الثورة العباسية: الدروس المستخلصة من الثورات التاريخية


فئة :  مقالات

الثورة العباسية: الدروس المستخلصة من الثورات التاريخية

مقدمة:

لا تختلف الثورة العباسية، من حيث الأهمية، عن غيرها من ثورات القرن الثامن عشر: الأمريكية 1776، والفرنسية 1789. والقرن العشرين: الثورة الروسية 1917، والإيرانية 1979، وثورات أوروبا الشرقية، وبالمقابل ما بات يعرف بثورات القرن الواحد والعشرين، ابتداءً بالثورات الملونة في جورجيا وأوكرانيا وقيرغيزيا، وانتهاء بالعالم العربي اليوم: ثورتي تونس ومصر وليبيا...إلخ.

لقد كان للثورة الأمريكية أن تضع الأساس لأعظم دولة في التاريخ المعاصر، وأن تقضي على موجات الاستعمار الأوروبي بشكل قاطع، كما كان للثورة الفرنسية أن تكون بمثابة نقطة البداية لتجسيد الوعي الأوروبي، وبلورة أفكار التنوير التي احتضنت بذور مشروع الحداثة الغربي الذي لا تزال تجلياته قائمة إلى يومنا هذا.

كما مثلت كل من الثورة الروسية والإيرانية، على التوالي، معالم أول ثورة شيوعية في العصر الحديث، وأول ثورة إسلامية في القرن العشرين.[1]

وبالمقابل، فقد كانت الثورة العباسية منعطفا مهمًّا في التاريخ العربي الإسلامي، لا لكونها "ثورة سياسية أدت إلى انتقال السلطة من نظام إلى آخر (ومن عائلة حاكمة إلى أخرى)...بل لكونها ثورة قلبت المفاهيم السياسية والاجتماعية والاقتصادية في المجتمع آنذاك. وهذا بالضبط ما جعلها تحتل تلك المكانة المتميزة في التاريخ الإسلامي الوسيط".[2]

وعلى الرغم من أهمية البعد السياسي والأيديولوجي الذي قد يأخذ عند ثورة ما طابعا مهيمنا، فإنّ القاسم المشترك بين مختلف الثورات والفئات المكونة لها دون استثناء، هو مرارة الواقع الاجتماعي، والشعور المتزايد بالإحباط في غد أفضل، في الحاضر والمستقبل، ما دفع أحد منظّري الحراك الجماهيري في الوقت الحالي، إلى القول بأن أسوأ الاحتمالات هو: " تآكل الطبقة المتوسطة، واقتراب شريحة كبيرة من أبناء هذه الطبقة من مشاعر الفقراء، وتزايد الإحساس بمعاناتهم".[3] في الإشارة إلى خطورة الموقف الذي قد يرفع شعار الثورة.

إن الإشكال التي تحاول أن تجيب عليه هذه الورقة حول موضوع "الثورة العباسية"، هوبالأساس مشكل له أسباب (مدخلات) ويفترض حلا (مخرجات)، أو ما يمكن أن يطلق عليه في أدبيات علم السياسة بالثورات الاجتماعية، كحالة من حالات الرفض الجماهيري لسياسة الواقع.

وكسؤال مركزي: فهل جاءت الثورة العباسية بهذا المعنى، كمطلب لفئات اجتماعية محرومة أم كشعار سياسي هدفه هو الوصول إلى السلطة؟ ويتفرع عن هذا السؤال سؤالين فرعيين: الأول يتعلق بالأسباب، والثاني بالنتائج. من خلال هذه الأسئلة، يمكن الإجابة انطلاقا من التصميم التالي:

أولا: مدخلات الثورة العباسية

1- أطروحة الحرمان... والثورية العباسية

2- واجهات الثورة العباسية

ثانيا: مخرجات الثورة العباسية

1- من تنظيم الدعوة...إلى تفجير الثورة

2- نهاية الخلافة الأموية

أولا: مدخلات الثورة العباسية

يذهب العديد من دارسي الثورة العباسية إلى التركيز على مستويين من النقاش الجاد، حول أدبيات التغيير الجماهيري لدى الثورة العباسية.

مستوى أول، ويتعلق بأطروحتي الحرمان والميز العنصري، اللتين ما فتئ الحكم الأموي يواجه بهما العامة من السكان المحليين، بأدواته وطرائقه المختلفة.

ومستوى ثانٍ، ويضيف أطروحة الولاء العقائدي والسياسي، أو ما يمكن أن يطلق عليه في هذه الدراسة "واجهات الثورة العباسية".

1- أطروحة الحرمان... والثورية العباسية

بالرجوع إلى الثورة العباسية والبيئة التي قادت إلى تفجيرها؛ فقد أبرز العديد من الدارسين، الظروف الاجتماعية والاقتصادية السيئة للشعوب التي كانت خاضعة للسيادة الأموية، وأكدوا على طغيان وتعسف الولاة الأمويين، وعلى تمييزهم الاجتماعي والعنصري، من بين هؤلاء على سبيل المثال نذكر: فان فلوتن، وولهاوزن، والدكتور الدوري، والأستاذ بندلي جوزي، ويعقوب بفسكي.

وقد استندت حجية هؤلاء على ما مفاده:

"أن نجاح العرب السريع أكسبهم ثقة واعتزازا بأنفسهم، ورافق ذلك اعتزاز القبائل بأنسابها، حيث ترتبط المنزلة الاجتماعية بالنسب، فنظروا إلى سكان البلاد المفتوحة نظرة احتقار، ولم تكن هذه النظرة ناتجة عن الجنسية غير العربية لهؤلاء الناس، وإنما بسبب مهنهم الزراعية واليدوية".[4]

ومهما يكن، فإن البحث عن أسباب الثورة العباسية لا يقتصر على مظاهر الصراع العنصري والتمييز الاجتماعي والاقتصادي، ذلك التمييز الذي إن وجد فقد شمل العرب وغير العرب من العامة. فيما يذهب إليه كل من فان فلوتن، وولهاوزن، والدكتور الدوري، والأستاذ بندلي جوزي، ويعقوب نفسكي.[5]

الأمر الذي يدعم وجاهة الرأي الآخر، والقائل بالبحث عن أسباب أخرى، لعل أهمها السياسة الإدارية والمالية للدولة الأموية بشكل عام، وبشكل خاص نظام الضرائب الذي أخذ صورًا تتفاوت في الحدة والخطورة على المواطنين المحليين، ومن ذلك نظام الإقطاع الجبائي المعروف باسم (التضمين)، وهو نظام ابتكره الأمويون، وبموجب هذا النظام يعهد إلى أشخاص ميسورين بجباية الخراج، على أن يقوموا بتسبيقه للدولة، ثم يقومون هم بدورهم بجبايته لأنفسهم أضعافا مضاعفة من صغار المزارعين بعد ذلك.

كما أن جشع الأمويين المتزايد لجمع المال، جعلهم يتجاوزون حدود نظام الجبايات المشروعة إلى ما بات يعرف باسم (المغارم)، وهو نوع من الجبايات غير المشروعة، ذات سمة إقطاعية مضافة إلى الضرائب العادية المعهودة. وترتب على ذلك هجرة بعض الفلاحين والمزارعين الصغار عن أراضيهم، والنزوح إلى المدن لامتهان الأعمال الحرة، نظرا لعجزهم عن دفع تلك الضرائب، بل وأكثر من ذلك، فقد اضطر البعض منهم إلى اللجوء إلى كبار رجال الدولة فيما عرف باسم (نظام الإلجاء)، والتنازل لهم عن أراضيه مقابل حمايته من شطط الجباة، وضمان أبسط مقوم للحياة في ظل تلك الظروف القاسية أو المشددة بلغة القانون.

لقد ترتب على هذه الظاهرة الكثير من ضياع، وإقطاعات الأرستقراطية الأموية لم تجد من يفلحها من ناحية، وتقلص موارد الدولة المالية من ناحية أخرى. ومن ثم ظهرت مشكلة كبرى نجح الحجاج الثقفي -والي العراق- في إيجاد حلٍّ لها، عندما لجأ إلى جلب أعداد كبيرة من زنوج شرق إفريقيا، وأعداد كبيرة من المعدمين الهنود المعروفين باسم "الزط"، وتسخيرهم للعمل في الضياع عن طريق السخرة وفلاحة الأرض وإصلاحها.[6]

وباختصار، فإن سياسة التهميش والحرمان التي كرسها الحكم الأموي السلطوي، ودافع عنها بكل ما أوتي من قوة وعتاد، سواء تجاه الموالي أو الفرس، أو تجاه المد الشيعي الرافض للحكم الأموي منذ وجوده، كان لا بد أن يكون لها تأثير عميق لدى الجماهير، وانتشار المبادئ الثورية بين الفئات الاجتماعية المتضررة، والطامحة للحرية والعيش الكريم. وبالتالي، فإن دلت هذه المقولات على شيء، فإنما تدل على أن طبيعة المشكلات في أغلبها كانت ذات بعد اقتصادي واجتماعي، وإلا فما معنى أن يذهب الكثير من الباحثين إلى التركيز على أداء الزنج كشريحة من فئات المجتمع الأكثر تضررا؟

2- واجهات الثورة العباسية

لقد أخذت الثورة العباسية واجهتين بارزتين، راهن قادتها على التمسك بهما كمنطلق للتغيير، والمضي قدما نحو أهداف الثورة ومبتغياتها، وهما باختصار: واجهة دينية، وواجهة سياسية.

شكلت الثورة العباسية منعطفا مهمًّا في التاريخ العربي الإسلامي، لا لكونها "ثورة سياسية أدت إلى انتقال السلطة من نظام إلى آخر (ومن عائلة حاكمة إلى أخرى)...بل لكونها ثورة قلبت المفاهيم السياسية والاجتماعية والاقتصادية في المجتمع آنذاك.

أ- الواجهة الدينية:

لعل من أهم الحركات المناهضة للخلافة الأموية، تلك الحركة التي تدعو لأهل البيت، وتعتقد بأن لهم وحدهم الحق في أن يخلفوا الرسول صلى الله عليه وسلم في حكم الجماعة الإسلامية. ورغم كون حركة بني هاشم أو آل البيت هذه، لم تكن واضحة المعالم من حيث التنظيم -وإنما كانت من حين لآخر تظهر ثم تؤول للزوال-، فقد كانت إلى جانب ذلك، غير ملتفة تحت قيادة واحدة أو فرع واحد من آل البيت.

وبعد مقتل الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه سنة 40 هجرية-660م، تنازل الحسين بن علي عن الخلافة لمعاوية، واعتزل السياسة (49 هجرية -669م). قام العلويون من الفرع الحسيني بعدة محاولات للثورة ضد الأمويين، وبدوره قام عبد الله بن معاوية الجعفري بانتفاضة ضدهم كذلك في العراق وفارس، وهي الانتفاضة التي باءت بالفشل رغم نجاحها الجزئي في بادئ الأمر.

وقد مثلت المعارضة العلوية اتجاهين:

اتجاه أول؛ ويتبنى طرح الإمامة بالنص وليس بالتخيير، وأن أحق الناس بها هم أبناء علي بن أبي طالب. وقد مثل هذا الاتجاه أنصار ثورة الحسين بن علي، وحفيده زيد بن علي في العراق.

أما الاتجاه الثاني، وهو اتجاه متطرف، أنصاره ينادون بآراء غير إسلامية، كفكرة الحلول و التناسخ، ويسعون إلى تطعيم هذه الآراء بأفكار إسلامية، بهدف تمريرها وانتشارها في المجتمع الإسلامي.[7]

لقد كان للاتجاه الشيعي الذي حدد موقفه العلني من الخلافة الأموية، الأثر البالغ، منذ ثورة الكوفة المجهضة، التي انتهت إلى مقتل الحسين في كربلاء، فكانت هذه الحادثة المؤشر الفعلي للانتقال من العمل السري إلى المعارضة المسلحة.

ولعل ما يميز هذا الاتجاه، قدرته الاستقطابية، ليس فقط من خلال المكانة الخاصة لقادته على الصعيد الشعبي، وإنما أيضا لأهمية طروحاته العلمية، لاسيما في الإطار الاجتماعي ومطالب الفئات المناهضة للحكم الأموي.[8]

أما المعارضة المسلحة المتمثلة في الفصائل المختلفة للخوارج، فقد انفردت برؤية خاصة في نضالها الثوري فكرا وممارسة، فكانت أول من لجأ إلى حرب العصابات في التاريخ الحديث، وقد ظلت في أذهان الناس مطبوعة بالتطرف، مما قلل من فرص استقطابها لقاعدة جماهيرية واسعة، وظلت مجرد عصابات مختفية في الجبال على عكس غيرها.[9]

وباختصار شديد، فإن الواجهة الدينية للثورة العباسية شكلت مظهرين أساسيين: الأول تمثل في عداء الخوارج والشيعة التقليدي للحكم الأموي من جهة، ومن جهة ثانية الانتصار لآل البيت في حقهم في الحكم. أما الأساس الثاني، فقد كان يقوم على أطروحات دينية بحتة تدين الحكم الأموي، الذي هو في الأصل حكم مغتصب للسلطة، وتجدر الإشارة هنا إلى أهمية الفكر الخوارجي والشيعي، ذي المضمون الاجتماعي الإسلامي، ودوره في تعاظم حركات المعارضة وانتشار المبادئ الثورية المليئة بقيم: الحرية والعدالة والمساواة.

ب- الواجهة السياسية:

إذا كان كما يقال: إن "كل سلطة مفسدة، فإن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة"، وبالمقابل قد يبدو من الأهمية بمكان الاقتباس ولو بالقليل من مقولات آدم سميث، عندما يقرر أن: "القهر يحجب نشاط الإنسان وذكاءه وإبداعه".[10] وبالتأكيد، فلقد كان الحكم الأموي حكما مطلقا بكل المقاييس، وكان القهر سمة بارزة طبعت مسار الدولة، ابتداءً من دولة معاوية التي نحت في مسارها التنظيمي شكلا انقلابيا، تطور معه من الخلافة إلى الملكية أو من (التيوقراطية) الدينية إلى (الأوتوقراطية) الفردية،[11] انتهاء بآخر ملوك الدولة الأموية (مروان بن محمد).

ومهما يكن، فإن الواجهة السياسية للثورة العباسية، رغم إمكانية الحفر عن جذورها في تاريخ الخلافة الراشدية، إلا أنها تجذرت وأخذت أبعادها السياسية العميقة مع هيمنة بني أمية المطلقة، واستئثارهم بالحكم. الأمر الذي أثار سخط العباسيين وأنصارهم، كطرف يرى أن له الحق، بل الأولوية في الحكم، وحرم منه. وإذا كان البعض يرى[12] أهمية الخلافات (الأموية – العباسية) حول من يحكم أو من له الحق في الحكم، وهو أمر وارد، إلا أن هذا البعد السياسي البحت لم يكن محددا وحده، بل تداخلت معه أبعاد أخرى اجتماعية واقتصادية، شكلت مضامين الثورة وأفكارها الإصلاحية.

فلقد كان لتردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، فضلا عن سياسة بني أموية العنصرية، التي طالت العرب وغيرهم من الزنج والفرس، أن أسهم في تعاظم الحركات المعارضة للسياسة الأموية، وبالتالي انتفاضات عارمة، طالت مختلف المكونات الاجتماعية، كتلك التي قادها الزنج والهنود، فيما بات يعرف في أدبيات الثورة العباسية بثورة الزنوج، أو تلك التي قادها المختار بن أبي عبيد الثقفي إبان خلافة عبد الملك بن مروان[13]...إلخ.

وببراعة، فقد استغل الدعاة العباسيون الذين انتشروا في المدن والقرى تلك الأوضاع، في بث طروحاتهم ذات المضمون الاجتماعي الإسلامي، ورغم أبعادها الأيديولوجية والسياسية، فقد لاقت قبول الجماهير بارتياح كبير. وربما هذا الذي قصده الدكتور عبد الحي شعبان بقوله: "وفي رأيي أن الثورة العباسية كان هدفها دمج كل المسلمين، العرب وغير العرب، في الإمبراطورية في مجتمع إسلامي واحد، لكل فرد من أبنائه حقوق متساوية.

البحث عن أسباب الثورة العباسية لا يقتصر على مظاهر الصراع العنصري والتمييز الاجتماعي والاقتصادي، ذلك التمييز الذي إن وجد فقد شمل العرب وغير العرب من العامة

إن هؤلاء الذين أسهموا في الثورة كانت نظرتهم للإسلام أوسع، وتفسيرهم لمبادئه أكثر شمولا من وجهة النظر الأموية العربية الضيقة".[14] وربما كانت تلك أبرز القوائم المطلبية للمجتمعات الثائرة على الحكم الأموي عبر قرن من الزمن.

ثانيا: مخرجات الثورة العباسية

لقد كان لحالة عدم التوازن والاستقرار التي واكبت الحكم الأموي، من حين لآخر ومن حقبة زمنية لأخرى، أن كشفت عن الحاجة الماسة إلى نوع من التوازن المضاد والشامل، وكما يقال: "فالأيام دول"، وهكذا دواليك. وإن صح التعبير: "فالدول أيام"، وكذلك الحضارات، وإلا فلا معنى لقانون العمران الخلدوني، ومجمل النظريات الأخرى التي يرى أصحابها بأنها تحكم تطور تاريخ المجتمعات ومنجزاتها الحضارية.

وما يهمنا من هذا الكلام هو بالأساس، كيف نفهم هذه المقولات في ظل الصراع (الأموي-العباسي)، وما نجم عنه من قلب للأوضاع، والظروف التي واكبت انتقال الحكم من بني أمية إلى العباسيين.

1- من تنظيم الدعوة...إلى تفجير الثورة

لقد كانت أبرز المراحل الحاسمة في الإعداد والتخطيط للعمل الثوري المنظم، الذي استهدف صنع الثورة العباسية، مرحلتين بارزتين؛ يمكن أن نطلق على الأولى مرحلة التحضير للثورة، وعلى الثانية مرحلة التنفيذ.

الواجهة السياسية للثورة العباسية تجذرت وأخذت أبعادها السياسية العميقة مع هيمنة بني أمية المطلقة، واستئثارهم بالحكم

تمثلت المرحلة الأولى بالعمل السري، الذي قاده محمد بن علي العباسي، المنظم الأول للدعوة العباسية، ثم ابنه إبراهيم الإمام من بعده، الذي نقل الدعوة العباسية من السرية إلى العلنية. وبهذه الخطوة الجريئة، ستأخذ الدعوة العباسية شكلها النهائي، مع إعلان أبي العباس عبد الله نفسه خليفة للمسلمين في مسجد الكوفة سنة 132 هجرية-749م.[15]والواقع أن بني أمية كانوا في غفلة في آخر عهدهم، لا يعلمون من أمر تطورات الدعوة العباسية شيئا، ولما وقع في يد الخليفة (مروان بن محمد) كتاب من قائد الدعوة العباسية والمنظم لثورتها، الإمام إبراهيم العباسي، يحمل تعليماته إلى أتباعه، ويكشف عن خطتهم وتنظيمهم، كان منشغلا بتوطيد سلطانه المتزعزع، وقمع الثائرين ضده، فاكتفى بتكليف واليه في دمشق بالقبض على الإمام إبراهيم، وإيداعه في السجن سنة 132 هجرية/750م.[16]

وعموما، فإن أهمية هذه المرحلة بالتحديد تكمن في التنظيم، إضافة إلى اختيار منطقة خراسان الواقعة في أطراف الإمبراطورية الإسلامية كموقع استراتيجي بعيد عن أنظار السلطة المركزية، يسهل منه التحرك، إضافة إلى الأهمية الديموغرافية والسيكولوجية لسكان منطقة خراسان، التي وصفها محمد بن علي بن عبد الله العباسي بقوله: " ففيها العدد الكثير، والجلد الظاهر، وصدور سليمة، وقلوب فارغة". وبالتالي فاختيار الشريحة المناسبة في البقعة الجغرافية المناسبة، القادرة على حمل مشروع الحراك الحضاري، يمكن أن يعد من أهم العوامل التي تؤثر في نجاح أو فشل حركات التغيير والثورات الجماهيرية؛[17] وهو أمر وارد، إذا ما أخذنا في الاعتبار الإنجازات التي حققتها الثورة العباسية في خراسان.

أما المرحلة الثانية، وهي مرحلة التنفيذ أو بمعنى آخر مرحلة تفجير الثورة العباسية ؛ فقد كان لنجاح الدعوة العباسية، وانتقالها من المرحلة السرية إلى العلنية، والظروف الصعبة التي مر بها الحكم الأموي منذ تولي الوليد الثاني للخلافة (125 هجرية/743م-126 هجرية/744م)، وتولي يزيد الثالث لها، بعد المؤامرة التي دبرها لقتل سابقه، وإعلان نفسه خليفة سنة 744م، مرورا بالفراغ الذي حصل في السلطة إثر الاضطرابات التي تلت وفاة يزيد، وخلال مجيء خلفه مروان الثاني إلى الخلافة. لقد كانت مجمل تلك الظروف في صالح الثورة العباسية، وتقويض أركان الحكم الأموي والقضاء عليه.[18]

ولعل ما سهل مأمورية هذا الفعل، رغم تصدع البنية الفوقية للنظام الأموي، هو تآكل البنية التحتية لهذا النظام المزمن، وبالتالي الإسراع بمولد اللحظة التاريخية التي توحد ولا تفرق (بغض النظر عن اللون أو العرق..) بين الغايات والأهداف الثورية للجماهير المتعطشة للحرية والعيش الكريم.

كان لنجاح الثورة العباسية في خراسان، واستيلاء أنصار العباسيين على مرو، وهروب نصر بن سيار منها باتجاه الغرب، أهميته البالغة في توطيد دعائم الثورة العباسية

2- نهاية الخلافة الأموية

لقد كان لنجاح الثورة العباسية في خراسان، واستيلاء أنصار العباسيين على مرو، وهروب نصر بن سيار منها باتجاه الغرب، أهميته البالغة في توطيد دعائم الثورة العباسية، والتحرك باتجاه آفاق أخرى في مسار الثورة. وقد صدرت أوامر إبراهيم الإمام بتعيين قحطبة بن شبيب الطائي قائدا عاما للجيش الخرساني، المتقدم باتجاه العراق والشام، لتبدأ بهذه الخطوة فصول المواجهة العسكرية بين الجيش الأموي والعباسي، وانتصارات هذا الأخير المتتالية، ابتداءً من موقعة جرجان وجابلق (قرب أصفهان)، حيث أصبح عمليا للعباسيين السيطرة الفعلية على الجناح الشرقي من الدولة الأموية، ثم بعد ذلك العراق والفلوجة، التي خسر فيها الجيش العباسي قحطبة الطائي في ظروف غامضة، رغم انتصار جيشه وانسحاب الجيش الأموي من المعركة مهزوما، إلا أنها لم تكن معركة حاسمة، رغم تأثيرها على معنويات الجيش الأموي. لينتهي مسلسل الحكم الأموي في معركة الزاب، وذلك بمقتل مروان الثاني، آخر ملوك بني أمية، وهو يكابد من أجل استرجاع ملكه من يد العباسيين، سنة 750م.[19]

وعموما، لقد كانت نهاية الحكم الأموي نهاية شاقة، كبدت الثوار الكثير من العناء والتضحية، لسببين رئيسين يمكن استنتاجهما منذ الشرارة الأولى للثورة العباسية: السبب الأول هو الافتقار إلى التنظيم في بداية الأمر، والثاني هو قوة الحكم الأموي وقدرته الفائقة على القمع. وربما تلك هي أهم الأخطاء التي يجب التفكير فيها لمستقبل أي عمل ثوري ينشد من ورائه النجاح.

خاتمة:

نستخلص مما سبق عدة حقائق مهمة، من بينها أن الثورة العباسية تمثلت في ثلاثة أبعاد أساسية: بعد سياسي، وبعدديني، وآخراجتماعي. وبالتالي، كانت ثورة سياسية، ودينية، واجتماعية.

لقد رفعت الثورة العباسية شعارات عديدة، وظهرت بواجهات مختلفة؛

شعارات دينية مثل: الدعوة "إلى الرضا من آل البيت"، والعمل بموجب "الكتاب والسنة"، والثأر لأهل البيت.

شعارات اجتماعية: العمل من أجل المظلومين، تماشيا مع مقتضى الآية الكريمة: "أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير". لقد استغلت الدعوة العناصر المستاءة من جور الحكم الأموي وظلمه.

أما الشعارات السياسية، فحسب اعتقاد الباحث، رغم غموضها أو عدم الإفصاح في بعض الأحيان، ورفع الشعارات البديلة، إلا أنها في واقع الأمر هي الحقيقة، سواء جاءت في حلة دينية أو في حلة اجتماعية أو مطلبية.

قائمة المراجع:

الكتب:

- فاروق عمر: الثورة العباسية، دار الشؤون العامة، بغداد، 1989

- محمود إسماعيل: المهمشون في التاريخ الإسلامي، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2004

- إبراهيم بيضون: ملامح التيارات السياسية في القرن الأول الهجري، دارالنهضة العربية، بيروت، 1979

- ياسر الغرباوي: حركات التغيير والحراك الجماهيري، لؤلؤة، 2007

المجلات:

مجلة شؤون عربية، العدد 145، السنة 2011


[1]- خليل العناني: (الثورة المصرية..التداعيات الإقليمية والدولية)، شؤون عربية، ع 145، السنة 2011، ص73

[2]- فاروق عمر: (الثورة العباسية)، دار الشؤون العامة، بغداد، 1989، ص5

[3]- مصطفى عبد العزيز مرسي: (ثورتا مصر وتونس وتداعياتهما المحتملة عربيا وإقليميا)، شؤون عربية، مرجع سابق، ص18

[4]- فاروق عمر: (الثورة العباسية)، مرجع سابق، ص47

[5]- فاروق عمر: نفس المرجع، ص47

[6]- محمود إسماعيل: (المهمشون في التاريخ الإسلامي)، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2004، ص35-36

[7]- فاروق عمر: مرجع سابق، ص29-30

[8]- إبراهيم بيضون: (ملامح التيارات السياسية في القرن الأول الهجري)، دار النهضة العربية، بيروت، 1979، ص242

[9]- إبراهيم بيضون: مرجع سابق، ص243

[10]- د.مصطفى عبد العزيز مرسي: مرجع سابق، ص16

[11]- د.إبراهيم بيضون: مرجع سابق، ص147

[12]- د.فاروق عمر: مرجع سابق، ص47 وما بعدها.

[13]- د.محمود إسماعيل: مرجع سابق، ص37 وما بعدها.

[14]- د.فاروق عمر: مرجع سابق، ص18

[15]- فاروق عمر: مرجع سابق، ص69

[16]- ياسر الغرباوي: (حركات التغيير والحراك الجماهيري)، لؤلؤة،2007، ص36

[17]- ياسر الغرباوي: نفس المرجع، ص،37

-[18] للتوضيح أكثر يمكن الرجوع إلى: د. فاروق عمر: مرجع سابق، ص67 وما بعدها.

[19]- نفس المرجع، ص119 وما بعدها.


مقالات ذات صلة

المزيد