الـوضعيـة القـانونيـة عند هانس كلسن: أسس النظريـة المَحضة في القـانـون
فئة : أبحاث محكمة
الـوضعيـة القـانونيـة عند هانس كلسن:
أسس النظريـة المَحضة في القـانـون
الملخص:
نسعى في هذا البحث إلى التعريف بالنظرية القانونية لأحد أبرز فقهاء مذهب القانون الوضعي في القرن العشرين، مع بيان المرتكزات الأساسية التي تقوم عليها، ونقصد هنا نظرية «هانس كلسن (1881–1973) «Hanes Kelsen القانونية، والذي يُعد من أهم الأسماء البارزة في فلسفة القانون الحديثة، لما كان له من دور حاسم في تأسيس هذا الاتجاه النظري والدفاع عنه ونشره. وسنعمل على عرض أهم ركائز نظريته المعروفة بـ «النظرية الخالصة في القانون»، في محاولة لفهم الغاية التي سعى كلسن إلى تحقيقها من خلال هذا المشروع النظري، والمنهج الذي اعتمده في الدفاع عنها، ولا سيما سعيه إلى تنقية علم القانون من كل ما هو غير قانوني، كالأخلاق والسياسة.
كما نهدف إلى محاولة تقديم صورة عامة ومركبة عن هذه النظرية، من خلال معالجة الإشكالات التالية: ما الأسس التي أقامَ عليها كلسن نظريته الخالصة في القانون؟ وكيف تنظر هذه النظرية إلى طبيعة القانون ووظيفته؟ وما موقع الأخلاق ضمن هذا التصور القانوني؟
مقدمة:
شكّل السعي إلى بناء نظرية خالصة في القانون الهدف المركزي الذي عمل هانز كلسن (1881-1973) Kelsen Hanes بشغف على تحقيقه في جميع مؤلفاته، وخاصة في كتابه «النظرية المحضة في القانون»[1]، حيث عرض فيه الأسس الكبرى لمشروعه القانوني. وقد أراد كلسن من خلال هذه النظرية الارتقاء بالفقه القانوني إلى مستوى علم مستقل مثل باقي العلوم من حيث الدقة والموضوعية والمنهج. فالعلم القانوني عنده يجب أن يقوم على شرطين أساسيين: موضوع واضح هو القانون نفسه، ومنهج خاص ينسجم مع طبيعة هذا الموضوع ومع الغاية العلمية المنشودة.
انطلاقًا من هذا التصور، أوضح كلسن في مقدمة الطبعة الألمانية الأولى لكتابه سنة 1934 أنه يقصد بعبارة "النظرية المحضة في القانون" نظرية قانونية خالصة، خالية من أيّ أيديولوجية سياسية، ومتحررة من كل العناصر الوافدة من العلوم السببية[2]. فهي نظرية تجعل من القانون الوضعي وحده موضوعًا لها، ولا تقتصر على دراسة قانون وطني معين، بل تهتم بكل القوانين الوضعية دون استثناء. يقول كلسن: "إن النظرية المحضة في القانون هي نظرية للقانون الوضعي وهي للقانون الوضعي عموما وليس لقانون معين. فهي نظرية عامة للقانون وليست تفسيرًا لنظام قانوني معين، وطنيًا كان أم دوليًا"[3]. ومن ثم، فهذه النظرية تلتزم بدراسة القانون الوضعي كما هو، دون تجزئة أو فصل في بنياته، من خلال بُعدها المعرفي الخالص الذي يرمي إلى دراسة القانون الوضعي تحديدًا، دراسة تستوفي الشروط العلمية. ويغدو بذلك هدف النظرية البحتة كعلم أن تكون نظرية عامة للقانون، نظرية قانون في حد ذاتها، وليس لنظام قانوني معين[4]. موضوعها هذا -القانون الوضعي- جعل منها نظرية وفية لمسعاها الذي حدده لها كلسن والمتمثل في "تحديد ماهية القانون وكيف يتكون، دون التساؤل عما يجب أن يكون وكيف يجب أن يكون. فهي ليست بسياسة قانونية، بل هي علم قانون"[5]؛ فشرط الموضوعية يُلزمها كنظرية أن تولي اهتمامها لما هو كائن، دون الانشغال بالبعد المعياري الذي يسعى إلى تصور ما يجب أن يكون. ومن هنا، ينحصر دور النظرية في وصف القانون كما يوجد فعلاً، لا كما ينبغي أن يكون[6]. فشرط الموضوعية يفرض عليها الاهتمام بما هو واقع، وتجنّب إصدار الأحكام القيمية. وهذا التحديد هو ما يمنحها صفة النظرية الخالصة، ويُحقق الهدف الذي وجدت من أجله: تأسيس علم قانوني عام، موضوعه الوحيد هو القانون الوضعي، بعيدًا عن كل ما قد يشوش على هذا الهدف أو يخرجه عن طبيعته العلمية[7].
بهذا الأساس، عمل كلسن من خلال نظريته المحضة على وضع الأسس لعلم قانوني مستقل، يقوم على الموضوعية والدقة، بوصفهما ركيزة كل علم. علم يجعل القانون الوضعي موضوعه، بدراسته دراسةً علمية مفصولة عن كل العناصر الخارجية، خاصة التأثير السياسي، وكل ما يمكن أن يشوبه من غموض بسبب التداخل مع علوم أخرى، سواء تلك التي تشاركها نفس الموضوع والمبدأ أو تختلف معه.
وانطلاقا من هذا سعى كلسن إلى وضع نظرية بحتة تكفل للقانون نقاءه وصفاءه، تخلصه من كل توظيف أيديولوجي. نظرية يجني المستقبل نتائجها الخالصة والموضوعية. نظرية تُخرج الفقه القانوني من التبعية والاستغلال السياسي للقانون، وما يؤدي ذلك من توجيه للقانون لخدمة مصالح خاصة، لذلك تهدف النظرية المحضة إلى القطع مع هذه التأثيرات، عبر التنظير لعلم قانوني يلتزم بدراسة ما يدخل ضمن مجاله فقط، ويستبعد كل ما ليس من صميمه، وفي مقدمة ذلك السياسة.
ولتحقيق هذا، والسير بالنظرية المحضة في القانون في منحى تطوري، وضمان نقائها، والخروج بعلم القانون من تلك التبعية التي يخضع لها، ورفع الوصاية التي تفرضها عليه العلوم الأخرى، ووضع الأسس النظرية التي تمكنه من أن يضحى علمًا قائم الذات، بعدما كان مجرد تابع[8]. ذهب هانس كلسن في إبراز العناصر الكبرى لنظريته الى وضع سلسلة من التمييزات (التمييز بين علم القانون والعلوم الطبيعية: العلم الاسنادي والعلوم السببية، التمييز بين القانون والأخلاق، وبين القانون الطبيعي والقانون الوضعي، بين القواعد القانونية والمعايير القانونية، وكذلك بين الالتزام القانوني والالتزام الأخلاقي، بين المنظور القار والمنظور الحركي للقانون).
وعليه، سنعمل في هذا المقال على إبراز أهم هذه التمييزات، ورصد خصائص كل منها بوصفها الجوهر الذي أسس عليه كلسن نظريته المحضة، ودافع بشدة عن تصوره للوضعية القانونية في القرن العشرين، وهو ما يظهر من خلال الانتشار الواسع الذي شهدته، والتطورات التي عرفتها؛ إذ شكل تصوره هذا الأرضية التي سيحتدم النقاش حولها فيما بعد، بين متشبث بالأسس العامة لهذه النظرية، وبين رافض لها كونها ضربًا من الميتافيزيقا، وابتعادا عن الواقع المعيش، وناقد متمحص متجاوز. يقول في هذا الصدد لارس فينكس Lars VINX: "إننا ملزمون كمترجمين خيريين، بإلقاء نظرة فاحصة على التمييزات التي تجعل من النظرية البحتة نظرية علمية حسب كلسن. وقد تكون هذه التمييزات في النهاية ضرورية لاستيفاء معايير ملائمة لنظرية قانونية يمكن الدفاع عنها على نحو مستقل"[9].
أولا: التمييز بين عـلـم القانـون والعلـوم الطبيعيـة
إن محاولة بناء نظرية محضة في القانون ترقى بعلم القانون إلى مستوى العلوم الأخرى، وتنزهه عن كل ما ليس من طبيعته، يقتضي أولا تحديد موقعه داخل الخريطة العلمية من خلال توضيح موضوعه وحدود اشتغاله. ولهذا بدأ كلسن بعقد سلسلة من التمييزات الأساسية تقوم عليها نظريته، أوّلها التمييز بين العلوم الاجتماعية والعلوم الطبيعية، وبيان مجال كل منهما والمبدأ الذي يعتمد عليه كل علم؛ وذلك انطلاقًا من طبيعة موضوعاته وخصائصها المختلفة.
وقد لجأ هانس كلسن إلى إقامة هذا التمييز كضرورة إبستمولوجية تسهل له مهمة موضعة نظريته ضمن سياقها المنهجي. أجملَ في تمييزه هذا مختلف الفروع العلمية ضمن مجالان معرفيان هما: العلوم الاجتماعية والعلوم الطبيعية. تهتم الأخيرة كما هو معلوم بدراسة الطبيعة، حيث يرى في "الطبيعة نظامًا لعناصر ترتبط ببعضها البعض من خلال مبدأ معين، وهو مبدأ السببية"[10]. ينطلق منه لإبراز الاختلاف بين العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية، بينما تهتم العلوم الاجتماعية بدراسة الإنسان وما ينتجه من ظواهر اجتماعية معقدة، تختلف طبيعتها من وسط اجتماعي إلى آخر، وأحيانا داخل الوسط ذاته. ومنه، تعتمد العلوم التي تهتم بدراسة "المجتمع بما هو نظام ينظم سلوك البشر"[11]، حسب كلسن في حكمها على السلوك البشري، وإن لم تكن جلها، مبدأ مخالف تمامًا للمبدأ الذي تستند إليه العلوم الطبيعية، مبدأ لم يتم بعد الاعتراف به علميا، ولم يمنحه العلم بعد الاسم المناسب الذي يؤهله لأن يتحول إلى مبدأ علمي معمولا به، الأمر الذي ذهب كلسن في البداية إلى إقراره عبر التمييز بين العلوم السببية والعلوم الاجتماعية، ثم الفصل بينهما بناء على الفصل بين الطبيعة والمجتمع، وبين المبدأ المستخدم في دراسة كل موضوع منهما، وبيان الاختلاف بينهما[12].
العلوم الاجتماعية كما أشرنا باختصار، تتضمن بعض الفروع التي تعتمد على مبدأ السببية (علم النفس Psychology و الأثنولوجيا Ethnology أو التاريخ History ...) وهو ما يعترف به كلسن ويشير إليه، لكنه ينفي عن بعضها هذا المبدأ، ويرى أنها تعتمد على مبدأ آخر يسميه مبدأ الإسناد Imputation، يقول: "هناك علوم اجتماعية لا تطبق مبدأ السببية، بل مبدأ الإسناد، فهي تدرس التصرفات البشرية لا كما تجري فعليا في النظام السببي للطبيعية، وإنما بالارتباط مع المعايير التي تأمر كيف تجري فعليا وكيف يجب أن تحدث. فهي إذن علوم معيارية نجد من بينها علم الأخلاق وعلم القانون"[13]. ومنه، تضحى النظرية المحضة في القانون علمًا معياريًا يقوم على مبدأ الإسناد، بَيد أن ما يقصده هنا كلسن بالعلوم المعيارية مخالف للتصور الشائع الذي ينظر إلى العلم المعياري بأنه علم يهدف إلى صوغ قواعد وضوابط تحدد ما يجب أن يكون، أو كما يعرفها أندريه لالاند بأنها كل "ما يخلق أو يفرض معايير"[14]. تأخذ حسب كلسن صفة وصفية تسعى بدرجة أولى إلى فهم السلوك الإنساني وما يترتب عنه من ظواهر اجتماعية، فهمًا يحقق الموضوعية والدقة التي تسعى النظرية البحتة بلوغها من خلال البحث فيما هو كائن. يقول في هذا الصدد: "إن تسمية أحد العلوم بأنه معياري لا تعني أنه يجب أن يأمر بسلوك معين وأن يسن معايير قابلة للتطبيق على سلوك الفرد. فدوره ليس إلا بيان الضوابط والعلاقات الاجتماعية التي تكونها تلك المعايير. والعالم الذي يدرسها ليس سلطة اجتماعية، فهو يسعى إلى فهم الوقائع لا إلى إدارة المجتمع"[15]. وهكذا، إذا اعتبرنا القانون ظاهرة اجتماعية كما يرى كلسن ومعه مجموعة من فقهاء القانون[16]، يصبح المجتمع حسب النظرية المحضة نظامًا معياريًا مُشكلا من مجموعة من المعايير، سواء أكان نظاما أخلاقيا أو دينيا أو قانونيا[17].
هذا التمييز الذي أوضحه كلسن بين المبدأ الذي تعتمده العلوم الطبيعية، وبين المبدأ الجديد الذي تعتمده العلوم المعيارية، تحديدًا علم القانون، يشكل أساس التمييز بين العلم القانوني وباقي الفروع العلمية الأخرى. يلزمنا أن نوضح ماهية هذا المبدأ، ونبرز خصائصه والفرق بينه وبين مبدأ السببية، وسماته البارزة التي يمنحها للنظرية الخالصة في صيرورة استكمال مسار تحررها.
تعد السببية أهم المبادئ العلمية التي تعتمدها العلوم الطبيعية في فهم وتفسير موضوعاتها، حيث تسعى إلى الكشف عن الانتظام السببي وشرح الأحداث وملاحظتها وتتبعها على أساس هذا الانتظام. يقوم هذا المبدأ على أساس معرفي يقيم علاقة تلازم بين السبب والأثر أو النتيجة، فعندما نقول مثلا: "بما أن المعادن تتمدد بفعل الحرارة، فالحديد يتمدد بالحرارة"، "إذا تعرض المعدن للحرارة فإنه يذوب"، نلاحظ وجود ترابط النتيجة بالسبب، وتبعية الأولى للثانية، لأن حصول الأثر مرتبط بوجود السبب. وبهذا يأخذ مبدأ السببية الصيغة الصورية التالية: (إذا تحقق الشرط (أ) حصلت النتيجة (ب)). يفسر كلسن هذه الصيغة بأنها علاقة السبب بالنتيجة؛ أي إن شرط حدوث النتيجة يكون هو السبب، والنتيجة تكون هي الأثر الحاصل عن السبب، بمعنى أن النتيجة تابعة بشكل حتمي لمسببها، وهكذا تستمر هذه السلسلة من (سبب-نتيجة) إلى ما لانهاية من السلاسل السببية. ومنه، يصير للسببية عند كلسن معنى الضرورة المطلقة التي لا دخل للعمل البشري فيها[18].
وإذا أخذنا بعين الاعتبار الهدف الذي تسعى إليه الوضعية القانونية في النموذج الذي وضعه لها هانس كلسن، والمتمثل في تحديد ماهية القانون وكيفية تشكله، من خلال دراسة السلوك البشري من حيث خضوعه للمعايير القانونية دراسةً موضوعية تتجنب كل تفسير لا يدخل ضمن اختصاصها. واعتبار علم القانون ضمن العلوم التي تهتم بدراسة المجتمع، كون القانون ظاهرة إنسانية، يلزم البحث عن مبدأ تستند له النظرية الخالصة يكون متوافقا مع المسعى الذي تهدف إلى تحقيقه. وبالتالي التخلي عن مبدأ السببية؛ لأنه شرط من شروط تحقيق الاستقلالية لعلم القانون.
في البدء كان مبدأ الاسناد، فكرة يعبر عنها هانس كلسن بشكل صريح، عبر السبر التاريخي الذي ذهب من خلاله إلى البحث عن هذا المبدأ في الفكر البدائي واعتباره أول ما لجأ إليه العقل البدائي في تفسير الظواهر بما فيها الظواهر الطبيعية، بحيث لم يكن يعي مبدأ السببية بعد؛ إذ يُرجع ظهور هذا المبدأ إلى مرحلة متقدمة من التطور العلمي، مبدأ كان بعيدا عن عقلية البدائي، العقل الذي كان يقيم كل تفسيراته للطبيعة على معايير مختلفة المصادر[19]، وبالتالي كان يخضع أعماله لهذه المعايير ويستند عليها أثناء صياغة أحكامه وتفسيراته[20]. ومنه، ما المقصود بمبدأ الإسناد؟ وكيف تتم صياغة القواعد القانونية على أساس هذا المبدأ؟
ليصف العلم القانوني موضوعه ويوضحه، يقوم حسب كلسن "بصياغة ما ندعوه بالقواعد القانونية"[21]. وللقيام بذلك، لا يرجع إلى مبدأ السببية الذي يدخل في القوانين الطبيعية، بل إلى مبدأ آخر. فتؤكد القاعدة القانونية مثلا على أنه إذا ارتكب فرد جريمة فيجب أن يعاقب. أو إذا لم يَفِ المرء بدَينٍ، فيجب أن يخضع للتنفيذ الجبري على أمواله. أو بصورة أعم إذا ارتكب الفرد عملا غير مشروع فيجب إيقاع الجزاء عليه[22]. وعليه، إذا كان مبدأ السببية يقيم علاقة السبب بالنتيجة بناء على صيغة عامة تقول: "إذا تحقق الشرط (أ) حصلت النتيجة (ب)، فالصيغة العامة لمبدأ الإسناد تصاغ بطريقة مختلفة، وهي كالآتي: إذا تحقق الشرط (أ) فيجب أن تتحقق النتيجة (ب)"[23]. هذه الصيغة تقيم علاقة مختلفة عن تلك التي تنشأ من النظام السببي، فالعلاقة هنا تصير قائمة بين حدثين أو واقعتين وهما: العمل غير المشروع والعقاب، علاقة ترتكز إلى معيار وضعي[24]، يكون هذا المعيار شرط الجزاء لا السبب، وهو العمل غير المشروع، وبهذا يترتب الجزاء عن مساءلة العمل غير المشروع، وربط العقاب بمبدأ المسؤولية، استنادًا لمعيار وضعي معين. وتصير بذلك العلاقة غير المشروعة القائمة بين الجزاء والعمل علاقة قائمة على إقرار مسؤولية مرتكب العمل غير المشروع. يقول كلسن في هذا الصدد منتقدا مبدأ السببية التي تتأسس عليه قوانين الطبيعية، موضحا جوهر هذا المبدأ الذي يعتمده علم القانون: "بينما توجد في القانون الطبيعي علاقة السبب بالنتيجة، فلا دخل للسببية في القاعدة القانونية. فالجريمة ليست سببا للعقاب، والجزاء ليس نتيجة للعمل غير المشروع. فالعلاقة القائمة بين الواقعتين تنتج عن معيار يأمر بسلوك معين أو يجيز ذلك السلوك. وذلك المعيار هو في حد ذاته المعنى المرتبط بعمل أو بعدة أعمال قام بها الناس في المكان وفي الزمان وتدعى بالعرف، أو القانون، أو الحكم القضائي، أو القرار الإداري"[25].
وإذا فهمنا الإسناد بوصفه تلك العلاقة المحددة بين العمل غير المشروع والجزاء، وبالتالي علاقة بين واقعتين تتحدد بشرط معياري دقيق، يكون الإنسان فاعلا فيها على عكس مبدأ السببية الذي ينفي عنه كلسن هذه الإمكانية، وبالتالي فالإسناد يكون محدودًا ونهائيا؛ لأن النتيجة المسندة إلى شرط معين لا تكون بالضرورة مسندة إلى شرط آخر على خلاف السلاسل السببية اللامتناهية[26]. وبهذا يكون مبدأ الإسناد مبدأ قائم على علاقة محددة، مشروطة بمعيار معين، وحرة لأنها لا ترتبط بعلاقة سببية تدخلها في حتمية مطلقة وبالتالي في تسلسل لا نهائي من المسببات والنتائج؛ إذ يمكننا وسمها بعلاقة شرطية حرة، إذا ما أخذنا القصد الذي وضعه كلسن للحرية بوصفها "على وجه العموم حقيقة عدم الخضوع إلى مبدأ السببية، باعتبار أن هذا المبدأ تكون أصلا في الأقل كضرورة مطلقة"[27].
شكل التمييز الذي وضعه كلسن للفقه القانوني عن العلوم السببية الأخرى أولى الأسس التي حاولت النظرية المحضة في القانون إقرارها في مسارها نحو تحقيق الاستقلالية. إذ سعت إلى الخروج بعلم القانون من التبعية وما يترتب عليها من تشويش وضبابية تقف حاجزا أمام بلوغ العلمية، عبر الفصل بين الموضوعات التي تهم كل فرع وعبرها الفصل في المبدأ المعتمد في كل منها. مسعى العلمية قاد كلسن من خلال هذا التمييز الذي وضعه إلى الإقرار بوجود مبدأ خاص بالعلوم المعيارية أو على الأقل بعضها، وعلم القانون الذي نتحدث عنه هنا يدخل ضمن هذا البعض، مبدأ مخالف لمبدأ السببية، مبدأ يراعي طبيعة السلوك البشري وخصائصه، على اعتبار أن الانسان هو النقطة النهائية في هذا المبدأ، من خلال الشرط الذي يضعه سلفا والذي يشكل النقطة النهائية للإسناد على غرار مبدأ العلوم السببية التي لا نقطة نهائية لها، وبهذا حاول التأسيس لمبدأ خاص تستند إليه النظرية البحتة في فهمها لماهية القانون، وفي صياغتها للقواعد القانونية على أساس شرط معين، نافيًا بالتالي أي إمكانية لتدخل العلوم الطبيعية (مبدأ السببية) في صياغة هذه القواعد. وهو المبدأ الذي وسمه كلسن بالإسناد، وممكن تلخيص جوهره في أن الجزاء المفروض على شخص ما يستند إلى العمل غير المشروع الذي قام به هذا الشخص المسؤول، طبقا لمعيار معين.
ثانيا: التمييز بين الأخلاق والقانـون شرط لتحقيق الموضوعيـة
عند الاطلاع على تاريخ الفلسفة والقضايا التي شغلت الفكر الإنساني لقرون، تتبيّن إشكالية العلاقة بين الأخلاق والقانون كواحدة من أبرز القضايا. هذه الإشكالية قديمة ومتجددة، تتغير وتتعمق بتطور المجتمع والفكر، وتختلف بحسب السياق الزمني والقيم المرجعية التي ينطلق منها المفكرون في نقاشها. وقد احتدم النقاش في الوقت الراهن حول هذه الإشكالية في فلسفة القانون بين مذهبين يشكلان محوري هذا الفرع المعرفي (أنصار القانون الطبيعي ومذهب الوضعية القانونية)، بين متشبث بأطروحة الوصل بين الأخلاق من جهة والقانون من جهة أخرى، على اعتبار أنها علاقة ضرورية ولا بد منها؛ إذ يذهب النقاش أحيانا حد القول بأن القانون في حد ذاته جزء من الأخلاق، وبالتالي لا غنى عنها. واتجاه يذهب إلى تبني أطروحة الفصل، ويرى أن طبيعة الأخلاق غير ثابتة، تتجدد معانيها وتتغير من ثقافة ودين ومجتمع إلى آخر، وهي بهذا أخلاق نسبية، فلا حاجة إذن لوجود هذه العلاقة، غير أنه لا ينفي قطعيًا إمكانية حدوثها؛ فلا هي علاقة ضرورية ولا هي مستحيلة.
بناء عليه، شكل الطرح الأخير التصور الذي ذهب كلسن إلى تبنيه والدفاع عنه، ومنحه الشرعية عبر التأسيس لعلم قانوني يقوم على هذا الأساس، معتبرًا أن النظرية المحضة في محاولتها لاستبعاد العناصر الأيديولوجية عن القانون، يستوجب عليها التأكيد على استقلال القانون عن الأخلاق كشرط ثان للنقاء وبلوغ العلمية، وإرساء الموضوعية بوصفها شرطا أساسيًّا لكل علم.[28] موضوعية لن تتحقق أمام ما يمكن أن نسميه بالحكم التقييمي ذي الأساس الأخلاقي للقانون. وهو ما تتحاشاه النظرية المحضة وتسعى إلى تخليص علم القانون منه، استقلال لا يمكن اعتباره إنكارًا قطعيًا لأي علاقة ضرورية بين القانون والأخلاق، بل هو مطالبة محدودة باستقلال الشرعية القانونية عن تقييمات الجودة الأخلاقية لمحتوى القانون الوضعي، هذا التفسير هو ما يجعل من تصور كلسن أطروحة منطقية[29].
بالعودة إلى الفصل الذي خصصه كلسن لبيان أطروحته، يمكن القول إن الجدل الدائر حول التمييز بين الأخلاق والقانون، يتمحور أساسا بالعدالة المطلقة والحكم الناتج عنها حول طبيعة القانون ومدى صلاحيته؛ بين المحتوى القانوني والشكل القانوني. فإذا ما نظرنا إلى الصيغة العامة التي منحها كلسن للقاعدة القانونية وهي: {إذا تحقق الشرط (أ) فيجب أن تتحقق النتيجة (ب)}، يتضح ظاهريًا أن النتيجة (ب) والتي توجب إقرار جزاء معين مرتبط أساسا بطبيعة العمل غير المشروع، والتي تصرح به على الشكل التالي: "يجب أن يتحقق" أنها تحمل في جوهرها دلالة معيارية ذات معنى أخلاقي. بَيْد أن كلسن ينتبه إلى هذا اللبس. منطلقًا بذلك من هذه الصيغة تحديدًا في رفع أي شبهة يمكن أن تحدث نتاجًا لمثل هذا فهم، نافيًا بذلك وجود أي معنى أخلاقي في علاقة النتيجة بالشرط؛ إذ يرى أن عبارة "فيجب" لا تحمل في مكنونها أي معنى أخلاقي، بل هي علاقة ذات معنى منطقي صرف[30]. وما دام علم القانون وعلم الأخلاق علمين معياريين منفصلين، "فالقاعدة القانونية أداة لخدمة القانون الوضعي كما أنشأته السلطات المختصة"[31]. غير أن هذا لا يعفي أو يبشر حسب كلسن بتخلي القانون عن ضرورة الالتزام بالمبدأ الذي يجعل منه قانونا أخلاقيا، وهو ما يؤكده بالقول التالي: "لا ريب أن القانون الوضعي يمكن أن يجيز تطبيق معايير أخلاقية. فهو يخوّل للأخلاق صلاحية تحديد السلوك الذي يتبع. ولكن عندما يطبق معيار أخلاقي بمقتضى معيار قانوني، فإنه يأخذ بذلك صفة المعيار القانوني"[32]، وهذا ما يؤكد كذلك غياب القطيعة المطلقة بين القانون والأخلاق، بل يجعل من هذا الأخير في خدمة الأول وفي بيان موضوعه، وخدمة غاياته، دون منحه سلطة السيطرة على محتوى القاعدة القانونية وصيغتها المنطقية، بحيث يعمل على نقل كل المعايير الأخلاقية التي يمنحها القانون الوضعي حق التنفيذ إلى معايير قانونية، متنازلةً بذلك عن صيغتها الأصلية لصالح القانون الوضعي.
واستنادًا إلى مسعى الموضوعية التي تهدف النظرية المحضة بلوغه، حيث جعلت من معرفة ماهية القانون محور اهتمامها؛ تعتكف على وصف القانون كما هو، وتخليصه من كل التأثيرات الخارجة عنه وما يترتب عليها من استغلال أيديولوجي له، كل همها فهم طبيعة القانون الوضعي وتحليل بنيته، دون محاولة منها إلى تبريره أو نقده، ورغبتها في أن تكون علما قائم الذات، يجعل منها نظرية تمتنع عن إصدار أي أحكام تقييمية عن القانون، يقول في هذا الصدد: "النظرية المحضة واقعية جذريا تمتنع عن إصدار الأحكام التقييمية عن القانون؛ لأنها تريد أن تكون علما، وتقتصر على فهم طبيعة القانون الوضعي وتحليل بنيته. وهي ترفض بصورة خاصة ترجيح أية مصلحة سياسية بتزويدها بالإيديولوجيات التي تسمح لها بتبرير هذا النظام الاجتماعي أو ذاك، أو انتقاده"[33]. وهو الأمر الذي ترفضه قطعيا الوضعية القانونية في صيغتها العلمية عن القانون؛ القانون قانون، فلا وجود لقانون عادل وآخر ظالم. وعليه، لا يمكن إخضاع القانون لهذا الشكل من التقييم، وينفي حتى عن علم القانون إمكانية إصدار الأحكام التقييمية لأنها لا تدخل ضمن نطاق اختصاصه، وتُخلّ توازنه وتشوش على هدفه الموضوعي، "فالعلم القانوني لا يستطيع مع ذلك أن يصدرها (أي الأحكام التقييمية)؛ لأن القانون الوضعي له خصوصية تخويل هيئات معينة صلاحية أن تقرر كون الواقعة شرعية أم غير شرعية"[34]. وبذلك، ينبغي أن يقتصر دور رجل القانون المحض على معرفة القاعدة القانونية كما هي، والتحقق من مدى احترامها كما وضعتها السلطة المختصة، من غير أن يتطرّق إلى تقدير ما إذا كان مضمونها عادلاً أو غير عادل، أو منسجماً مع مصلحة المجتمع أو مخالفاً لها؛ فذلك أمرٌ يندرج ضمن مجال آخر، يتولاه أهل الاختصاص فيه[35].
وفي هذا الصدد، يستند كلسن في رفضه للجوء إلى تقييم الجودة الأخلاقية لمحتوى القانون على فهم عام حول الأخلاق إذ يجعلها ذات قيمة مطلقة، وعلى تصور يعتبر العدالة فكرة أزلية لا تتغير، ذات حقيقة مطلقة، لا يقدر أي علم تحديد محتواها على ضوء ما هو كائن وعقلاني[36] لأن أصلها المفترض وطبيعتها المجردة يحولان عائقًا أمام مسعى التحديد العقلاني لمحتوى العدالة. وعليه، فالطبيعة المطلقة للعدالة وغياب تحديد عقلاني وضعي لها يجعل من التعبيرات والأحكام التقييمية الصادرة عنها ليست سوى تعبيرات عن مصالح ذاتية تختلف باختلاف المرجعيات، وتتعدد بتعدد الذوات، مصالح مسندة بأيديولوجيات معينة، مما يفضي إلى تضارب في المصالح، وتقييمات تفتقر إلى الصلاحية الموضوعية، وبالتالي لا يمكن إقامة أحكام تقييمية على عنصر مجرّد يتنافى والموضوعية كأساس للنظرية المحضة التي تطمح لأن تكون علمًا. وطموحه هذا يلزمه بأن يكون مستقلا عن الأخلاق لئلا يصاب بالذاتية التي تميز الادعاءات الأخلاقية[37].
يفضي بنا هذا القول إلى ضرورة توضيح أمر لا محيد عن بيانه، فعلل الرفض التي يصرح بها كلسن بشكل مباشر للأحكام التقييمية القائمة على مبدأ العدالة المطلقة، لا يعني البتة أنه يرفض قطعيا كل القيم الأخلاقية التي تنبني عليها المجتمعات الإنسانية وتقيم عليها أعرافها. فتحقيق العدل وإقراره عمليا مهمة منوطة بالقانون الوضعي، بما هو أداة للضبط. وعلى الرغم من التمييز الذي تضعه النظرية المحضة بين القانون من جهة والعدالة من جهة أخرى، فإن هاتين الفكرتين تظلان مترابطتين حسب كلسن بخيوط واضحة، فالنظام الوضعي في الدولة لا يمكن أن ينتسب إلى ميدان القانون إلا إذا فسح المجال لفكرة العدالة، سواء بتحقيق الحد الأدنى الأخلاقي، أو بمحاولة أن يصبح القانون منصفا وعادلا.
على هذا الأساس، يمكن فهم أطروحة الفصل التي يقيمها كلسن بين الأخلاق والقانون بشكل نسبي، وتحديدًا معارضته لإصدار أحكام تقييمية ذات أساس أخلاقي على أنه رفض مدفوع بخلفية علمية بدرجة أولى، تتجلى بالأساس في الدفاع عن استقلالية القانون وسلطته المعيارية، ومن ثمة إقامة نظرية معيارية خالصة في القانون ترفع علم القانون لكي يحقق الموضوعية، علم يجرد محتوى القانون من كل التأثيرات الخارجية والتقييمات الذاتية المختلف، ولا يرهن نتائجه العلمية بأية علاقة مباشرة تربط بين المعايير الأخلاقية والقانون[38]. وعليه، إن التمييز الذي يقيمه كلسن بين الأخلاق والقانون لا يعدو أن يكون في جوهره سوى إبعاد ورفض قطعي للتحكيم القيمي لجودة محتوى القواعد القانونية وتحديد صلاحيتها على أساس أخلاقي تسيطر عليه النزعات الذاتية، ومنه تخليص علم القانون من مؤثر آخر يعيق تحقيق الاستقلالية العلمية للنظرية المحضة إلى جانب تأثيرات العلوم الطبيعية.
ثالثا: ماهية القانــون وطريقة تشكـلـه
قبل البدء في بيان التصور الذي تضعه النظرية المحضة لتشكّل القواعد القانونية القانون، نذهب بادئ ذي بدء إلى بيان موقفها من تقسيم النظام القانوني في مجموعة من البلدان؛ بين قانون عام وقانون خاص، وعبره بين القانون والدولة، ويأتي موقفها على صيغة رفض قطعي لهذا التصنيف، ودفاعًا عن وحدة النظام القانوني ونفي الازدواجية عنه. يقيم كلسن نقده لهذه الازدواجية على أساس علمي، يستمد أصوله من نظريته المحضة وهدفها العلمي العام، مما يجعلها تنظر إلى القانون من وجهة عالمية، بوصفه نظام شامل غير قابل للتقسيم أو التجزيء، فهي نظرية للقانون الوضعي ككل وليس لقانون بعينه[39]. يذهب كلسن في هذا الصدد إلى تحليل مضامين كل تصنيف، والنظر بتفحص في الركائز التي يقوم عليها كل فرع، ومراميه، ثم عقد مقارنة بينها وبيان التأثير السلبي المترتب عن هذا التقسيم على علمية علم القانون. تقسيم لا يرى فيه كلسن أي فائدة معرفية أو قيمة علمية، ولا يجد له أي سند منطقي ينطلق منه ويقوم عليه. تفرقة لا تستند إلى القانون الوضعي الذي هو موضوع علم القانون، كل ما يوجد من وراء هذا التقسيم لا يتعدى أن يكون مسعى نفعي ببعد أيديولوجي، البعد الذي تهدف النظرية المحضة جاهدةً الى التخلص منه.
لفهم النقد الكلسيني لهذه الازدواجية يلزم البدء بمعرفة المقصود بالقانون العام والقانون الخاص. يعمل كلسن على توضيح هذا الأمر ويرى أن القانون الخاص هو القانون الذي يحكم العلاقات بين الأفراد، قانون تطبعه المساواة في تأطير العلاقات بين الأشخاص. أما القانون العام، فيقصد به القانون الذي يحكم العلاقات التي تكون الدولة طرفًا فيها، وهي علاقة سلطان يكون أحد الأطراف مسيطرا، وهنا الدولة هي ذاك المسيطر والغالب، فيما يكتفي الطرف الآخر بدور التابع. فالتمييز بين القانون العام والقانون الخاص يرمي حسب كلسن إلى وضع القانون مقابل الدولة كقوة ليس لها إلا جزئيا الطبيعة القانونية[40].
يترتب عن التصنيف الذي يُرجع كلسن أساسه إلى ما هو ايديولوجي، فصل مطلق بين القانون الخاص الذي يمكن عدّه حسب كلسن ذا تكوين ديمقراطي، وذلك لطبيعة عمله، وبين القانون العام الذي تكون فيه الدولة طرفًا مسيطرًا، ويراه قانونا ذا تكوين أوتوقراطي. هذا الفصل يتجلى بدرجة واضحة في أن القانون العام هو قانون سلطان الدولة ومصلحتها، والقانون الخاص هو مجال القانون الحقيقي، ينتج عنه تعارض صريح بين القانون العام والقانون الخاص "فمن جهة هناك تطبيق حرفي للقانون في حالة معينة، وفي الأخرى هناك تنفيذ حر لهدف الدولة في إطار القانون أو حتى بخلاف القانون إذا تطلبت الظروف"[41]. وينحو بنا هذا التمييز صوب توضيح أساس آخر للفصل يوجه من خلاله كلسن نقدًا حادًا لهذا التصنيف، هذا الأساس يتمثل في التمييز بين الحقوق السياسية والحقوق الشخصية، على اعتبار أن الأولى يضمنها القانون العام، والثانية القانون الخاص. بَيد أن كلسن يرفض هذا التمييز ويعتبر الحقوق الشخصية حقوقًا سياسية كذلك، وعلى نفس الدرجة من تلك التي توصف بأنها سياسية، فكلتاهما تمنحان الإمكانية للتدخل في المجال السياسي؛ وذلك التدخل يكون من خلال المشاركة في تشكيل إرادة الدولة، "فالتمييز بين القانون العام الذي يكون سياسيًا، والقانون الخاص الذي ينشئه العقد يعود، مثل القانون العام، إلى ميدان السياسة"[42]. وهكذا، فالفصل بين القانون العام والقانون الخاص حسب النظرية المحضة في القانون لا فائدة منه طالما أنه قائم على أساس أيديولوجي، وله وظيفة مذهبية حيوية تتجلى في منح حرية التشريع لأجهزة الدولة، الشيء الذي يجعل منها سلطة متجاوزة للقانون ومستقلة عنه، وليست دولة القانون كما يُراد لها أن تكون.
هذه الازدواجية في القانون؛ قانون عام وقانون خاص، تُفضي بنا إلى الحديث عن ازدواجية أخرى يراها كلسن ازدواجية تقليدية، تلك الموجودة بين القانون والدولة. ازدواجية ناتجة عن فهم يمكن وَسمُه بالفهم السّامي لماهية الدولة، تعد جرّاءه بمثابة كيان متميز مستقلة عن القانون، مع احتفاظها بالطابع القانوني، بالرغم من أنها ترى ذاتها "فوق القانون"، إلا أنها تُضفي على كيانها الصّبغة القانونية، "فهي صاحبة حقوق وواجبات غير أنها في الوقت عينه لها وجود مستقل، وتغدو بهذا ككيان "ما وراء القانون" ونوع من "فوق الإنسان" ذات سلطان وتنظيم اجتماعي، فإنها تصبح في الوقت نفسه شرط القانون والموضوع الذي يشترطه القانون {...} ازدواجية لها دور أيديولوجي لا يمكن التقليل من أهميته، ويتجلى في ظهورها بشرعية قانونية قوية بما هي شخص متميز عن القانون، وهو نفسه أن يكون نظامًا مختلفًا بصورة أساسية عن الدولة، دون ارتباط مع القوة التي هي الأصل في تكوينها، إذن يجب أن يكون نظامًا عادلا ومنصفً"[43].
بناء على هذا الرفض المطلق الذي تتبناه النظرية المحضة لمسألة ازدواجية القانون - قانون عام وقانون خاص- الحاضرة في نظرية القانون، والتي جعلت التطرق إلى القانون يستند إلى توزيع القانون لأقسام، وبالتالي التعاطي معه في أجزائه وليس في شموليته، الأمر الذي فتح المجال أمام توظيف هذا التقسيم لخدمة غايات أيديولوجية أكثر منها علمية. ولتجاوز هذه الثغرة والقطع معها، ذهب كلسن في محاولة صياغة تعريف للقانون يتناسق مع طبيعة المعالجة العلمية التي تنهجها النظرية البحتة في دراسة القانون، ومع مناداتها بوحدة النظام القانون، تعريف يمنحه الهيئة المناسبة التي تجعله موضوعًا لعلم مستقل. وعليه: ما القانون حسب النظرية الخالصة؟ وكيف يتشكل؟
تُجادل النظرية المحضة كل مذاهب الفقه القانوني التي ذهبت إلى تعريف القانون بالاستناد إلى معايير أخلاقية ودينية واجتماعية...إلخ، وذلك لما له من انعكاس سلبي على النظرية القانونية المعيارية، وعلى مسعى العلمية الذي ترمي إلى إقراره. بذلك، صارت النظرية المحضة في منحى معاكس لما ذهبت إليه مجمل المذاهب القانونية في صياغة تعريف للقانون، محاولةً بذلك وضع تعريف يتماشى مع بنيتها الداخلية، ومع منظورها الوضعي لماهية القانون، حيث قطعت في تعريفها للقانون مع كل ما لا يقع ضمن نطاق القانون الوضعي بما هو قانون بشري تم فرضه وليس افتراضه.
ينطلق كلسن من الصيغة العامة التي وضعها للقاعدة القانونية، حيث يجعل العلاقة القائمة بين النتيجة المسندة إلى الشرط أساس تعريفه للقانون، وهي الصفة المميزة من وجهة نظره في التعريف الذي تعطيه النظرية المحضة للقانون، ذلك لأن العلاقة تؤكد بشكل واضح على وجوب إلحاق جزاء بمرتكب عمل غير شرعي، وهو ما يغيب حسب كلسن عن المعايير الأخلاقية والدينية، فلا وجود لاستخدام القسر في حق مرتكب عمل غير مشروع، كل ما هنالك هو توجيه لتجنب العمل غير الجائز دون أن توجد أي ضوابط معينة تحدد الجزاء الذي يجب أن يلحق كل من تسوّل له نفسه أن يتجاوز السلوك المحظور أو غير المرغوب فيه، وإن وجدت هذه الجزاءات في بعض الديانات التي يعتبرها هو أكثر تقدمًا، فنقصها يكمن في أنها تتركها إلى الحياة الأخرى، وهو ما لا يمكننا الاتفاق عليه جملة وتفصيلا مع كلسن، فهناك بعض المعتقدات الدينية التي تعمل بهذا الشكل لكن توجد فيها بعض الجزاءات المرتبطة بأعمال غير مشروعة، والتي تجيز التنفيذ القسري لها في العالم المعاش لا العالم الآخر.
وطالما أن الأمر مرتبط بقواعد قانونية وضعية، وبجزاءات قضائية وضعية كذلك، فالقانون هنا يتخذ معنى دقيق يُحيل على جوهر العملية التي تربط بين النتيجة المسندة إلى شرط، والتي لها دلالة الجبرية أو القسر، وما دام القانون في النظرية المحضة مجموعة معايير ونظامًا معياريًا[44] ينظم العلاقات ويضبط سلوك البشر، فالقانون يغدو بحسب هذا التحديد نظامًا قسريًا يأمر بجزاء مرتبط بعمل غير شرعي[45]، يقول كلسن في هذا الصدد: "الجزاءات القضائية فهي على العكس أعمال لكائنات بشرية، تقضي بها قواعد كانت بذاتها قد أنشأها البشر. فهي تكون عنصرًا من عناصر التنظيم الاجتماعي. ومن هذه الوجهة يبدو القانون نظامًا قسريًا، كتنظيم متكون من المعايير التي تسمح بأعمال القسر بشكل جزاءات منظمة اجتماعيا"[46]؛ أي إنها تخالف تلك الجزاءات الأخلاقية والدينية لما تحمله من صفة ميتافيزيقية تتجاوز قدرة الإنسان، وبهذا يكون القانون وسيلة ضبط للسلوك الإنساني، وتقنية قسر تتجلى وظيفتها الأساسية بحسب تصور كلسن في "تنظيم استخدام القوة في العلاقات بين الناس"[47].
واستنادا إلى هذا التعريف يميز كلسن بين نوعين من المعايير القانونية: القاعدة القانونية الأولية والقاعدة القانونية الثانوية، أو بين المعيار الأولي والمعيار الثانوي، أساس هذا التمييز هو الاختلاف الموجود بين القواعد القانونية التي تكون صريحة في ربطها بين العمل غير المشروع والجزاء، وقواعد قانونية أخرى تأمر باجتناب العمل غير المشروع والذي لا يكون شرطا للجزاء، مثال ذلك تأمر القوانين بتحية العلم، لكن عدم القيام بالتحية ليست شرطًا لأي جزاء أو نتيجة. وما دام القانون نظاما قسريا، فالقاعدة القانونية الحقيقية هي تلك التي تقيم علاقة بين العمل غير المشروع والجزاء، ويسميها كلسن بالقاعدة القانونية الأولية، والأخرى التي تأمر بسلوك معين دون أن تحدد الجزاء المنوط بتجاوز هذا السلوك، يسميها القاعدة القانونية الثانوية، ويعتبرها زائدة؛ لأنها "تفترض وجود قاعدة قانونية أولية لا يكون لها بدونها أي معنى قانوني، وتلك القاعدة القانونية الأولية تحتوي على جميع العناصر الضرورية لتكوين المعيار القانوني الكلي"[48].
وفقا لهذا التصور العام للنظرية المحضة في القانون، من تأكيد على استقلالية النظرية القانونية عن غيرها من الفروع المعرفية، وصياغة مبدأ خاص بها، ونفي أي ازدواجية عن القانون، ورفض كل تحكيم تقييمي لصحة محتوى المعايير القانونية، وجعل القانون الوضعي الذي يحكمه مبدأ الحركية حسب الزمان والمكان مركز اهتمامها، أضحى إلى النظام القانوني يتسم بالدينامية والتطور والتركيب، "فالنظام القانوني ليس مجموعة معايير متراصة جنبا إلى جنب ومتناسقة، وإنما له تركيب تدريجي، وتتوزع معاييره على طبقات مختلفة موضوعة بعضها فوق بعض"[49]؛ أي إن عملية إنشاء القانون تتخذ شكل سلسلة متواصلة من العمليات، وتدرج هرمي يبدأ من قاعدة قانونية معينة تنشأ عنها قاعدة أخرى وهكذا دواليك، فصحة المعيار القانوني وصلابته رهينة بهذا التسلسل الهرمي، بَيْد أن استمرارية هذه السلسلة إلى ما لا نهاية أمر غير وارد في النظرية المحضة، فمبدأ الإسناد له نهاية ما دامت القاعدة القانونية عملا بشريا ناتجا عن واقعتين، والاستمرارية في هذه السلسة يتعارض مع المبدأ المعتمد في صياغة القواعد القانونية، ويغدو بذلك مُوافقا لمبدأ السببية الذي ترتبط فيه النتيجة بالسبب في سلسلة غير محدودة من الأسباب والنتائج.
وبناء عليه، تبدأ هذه السلسلة من القاعدة القانونية القسرية التي تجيز تنفيذ جزاء تجاه العمل غير المشروع، والتي تستمد حقيقتها القانونية من معيار قانوني أسمى منها "ويمكن الصعود لغاية المعيار الأساسي الذي تعتمد عليه صحة النظام القانوني بمجموعه"[50]. ومنه، لا بد أن تتوقف هذه السلسلة عند قاعدة قانونية معينة، هذه القاعدة العليا التي ستكون الحد النهائي لهذا التسلسل الهرمي، وتكون هذه الدرجة العليا التي تعتلي قمة هرم البناء القانوني وتشكل أساس وحدة القانون الوضعي هي القاعدة أو المعيار الأولي للكل نظام قانوني معين، ويكون هنا هو الدستور التاريخي الأول للدولة، المُتّسم بصفة الفاعلية اللامحدودة في صياغة المعايير القانونية، بما هو العمل الأول المنشئ للقانون[51]. يشكل إذن الدستور حسب كلسن القاعدة الأساسية التي تقف عندها السلسلة المتواصلة، دون أن تستند هي إلى أي معايير قانونية معينة أو أيّة قواعد أو ضوابط وضعية سواء اجتماعية أو أخلاقية وحتى دينية، فعملية، إنشاء القانون تبدأ بتأسيس الدستور، وتنتهي بتنفيذ القواعد القانونية ذات الصبغة القسرية التي تسعى إلى مجازاة العمل غير الشرعي[52]. وعليه، نتساءل ما مصدر الدستور؟ وكيف تتم صياغته؟ ومن أين يستمد شرعيته؟ ألا يمكن الإقرار هنا بوجود معايير دينية وأخلاقية واجتماعية وسياسية واقتصادية في وضع الدساتير؟ وبالتالي النقطة النهائية التي تقف عنده سلسلة القواعد القانونية الوضعية يمكن أن يكون قائما على معايير تخدم مصالح وأيديولوجيات معينة؟
جرّ الاكتفاء بإرجاع القاعدة الأساسية أو المعيار الأولي المُشكّل لوحدة القانون، والمصدر الأعلى لكل القواعد القانونية بشكل افتراضي إلى دستور كل دولة فحسب، دون البرهنة والاستدلال على مصدره، والنظر في مدى ملاءمته لهدف النظرية المحضة المتمثل في دراسة القانون الوضعي في شموليته وليس قانونا وضعيا بعينه، دراسة وضعية تتبع ماهية القانون الوضعي دون الخروج عنه؛ قانون فُرض ولم يُفترض، جملة من الانتقادات التي طالت مذهبه القانوني، معتبرة هذا المعيار الأولي المفترض وغير المستدل على أصله ثَغرة تفقد "مذهب كلسين" الأسس الموضوعية التي قام عليها، وتعيده إلى حظيرة الميتافيزيقا[53]، ما دامت تفترض وجود قاعدة أساسية دون أن تستدل عليها وعلى بنيتها وكيفية تشكلها، وهي التي رفضت رفضًا قطعيًّا كل ما هو مُفترض، واكتفت بما فُرض وتم إقراره.
رابعا: التفسير كعمليـة تأويليـة ملازمـة لعملية تشكّـل القوانين
تتخذ مسألة التفسير بما هو عمل من أعمال المعرفة في النظرية القانونية درجة كبيرة من الاهتمام، فطبيعة بنية النظام القانوني؛ أي تسلسه الهرمي على شكل قواعد مترابطة فيما بينها على هيئة تركيب تدرجي ينتهي عند قاعدة أساسية تكون هي المعيار الأعلى الذي تنبثق عنه مختلف القواعد القانونية، ينتج عنها مسألة التفسير. وبهذا يعرف كلسن التفسير باعتباره منهجا في التفكير يصاحب سيرورة إنشاء القانون، بدءا من المعيار الأسمى حتى أدنى معيار في سلسلة النظام القانوني[54]. وبهذا، يشكل التفسير عملية تأويلية تلازم مسار تشكل القانون، فالتفسير مهم في المرور من مرحلة صياغة القواعد القانونية إلى مرحلة تطبيق الأحكام وتنفيذها.
يجمل كلسن أهمية التفسير في ثلاث عمليات أساسية، أولا تكتسي عملية تطبيق القانون ضرورة الاستناد إلى التفسير كعملية تتيح إمكانية معرفة وفهم الطريقة التي تنهجها الأجهزة المخول لها تنفيذ القانون في الانتقال من هرم التركيب التدريجي للقانون إلى أبسط القواعد التي يتم تطبيقها بشكل مباشر ويكون الجزاء فيها مضبوطا. كما أنه مهم من حيث دوره الفعال في تفسير الدستور بما هو المعيار الأعلى في التسلسل الهرمي للنظام القانوني. وهو فهم ضروري عندما يراد تطبيق الدستور من أجل تشريع مختلف القوانين التي ينظمها الدستور. وأخيرا إنه ضروري من حيث أهميته في تفسير جل المعايير المنفردة من الأحكام القضائية والقرارات الإدارية وغيرها. ويقول كسلن مجملاً القول في أهمية التفسير: "وباختصار فكل معيار يجب أن يفسر بالمقياس الذي يطبق به، أي بالمقياس الذي تكون فيه عملية إنشاء القانون وتطبيقه منحدرة من درجة معينة في تدرج النظام القانوني"[55].
يسلم كلسن بأن المعايير القانونية في صيغتها العامة لا تنظم العمل بشكل دقيق ومفصل؛ أي إنها لا تصوغ بشكل مباشر ودقيق الشروط والضوابط التي تؤطر تنفيذ كل قاعدة قانونية على حدة، فهي تترك على الدوام هامشًا كبيرًا للتقدير[56]. وعليه، يغدو المعيار القانوني معيارًا مفتوحًا لإمكانات متعددة من التأويل، تحضر على شكل إطار مفتوح يترك مجالا للتفسير واتخاذ القرار من طرف من توكل له صلاحية التنفيذ والتطبيق. ومن ثم، فالتفسير عملية مُهمة ومسألة أساسية في التنزيل الفعلي للمحتوى القانوني وفي تقرير الأحكام والجزاءات بشكل مفصل ودقيق.
ذهب كلسن عبر محاولته هذه إلى التأسيس لنظرية خالصة في القانون، تجعل من علم القانون علمًا مستقلًّا، غير خاضع لأي تأثيرات خارجية يكون بمقدورها فرض إملاءات تخدم مصالح مذهبية فئوية، علم يملك كل المؤهلات التي تتيح له دراسة القانون دراسة تستوفي الشروط العلمية وتحقق الموضوعية. وكأول خطوة لتحقيق هذا المسعى بدأ كلسن بسلسلة من التمييزات، الفصل بين العلوم الطبيعية ذات المبدأ السببي وبين العلوم الاجتماعية وتحديدا علم القانون، مستدلا بذلك على وجود مبدأ خاص بهذا الفرع المعرفي، والذي وَسمهُ بمبدأ الإسناد، مفصلا في التمييز بين الفرق بينه -الاسناد- ومبدأ السببية، وبهذا استطاع نسبيًا إحداث استقلالية للعلم القانوني، هذه النسبية هي التي تقف اليوم أمام ما بلغته مختلف الفروع العلمية من تأثير وتأثر فيما بين بعضها البعض. وهكذا، استرسل في وضع هيكل نظريته القانونية عبر وضع تمييز نسبي بين القانون والأخلاق، ثم صياغة تعريف خاص للقانون يتوافق والبناء الهندسي لنظريته البحتة، ثم توضيح التسلسل الهرمي لتشكل القواعد القانونية التي جعلت من قاعدة أساسية مفترضة المعيار الأول لهذا التدرج الهرمي، ثم صاغ نظرية في التأويل تكون كفيلة بتيسير عملية تنفيذ القوانين وتطبيقها.
خاتمة:
شكل إذن هذا النموذج من الوضعية القانونية المغرق نسبيا في المعالجة التصورية للقانون والتي وضع هانس كلسن معالمه الكبرى في كتابه: «النظرية المحضة في القانون» الأرضية المعرفية التي ستشكل الأساس الذي ستبنى عليه مختلف صِّيغ الوضعية القانونية في نظرياتها وتصوراتها لعلم القانون في مختلف بنياته، وتحديدًا التمييز بين الأخلاق من جهة والقانون من جهة ثانية على أساس نفي كل حكم تقييمي لصلاحية القانون تكون الأخلاق مصدرا له، مما يخلق أحكاما نسبية مختلفة ومتعددة باختلاف وتعدد وجهات النظر وحكمها التقييمي الذي تصدره، تمييز سوف يتم تطويره وتعميق النظر فيه، والعمل على تجاوز هفواته مع صيغ أخرى للوضعية، من أبرزهم رائد الفقه القانوني الإنجليزي هاربرت هارت Harbert. L. A. Hart (1992-1907) الذي يشكل امتداد الوضعية القانونية في القرن العشرين.
قائمة المصادر والمراجع:
- أندريه لالاند، موسوعة لالاند الفلسفية، ترجمة خليل أحمد خليل، الطبعة الثانية، منشورات عويدات، بيروت-باريس، المجلد الثاني، 2001
- دينيس لويد، فكرة القانون، ترجمة سليم الصويص، مراجعة سليم بسيسو، عالم المعرفة، العدد 47، الكويت، 1981
- كلسن هانس، النظرية المحضة في القانون، ترجمة أكرم الوتري، منشورات مركز البحوث القانونية (11)، بغداد، 1986
- مرقس سليمان، فلسفة القانون (دراسة مقارنة)، المنشورات الحقوقية، المكتبة المركزية، بيروت، 1999
- HANS KELSEN, Théorie pure du droit : Introduction A la Science du Droit, Traduit de l’allemand par HENRI THÉVNAZ, Édition de la Baconniére, Suisse, 1953
- LARS VINX, HANS KELSEN’S Pure Theory of Law (Legality and Legitimacy), Oxford university Press, New York, 2007
[1] من أشهر المؤلفات في فلسفة القانون عمومًا ومذهب الوضعية القانونية تحديدًا، إذ يعد إلى جانب مؤلفات أخرى (نخص بالذكر مؤلفات جيريمي بنثام Jeremy Benthamوجون أوستين John Austin وهربرت هارت Herbert Hart) من أمهات المراجع التي أسست لهذا التوجه الوضعي في فلسفة القانون، ترجم إلى عدة لغات منها: اللغة الإنجليزية (Pure Theory of Law, Translation from the second Revised and Englarged German Edition by MAX KNIGHT) واللغة الفرنسية (Théorie Pure du Droit, Traduit de l’allemend par HENRI Thévenaz, 1953)، وكذا اللغة العربية (النظرية المحضة في القانون، نقله إلى العربية أكرم الوتري سنة 1986)، مؤلف انكب فيه كلسن على وضع أسس نظريته الوضعية في القانون باعتبارها نظرية محضة. الكتاب في أصله ملحق مطور ومعدل للنظرية المحضة التي سبق ونشر هانس كلسن عرضا عاما حولها في كتاب أصدره سنة 1934 بعنوان "علم القانون المحض (Reine Rechtslehre)"، أنظر: هانس كلس، النظرية المحضة في القانون، ترجمة أكرم الوتري، منشورات مركز البحوث القانونية (11)، وزارة العدل، بغداد، 1986، ص ص 5-6
[2] HANS KELSEN, Théorie pure du droit : Introduction A la Science du Droit, Traduit de l’allemand par HENRI THÉVNAZ, Édition de la Baconniére, Suisse, 1953, p7
[3] هانس كلسن، النظرية المحضة في القانون، ترجمة أكرم الوتري، منشورات مركز البحوث القانونية (11)، بغداد، 1986، ص 14
[4] LARS VINX, HANS KELSEN’S Pure Theory of Law (Legality and Legitimacy), Oxford university Press, New York, 2007, p 29.
[5] هانس كلسن، النظرية المحضة في القانون، مصدر سابق، ص 14
[6] LARS VINX, HANS KELSEN’S Pure Theory of Law, ibd, p 29
[7] هانس كلسن، النظرية المحضة في القانون، مصدر سابق، ص 14
[8] نفس المصدر السابق، ص 10-11-12-13
[9] LARS VINX, HANS KELSEN’S Pure Theory of Law, ibd, pp 29-30
[10] هانس كلسن، النظرية المحضة في القانون، مصدر سابق، ص 15
[11] نفس المصدر السابق، ص 15
[12] نفسه، ص 15
[13] نفسه، ص 21
[14] أندريه لالاند، موسوعة لالاند الفلسفية، ترجمة خليل أحمد خليل، الطبعة الثانية، منشورات عويدات، بيروت-باريس، المجلد الثاني، 2001، ص 882
يزكي النقد الذي أورده صاحب الموسوعة الفلسفية الطرح الذي ذهب إليه كلسن في تحديده للعلم المعياري، ينبه لالاند في نقده إلى ضرورة الفصل بين ما هو معياري وما هو أمري، فالمعياري ليس قانونًا ولا أمرًا بالضرورة، إذ لو تم الخلط بينهما واعتبرنا العلم المعياري هو ما يخلق أو ما يفرض معايير، سيحدث تناقض في الكلام عن علم معياري، إذ لا يوجد علم يخلق معايير أو يفرضها، وبلا مغالطة لا يمكن الانتقال مما هو كائن إلى ما يجب أن يكون. فالعلم المعياري لا يُعيّر شيئا؛ فهو لا يقوم بغير عرض أو تفسير المعايير وما بينها من أواصر. أنظر موسوعة لالاند الفلسفية، مرجع سابق، ص ص 882-883
[15] هانس كلسن، النظرية المحضة في القانون، مصدر سابق، ص 21
[16] هذا التحديد نجده مثلا عند دينيس لويد، إذ يعتبر بدوره القانون ظاهرة اجتماعية. أنظر، دينيس لويد، فكرة القانون، ترجمة سليم الصويص، مراجعة سليم بسيسو، عالم المعرفة، العدد 47، الكويت، 1981، ص 12
[17] هانس كلسن، النظرية المحضة في القانون، مصدر سابق، ص 22
[18] نفس المصدر السابق، ص ص 22-23
[19] يشير كلسن هنا إلى أن الإنسان البدائي في عملية تفسيره للظواهر التي يتعاطى لها بحواسه، لا يفسرها تفسيرا سببيا، بل يستند إلى القواعد القابلة للتطبيق على علاقاته البيذاتية مع الجماعة التي ينتمي لها، فثنائية الخير والشر تلزمه بتحديد معايير معينة وفرض وجوب الاحتكام لها والتقيد بها، وبالتالي فتقييمه لأي تجاوز يكون بالعودة لتلك المعايير. هذا الأمر كان يجعله يرى في الظواهر الطبيعية ويفسرها على ضوء الاستناد إلى أعماله، فإن كانت جيدة اعتبرها مكافأة له على حسن تصرفه، وإن كانت سيئة ً فهي في نظره عقاب لتجاوزاته غير المسموحة. ويطرح كذلك فكرة الاعتقاد بالأرواح كتفسير اجتماعي للطبيعة ويعتبره تفسير شخصي واجتماعي ومعياري مبني على مبدأ الاسناد لا على مبدأ السببية، على اعتبار أن فهم الانسان البدائي للطبيعة كان يعتبرها عنصر من عناصر المجتمع. أنظر هانس كلسن، النظرية الخالصة في القانون، مصدر سابق، ص ص 18-19
[20] نفسه، ص 18-19-20
[21] يلزم الإشارة هنا إلى التمييز الذي يضعه كلسن بين المعايير القانونية والقواعد القانوني، ويُعرّف هذه الأخيرة باعتبارها أحكام افتراضية يضعها فقهاء القانون لخدمة غاياتهم العلمية التي تتجلى في فهم القانون وبيان محتوياته، ولبيان وجوب إيقاع العمل القسري كجزاء في الحالات التي تستوجب ذلك، وصيغة عامة ومجردة تعبّر بشكل منطقي وصوري عن المحتوى المعياري للقانون، وأداة يلجأ لها العلم القانون لتبيان المعايير القانونية المطبقة في نظام قانوني معين، وبهذا تكون القاعدة القانونية عملا ذا مصدر معرفي بالأساس. بينما تشكل المعايير القانونية المحتوى القانوني الذي يأمر بسلوك محدد ويجيزه؛ أي أنها تلزم بإقرار سلوك معين واجب الاتباع، ويتم إنشاءها من طرف أجهزة مختصة ولا دخل لرجل القانون فيها، فتكون عمل من أعمال الإرادة. للمزيد من الاطلاع انظر المصدر السابق، ص 38-39-40-62
[22] نفسه، ص ص 15-16
[23] نفسه، ص 22
[24] يقول كلسن: "عندما نقول إن معيارًا قد أنشأه عمل ما فإننا نستخدم مجازا يقصد به التعبير عن فكرة تفيد بأن ذلك العمل له معنى معياري، أي معيار أنشأنه عمل جرى في الزمان والمكان يدعى وضعيا، ويتميز عن جميع السنن التي لم تنشأ بتلك الطريقة، والتي لم تكن قد فرضت وإنما افترضت بعمل ذهني بحت ليس إلا فالقانون والأخلاق نظامان وضعيان، إذا كانت سننهما قد فرضت أو أنشئت، وبالقدر الذي وضعت أو أنشئت فيه بأعمال جرت في المكان وفي الزمان كأعراف اتبعها أعضاء جماعة، أو وصايا نبي، أو قرار مشرع ...". فالمعيار بالنسبة له يجب أن يكون وضعيا؛ أي تم إنشاءه وفرضه بعمل جرى في الزمان والمكان، وليس مفترضا، فهذا الأخير لا يكون منتميا إلى ميدان الحقيقة، وبالتالي لنا يمكن أن يكون موضوعًا لعلم القانون. أنظر نفس المصدر السابق، ص 16-17
[25] نفسه، ص 16
[26] نفسه، ص ص 22-23
[27] نفسه، ص 24
[28]هانس كلسن، النظرية المحضة في القانون، مصدر سابق، ص 48-54
[29] LARS VINX, HANS KELSEN’S Pure Theory of Law, ibd, p 58
[30] هانس كلسن، النظرية المحضة في القانون، مصدر سابق، ص 44
[31] نفس المصدر السابق، ص 44
[32] نفسه، ص 44
[33] نفسه، ص ص 50-51
[34] نفسه، ص 45
[35] سليمان مرقس، فلسفة القانون (دراسة مقارنة)، المنشورات الحقوقية، المكتبة المركزية، بيروت، 1999، ص 238
[36] هانس كلسن، النظرية محضة في القانون، مصدر سابق، ص ص 48-49
[37] LARS VINX, HANS KELSEN’S Pure Theory of Law, ibd.
[38] دينيس لويد، فكرة القانون، مرجع سابق، ص 58
[39] هانس كلسن، النظرية المحضة في القانون، مصدر سابق، ص 145
[40] نفس المصدر السابق، ص 142
[41] نفسه، ص 144
[42] نفسه، ص 145
[43] نفسه، ص 145-148، بتصرف.
[44] نفسه، ص 75
[45] نفسه، ص 55
[46] نفسه، ص 56
[47] نفسه، ص 59
[48] نفسه، ص 61
[49] نفسه، ص 117
[50] نفسه، ص 117
[51] نفسه، ص ص 117-118
[52] نفسه، ص 122
[53] سليمان مرقس، فلسفة القانون :دراسة مقارنة، مرجع سابق، ص 242
[54] هانس كلسن، النظرية المحضة في القانون، مصدر سابق، ص 129
[55] نفسه، ص 129
[56] نفسه، ص 130
