دعوة صريحة إلى الاختلاف والتنوّع الفكري، والانفتاح والتعايش السلمي، وإعلان قويّ في مديح المحبّة والمؤاخاة البشرية، وبيان للناس من أجل البذل والإيثار والعمل الصالح. فالاختلاف لا يفسد للودّ قضيّة، والتفاوت الاجتماعي لا يلغي الاشتراك في أصل الوجود.

ومن جانب آخر، فالهجرة امتحان اختباري جليل للفرد والجماعة على نكران الذات مقابل الإحساس بالمسؤولية الجمعية، بترجيح مصلحة الأمّة والكيان العام على مصلحة الأسرة والذات، وفي تغليب النزعة الدينية على النزعة الدنيوية، وفي إيثار القضية على الملكية. لأجل ذلك كانت الهجرة مخاضا عسيرا في توليد مجتمع فريد شكّل نواة الأمّة الوسط والشهود الحضاري.

ومن زاوية أخرى، فالهجرة لجوء اجتماعي وفكري، من مجتمع لا يرحم، ولا يقبل بالاختلاف والتسامح، ولا يعترف بالخصوصيات الثقافية، إلى مجتمع مؤهّل لقبول التعدّدية والتغيير.

فالمجتمع الذي لا يستعدّ للتغيير لا يستحقّ الإصلاح، فلزم أن تقام الهجرة عنه، لنقل بذرة الإيمان من أرض قاحلة تفتقر إلى الخصوبة، إلى مكان يوفّر أسباب النضج والنموّ. ولزم كذلك أن تنجز عملية انتشار جديدة للموارد البشرية، لتحصيل قدر أكبر من النتائج الإيجابية والمردودية كما وكيفا. ولزم كذلك أن تعتمد الدعوة النبوية على رهان فعّال، إنه التعويل على عنصر تنمية المجال، بإيلاء الفضاء والحيز الجغرافي بعدا استراتيجيا في إنجاح العمل محط التنفيذ، فكانت يثرب محلّ هذه المبادرة التنموية.

فالهجرة إذن، منعطف جديد في تغيير آليات الاشتغال، وفي تحويل نقط الضعف إلى نقط القوة، بل هي طفرة في المفاهيم والدلالات والإمكانات والوسائل. فضلا عن كونها تنمّ عن خطة إستراتيجية تتجلّى في عدّة مستويات منها:

على المستوى العمراني: فهي انتقال من فضاء القبيلة الضيّق إلى رحابة المدينة وآفاقها المترامية الأطراف، ومن قبض البداوة إلى بسط الحضارة.

وعلى المستوى الإداري: فهي انتقال من فوهة المركزية إلى شعاب اللامركزية الموسعة.

وعلى المستوى البشري: فهي انتقال من مجتمع قريش ومكّة إلى شعوب المدينة وقبائل الجوار، ومن النواة الصغيرة للمسلمين المكوّنة من المهاجرين، إلى الملتحقين الجدد من أنصار المدينة، ووفود المعانقين لدين الإسلام من أماكن متعدّدة.

فحقّ لهذه الهجرة إذن، أن تكون درسا استثنائيا للاعتبار والتدبر، فقد كانت طافحة بالمعاني كما أسلفنا، وقد كللت بفعل ذلك بالنجاح التام، وانتهت بفتح مبين: "فتح مكة" والعودة الآمنة والغانمة لفكرة إنسانية عظيمة، ولم تسقط في دوافع الانتقام ولا السلب ولا العداوة، بل ختمت بعفو شامل وعام، وبصفح ومصالحة اجتماعية تحت مبدأ تاريخي: "اذهبوا فأنتم الطلقاء"، فالوطن وطن للجميع من كافة المشارب والمعتقدات، لأن الوطن فوق ذلك غفور رحيم.