العقل لدى المعتزلة: الجاحظ أنموذجا

فئة :  مقالات

العقل لدى المعتزلة: الجاحظ أنموذجا

أدرك العلماء منذ القديم أنه من الصعوبة بمكان بيان حقيقة العقل من الناحية الاصطلاحية، كما ذكر ذلك إمام الحرمين الجويني حين قال: "فإن قيل: فما العقل عندكم؟ قلنا: ليس الكلام فيه بالهين، وما حوّم عليه أحد من علمائنا غير الحارث بن أسد المحاسبي[1] ـ رحمه الله ـ فإنه قال: العقل غريزة يتأتى بها درك العلوم وليست منها، فالقدر الذي يحتمل هذا المجموع ذكره أنه صفة إذا ثبتت تأتّى بها التوصل إلى العلوم النظرية ومقدماتها من الضروريات التي هي مستند النظريات".[2]

ولم يخرج الجاحظ في موقفه من العقل عن موقف المعتزلة الذين جعلوه الأساس الأول لفكرهم والسلطة المرجعية المحدّدة لأصولهم ومبادئهم.

ولا يكاد مبحث من مباحث مؤلفات الجاحظ يخلو من إشارة للعقل، وهي إشارات متناثرة لكنها حين تستخرج من مظانها تمكّن من استخلاص رؤية نظرية متكاملة عن تصور الجاحظ للعقل.

وتقوم هذه الرؤية أولاً على تحديد المفهوم اللغوي للفظ العقل تحديداً، يتأسّس على معنى تقييد السلوك الإنساني. يقول الجاحظ في هذا السياق: "وإنما سُمّي العقل عقلاً وحجراً. قال تعالى: "هل في ذلك قسم لذي حجر"[3]، لأنه يزمّ اللسان ويخطمه ويشكله ويربثه ويقيد الفضل ويعقله عن أن يمضي فرطاً في سبيل الجهل والخطأ والمضرة كما يعقل البعير ويحجر على اليتيم".[4]

ولئن لم نعثر على تعريف اصطلاحي للعقل عند الجاحظ، فإننا يمكن أن نستشف من خلال أقواله مفهوماً وظيفياً له؛ فالعقل هو آلة الاعتبار والتفكير في المستوى الأول. يقول: "فلم أعطاه العقل إلاّ للاعتبار والتفكير"؟[5]، والعقل في مستوى ثانٍ قائد لأنشطة الإنسان، إن أسلم إليه أمره ومال عن الهوى. يقول مخاطباً الأشخاص في مقدمة "الرسائل": "وخرجت نسيج وحدك أوحدياً في عصرك، حكّمت وكيل الله عندك – وهو عقلك – على هواك، وألقيت إليه أزمّة أمرك. فسلك بك طريق السلامة".[6]

وينبغي في نظرنا ألاّ يفهم من هذا الشاهد أنّ الجاحظ بما أنه يعتبر العقل وكيل الله أو نائبه في الإنسان؛ فهو صاحب تصور غيبي للعقل يقصي دور الإنسان في تأسيس مفهوم العقل، ذلك أنّ الجاحظ يميز بين نوعين من العقول: أولهما عقل غريزي مطبوع، هو آلة الإنسان للتفكير، وهذا المستوى هو الذي نرى أنّ الجاحظ قصده حين وصف العقل بأنه وكيل الله. أمّا النوع الثاني، فهو عقل مكتسب يتحصل من الخبرة والتجارب الإنسانية.

وعلى هذا الأساس، اعتبر الجاحظ أنّ هذا العقل المكتسب مادة؛ أي أنّه محتوى العقل الآلة. ومن الواضح أنّ الجاحظ يفضّل العقل المكتسب إشارة إلى أنّ الدور الإنساني مركزي لقيام العقل، فهذا العقل المكتسب لا حدود تضبطه كما هو حال العقل الفطري، يقول الجاحظ: "والعقل المولود متناهي الحدود وعقل التجارب لا يوقف منه على حدّ"[7]، وفضلاً عن ذلك فالعقل الفطري ناقص لا يكتمل إلا بمساعدة العقل المكتسب. يقول الجاحظ: "وقد اجتمعت الحكماء على أنّ العقل المطبوع والكرم الغريزي لا يبلغان غاية الكمال إلاّ بمعاونة العقل المكتسب.... وذلك أنّ العقل الغريزي آلة والمكتسب مادة..."[8]، وأكّد الجاحظ بناء على هذا أنّ مصدر المعرفة الموثوق بها هو العقل لا الحواس. يقول: "فلا تذهب إلى ما تريك العين واذهب إلى ما يريك العقل، الاعتماد على العقل دون الحواس. وللأمور حكمان حكم ظاهر للحواس، وحكم باطن للعقول والعقل هو الحجة"[9]، والملاحظ أنّ عبارة "الحجة هو العقل" تعني أنه أصل من أصول الأحكام ومصدر من مصادر المعرفة والشرع. يقول الماوردي في هذا السياق: "لأنّ حجج العقول أصل لمعرفة الأصول، إذ ليس تعرف الأصول إلا بحجج العقول".[10]

ويفسّر موقف الجاحظ هنا باعتقاده أنّ المعرفة المتأتية من الحواس يطرأ عليها الخطأ والكذب ضرورة، بيد أنّ المعرفة الناشئة من العقل قطعية وصحيحة، لأنّه بين أعضاء الانسان في مقام القيادة والصدارة. يقول الجاحظ في لهجة وثوقٍ تامٍ بالعقل وانبهار به: "ولعمري إنّ العيون لتخطئ، وإنّ الحواس لتكذب، وما الحكم القاطع إلا للذهن، وما الاستبانة الصحيحة إلا للعقل؛ إذ كان زماماً على الأعضاء وعياراً على الحواس".[11]

وإذا كان مقام العقل عند الجاحظ على هذا النحو فما هي مرتبته بين الأصول التشريعية المعروفة؟ يميز الجاحظ في هذه المسألة بين مستويين: مستوى المسائل والأحكام الفقهية، ويتنزل فيه العقل في المرتبة الثالثة بعد القرآن والسُنّة المتواترة. يقول: "وإنّما يُعرف الحلال والحرام بالكتاب الناطق والسُنّة المجمع عليها والعقول الصحيحة والمقاييس المصيبة"[12]، وهذا الموقف متأثر حتماً بالترتيب المنقول عن إبراهيم النظّام شيخ الجاحظ. يقول أبو نشوان الحميري الزيدي، ابن القرن السادس للهجرة: "وقال النظّام: "لا تعقل الحجة عند الاختلاف من بعد النبي إلاّ من ثلاثة أوجه: من نص تنزيل لا يعارض بالتأويل، أو من إجماع الأمّة على نقل خبر واحد لا تناقض فيه، أو من جهة العقل وضرورته، وبقوله قال أكثر المعتزلة"[13] لكنّ موقف النظّام هنا ينبغي ألاّ نطمئن إليه كل الاطمئنان لورود ما يعارضه، إذ يروي الزركشي أنّ الجاحظ "حكى في كتاب "الفتيا" عن النظّام أنه قال: "الحكم يعلم بالعقل أو الكتاب أو إجماع النقل لكنه قيل إنه عنى به التواتر".[14]

أمّا المستوى الثاني، فهو يخص المسائل الكلامية والدنيوية، وفيها يتنزل العقل في المرتبة الأولى. وعلى هذا الأساس، ينفي الجاحظ التشبيه عن الله بدلالة العقل أولاً ثم القرآن، يقول: "وبعد، ففي حجج العقول أنّ الله لا يشبه الخلق بوجه من الوجوه، فإذا كان مرئياً فقد شبهه في أكثر الوجود، وإذا كان قولهم في النظر يحتمل ما قلتم وما قال خصمكم مع موافقة أبي صالح ومجاهد في التأويل، وكان ذلك أولى بنفي التشبيه الذي قد دل عليه العقل ثم القرآن كان التأويل ما قال خصمكم دون ما قلتم".[15]

وقد ترتبت على منزلة العقل الرفيعة عند الجاحظ عدّة نتائج في أغلب المجالات التي درسها؛ ففي المستوى السياسي مثلاً اعتبر الجاحظ أنّ قيام السلطة لتنظيم المجتمع البشري أمر ضروري، وأنّ العقل مصدر هذه الضرورة.[16] وفي مجال التعليم، نقد الجاحظ ما كان سائداً في عصره من تركيز على الحفظ وإهمال العقل والنظر والاستنباط. يقول: "وكرهت الحكماء الرؤساء أصحاب الاستنباط والتفكير جودة الحفظ لمكان الاتكال عليه وإغفال العقل من التمييز حتى قالوا الحفظ عذق الذهن[17]، "ولأنّ مستعمل الحفظ لا يكون إلا مقلداً، والاستنباط هو الذي يفضي بصاحبه إلى برد اليقين وعز الثقة. والقضية الصحيحة والحكم المحمود أنه متى أدام الحفظ أضر ذلك بالاستنباط، ومتى أدام الاستنباط أضر ذلك بالحفظ، وإن كان الحفظ أشرف منزلة منه. ومتى أهمل النظر لم تسرع إليه المعاني ومتى أهمل الحفظ لم تعلق بقلبه"[18]، وفي مجال تأليف الكتب سعى الجاحظ إلى أن تكون مادتها خاضعة للعقل بشكل رئيس، يقول: "فلم أدع من تلك المواضع الخفية موضعاً إلا أقمت لك بإزاء كل شبهة منه دليلاً، ثم لا أرسم لك من ذلك إلا الأمر المعقول في كل طبيعة".[19]

وكانت الأخبار الدينية والدنيوية حقلاً خصباً لتطبيق مقياس العقل. ونكتفي بمثال عن نقده لخبر دنيوي، يقول: "و رووا عن أبي واثلة أنه زعم أنّ من الدليل على أنّ الشبوط كالبغل أنّ الناس لم يجدوا في طول ما أكلوا الشبابيط في جوفها بيضاً قط، فإن كان هذا الخبر عن هذا الرجل المذكور بشدة العقل المنعوت بثقوب الفراسة ودقة الفطنة صحيحاً فما أعظم المصيبة علينا فيه!..."[20]

والملاحظ أنّ حجة العقل عند الجاحظ ليست سلطة مرجعية في المسائل المعرفية النظرية فحسب وإنما تشمل أيضاً مجال المعاملات والسلوك بين الإنسان والإنسان أو بين الإنسان ومحيطه الطبيعي، من ذلك مجال الحيوان. يقول: "وليس لك في حجة العقل أن تصنع بها (الحيوانات) إلا ما كان به مصلحة كعلاج الدبر والبيطرة"[21]، وهكذا صاغ الجاحظ للعقل شرعاً يضبط حدود ما هو جائز مباح، وما هو محرم محظور قياساً على الشرع الديني، ووجدناه نتيجة ذلك يعرض لوجوه التحريم ويذكر منها ما يحرم في العقل.[22]

ولعلّ ما يفسّر موقف الجاحظ من العقل انتماؤه إلى المعتزلة الذين عُرفوا منذ البدء بتمجيدهم للعقل. ويبدو أنّ واصل بن عطاء كان أول من ذهب إلى أنّ الحقيقة تعرف بحجة العقل، ويظهر أنّ ثمامة بن الأشرس كان أول من قال بتقديم المعرفة العقلية على المعرفة السمعية[23].أمّا النظّام، فكان يقول بتجويز كل ما استحسنه العقل.[24]

ولا نرى هذا المعطى مع ذلك كافياً لفهم دوافع موقف الجاحظ، ذلك أنه من المفيد أن نبحث في بيئته عن المؤثرات الممكنة في بناء هذا الموقف، بما فيها المؤثر الثقافي الأجنبي؛ ففي البصرة حيث عاش الجاحظ تعايشت ثقافات وأديان مختلفة، وبرزت فيها مواقف تمجّد العقل، من ذلك أنّ آراء الفيلسوف المسيحي بولس الفارسي (عاش في القرن2هـ/6م) كانت شائعة في البصرة، وهو أول من ترجم كتب أرسطو الجدلية في المنطق، كما أنه أوّل مسيحي يقول: "إنّ العقل وحده يكفينا، دون حاجة إلى الأنبياء والرسل".[25]


1- الحارث بن أسد المحاسبي، أبو عبد الله البصري المولد البغدادي المنزل والوفاة، قال الهيثمي: هو إمام المسلمين في "الفقه" و"التصوف" و"الحديث" و"الكلام" وقال الغزالي: "المحاسبي حبر الأمة في علم المعاملة"، مات سنة "243"، له ترجمة في: حلية الأولياء "73/10-110" ولدى ابن العماد في شذرات الذهب، 17/2

2- الجويني، البرهان في أصول الفقه، تحقيق صلاح بن محمد بن عويضة، ط1، بيروت – لبنان، دار الكتب العلمية، 1418 هـ - 1997م، 22/1

3- الفجر، 5/89

4- الجاحظ، الرسائل،141/1

5- الجاحظ، الحيوان، 228/5

6- الجاحظ، الرسائل، رسالة المعاش و المعاد، ص 28

[7]- المصدر نفسه، ص 389

[8]- المصدر نفسه، ص 380

[9]- الجاحظ، الحيوان، 249/1

[10]- الماوردي، أدب القاضي، 274/1-275

[11]- الجاحظ، الرسائل، رسالة التربيع والتدوير، ص 267

[12]- الجاحظ، الرسائل، فصل منه في تحليل النبيذ دون الخمر، ص 439

[13]- الحميري، الحور العين، ص 327

[14]- الزركشي، البحر المحيط في أصول الفقه، 441/1

[15]- الجاحظ، الرسائل، ص 360

[16]- يقول ابن أبي الحديد: "فأمّا طريق وجوب الإمامة ما هي، فإن مشائخها البصريين يقولون: طريق وجوبها الشرع، وقال البغداديون وأبو عثمان الجاحظ من البصريين: "إنّ العقل يدل على وجوب الرئاسة، وهو قول الإمامية..." شرح نهج البلاغة،308/2 ، وهو منشور على الموقع www.al-shia.com

[17]- العذق: كل غصن له شعب أو النخلة.

[18]- الجاحظ، الرسائل، ص 259

[19]- المصدر نفسه، ص 30

[20]- الجاحظ، الحيوان، 84/1

[21]- المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

[22]- يقول الجاحظ: "وقد أنبأناك كما ترى عن التحريم أنه يكون من وجوه؛ فمنها ما يكون كالكذب والظلم والغشم والغدر وهذه أمور لا تحل على وجه من الوجوه؛ ومنها ما يحرم في العقل من ذبح الإنسان الطفل، وجعل في العقول التبين بأن خالق الحيوان أو المالك له والقادر على تعويضه يقبح ذلك في السماع على ألسنة رسله"، الحيوان، 62/4

[23]- راجع: Marie Bernand, la notion de ilm chez les premiers Mutazilites, studia Islamica, N° 38, 1973, P44

[24]- راجع: أبا الحسن العامري، الإعلام بمناقب الإسلام، القاهرة، 1967، ص ص 118ـ119

[25]- انظر: محمد عبد الحميد حمد، التوحيد والتثليث في حوار المسيحية والإسلام، ط 1، دارالطليعة الجديدة، دمشق،2003، ص 280.وانظر:

Javier Teixidor, Aristote en syriaque.Paul le perse,logicien du vi siecle, Editions Du CNRS, septembre 2003