قراءة في كتاب: تحرر مسلمي أوروبا، دور الدولة في اندماج الأقليات

فئة :  قراءات في كتب

قراءة في كتاب: تحرر مسلمي أوروبا، دور الدولة في اندماج الأقليات

العنوان الأصلي للكتاب:

Jonathan Laurence, The Emancipation of Europe’s Muslims: The State’s Role in Minority Integration (Princeton University Press, 2012) pp. 368.

جوناثن لورانس

(جامعة برينستن للنشر، 2012)


بعيدًا عن التركيز على مظاهر التدين لدى المسلمين، وعن الحجاب والحركات المتطرفة التي باتت، لعقد من الزمن منذ أحداث 11 ستنبر 2001 الإرهابية، أكثر ما يُبحث فيه من مباحث في فرع الإسلام في الغرب، يقدم الباحث الأمريكي جوناثن لورانس عملاً استغرق منه حوالي اثنتي عشرة سنة، من جمع للمادة، ولقاء ممثلي الدين الإسلامي والمجالس التي تكونت منذ ستة عقود من الزمن وممثلي السلطة والأئمة والسياسيين في الدول التي يدرسها وهي؛ فرنسا، وبلجيكا، وألمانيا، وإيطاليا، وإسبانيا، وهولندا، والمملكة المتحدة (ص 27)، بالإضافة إلى زيارات ميدانية إلى المغرب وتركيا؛ لأن جاليتهما الأكثر أهمية في أوروبا الغربية.

يعرض الكاتب فكرته المحورية وفحواها: أن المسلمين في أوروبا مروا بمراحل مهمة منذ فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية في علاقاتهم مع الدولة ومؤسساتها وقد مضوا؛ أي المسلمين ومؤسسات الدولة، في التأسيس لإسلام المؤسسات، أو للإسلام المنظم داخل مؤسسات الدولة. إنه الطريق للإسلام الأوروبي وتحرر المسلمين من الاعتبارات والتأثيرات الخارجية الآتية من مؤسسات وشبكات ودول غير أوربية. يؤكد الكاتب أن ما يقصده بالتحرر يجب ألّا يفهم أنه مدح أو قدح، بل وصف لواقعية وبراغماتية الدولة الحديثة في إدماج أقلياتها في مؤسساتها الديمقراطية. إنه وصف لمرحلة ما تزال في حركية لتبلغ هدفها، وهو إدماج الجميع مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات تجاه الدولة ومؤسساتها (ص 12-13).

يستعمل الباحث مفهومين يلخص من خلالهما فكرته وما وصل إليه من نتائج، وهما: إسلام السفارات أو الإسلام الدبلوماسي، والإسلام السياسي (ص 28). أما إسلام السفارات، فيعني به إسلام المرحلة الأولى من الهجرة بعد الحرب العالمية الثانية إلى بداية تكون فكرة أوروبية مشتركة لمعالجة مشكلة الهجرة من قبل الاتحاد الاوروبي (1960- 2010). خلال هذه المرحلة كانت الدول الأوربية تستقدم المهاجرين عمالاً يعودون لاحقًا لبلدانهم. لهذا السبب لم تعر أوروبا اهتمامًا كبيرًا لهذه الشريحة من المواطنين وما يخص عقائدهم من مساجد وأكل حلال ومدارس إسلامية. لقد تركت ذلك للدول المرسلة للعمالة ولسفاراتها، وقد كانت هذه الأخيرة، وما تزال، هي من يرسل الائمة والخطباء ويسهم في بناء المساجد، لأهدافها الأمنية الخاصة، وهي مراقبة جالياتها وعقائدها وأفكارها، لأنها ما تزال مرتبطة بالوطن الأصل. أهم الدول التي لعبت وما تزال هذا الدور هي المغرب والجزائر وتركيا. أما الإسلام السياسي، فيعني به الكاتب ذلك التوجه الذي ظهر على الساحة الأوروبية، عندما دخلت بعض الشبكات العالمية كالإخوان المسلمين، والجماعة الإسلامية، ورابطة العلماء المسلمين، وجمعيات الطلبة المسلمين، وبعض الجمعيات غير الحكومية، وبعض الشخصيات الإسلامية، من مثل يوسف القرضاوي، في شكل منافسة مع إسلام السفارات، وأسهمت في جعل الأقلية المسلمة مرتبطة بالعالم العربي والإسلامي أكثر من ارتباطها بأوروبا. وكان لدولة غنية بالنفط كالسعودية وتوجهها الوهابي حضور واضح كذلك.

مع نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، ونشوء الجيل الثاني من المسلمين، ومع بداية التسعينيات وتطور المجموعة الأوروبية إلى اتحاد أوروبي، بدأت العلاقة بين الأقلية المسلمة ومؤسسات الدولة تتجه إلى مزيد من التوتر، والتقارب في الوقت نفسه. بدأ الجيل الجديد يفهم أنه أوروبي النشأة وعليه أن يجد طريقه في أوروبا. والشيء نفسه يقال عن مؤسسات الدولة خاصة بعد سلسلة من الأحداث كقضية الآيات الشيطانية، والحجاب والأحداث الإرهابية التي حركت التفكير في اتجاه مأسسة العمل الديني. اشتغلت الدول الأوروبية منذ 1990 إلى 2010 على إدماج الأقلية المسلمة عبر تكوين مجالس تمثيلية تسهل الحوار والتفاهم حول المشاكل العالقة. وما يركز عليه الكاتب من خلال رصد عدد كبير من المجالس التي تكونت، والتي تتحاور معها الدولة هو أن هذه الأخيرة استفادت من تجارب أقليات أخرى عانت المشاكل نفسها بدايةً كالأقلية اليهودية والبروتستانتية التي اندمجت تدريجيًا في المجتمع عبر مؤسسات الدولة. ويعطي الكاتب مثالاً النقابات العمالية في أوروبا سابقًا كذلك، فهي لم تجد لمشاكلها حلاً إلا بعد أن تحاورت مع الدولة عبر المؤسسات، فحاورتها هذه الأخيرة وأدمجتها تدريجيًا، مما يعني أن الأقلية الدينية، الإسلامية في هذه الحالة، تخضع تدرجيًا لقوانين الدولة فيحدث بذلك إصلاح ديني تدريجي عبر المؤسسات (ص 18). ويرى الكاتب أن أوروبا بانفتاحها على مواطنيها المسلمين، إنما تنفتح كذلك بقصد أو بغير قصد عن العالم الإسلامي (ص 18).

يمكن من خلال هذا الموجز رصد نقطتين مهمتين يمكن إطالة الإمعان فيهما؛ أولاً كون معطيات الكتاب تعطي نظرة إيجابية عن اندماج المسلمين التدريجي في مؤسسات الدولة الوطنية الأوروبية، ولو أن الدراسة لم تشر إلا مرورًا لفكرة الإسلام الأوروبي، كما يحاول بعض المسلمين الأوروبيين التأصيل لها نظريًا. وبالنظر إلى موجة تقارير الإسلاموفوبيا التي تصدر من حين لآخر، فإنه وبمراجعه الميدانية القيمة يفتح بابًا آخر من دراسة وضع المسلمين في المجتمعات الحداثية والليبرالية. إنه عمل لا يمدح ولا يقدح، بل يصف علميًا ما هو كائن، وهذا لا يعني أن مسألة الديني في المجال العام قد حسمت من قبل الدولة أو أن الأقليات الدينية منسجمة وليست ذات مشاكل داخلية مرتبطة بموروثها الثقافي، وإنما هي ارتباطها بالبلد الأصل. ولذلك، فإن دور الإسلام السياسي والإسلام الديبلوماسي ما يزال قائمًا، رغم أنه يبدو من دراسة الكاتب أنها قلت بشكل كبير. ثانيًا أن فكرة الكاتب حول مأسسة المسألة الدينية واحتضانها لكي لا يتلاعب بها إسلام السفارات والإسلام السياسي الذي تتجاذبه حركات وشبكات مختلفة، فكرة تساوي الجميع أمام مؤسسات الدولة. هذا لا يعني أن الدولة هي الوحيدة التي جاءت بالحل، بل هو نتاج مشترك بينها وبين الأقلية التي تدافع عن حقوقها. لقد تماطلت الدولة لعقود قبل أن تفطن لضرورة تنظيم البيت الداخلي عبر المؤسسات، وهي بذلك تعيد السيادة لذاتها وتحفظ لمجتمعها المتعدد نسبة عالية من الحرية الدينية الآن، مع أن ذلك يعني أن هذه الأقليات يجب أن تراجع مفاهيمها العقدية المجتمعية وتفسيراتها لتلائم التعدد الذي يطبع المجتمعات الليبرالية.

إن الطريق الذي مشت فيه الدول الأوروبية طويل ولم ينتهِ بعد، فهل يمكن للحركات الإسلامية مثلاً في العالم العربي المساهمة في بناء الدولة والحفاظ على مزاياها كما تحاول المجالس الإسلامية الأوروبية الحديثة؟ وهل تحاول الدولة في ما بعد الربيع العربي بناء لبنات الدولة الحديثة عبر إدماج الجميع بالتساوي في مؤسساتها، فتستدرك ما فاتها كما تحاول الدولة الأوربية الحديثة استدراك ما فاتها؟