العقل وارتهانه إلى الانفعال الدينيّ


فئة :  مقالات

العقل وارتهانه إلى الانفعال الدينيّ

لا شكَّ أنه رهين وظيفة ينطلق منها، ففي سياق هذا البحث نحاول أن نطرح المشكل المركزي سعياً إلى التحرر منه، والمشكل الذي نحاول البحث عنه هو عودة الديني من خلال أطروحته الأصولية الدينية التي ظهرت إلى السطح منذ نهاية الحرب الباردة، وتنامي حركات أصولية مختلفة تعبّر عن حالة اجتماعية رافضة لثقافة العولمة. إنَّ بعض الحركات الأصولية تحولت إلى حركات ثوريَّة، وهي ليست بالضرورة أصولية دينية كما كان واضحاً في أيرلندا، إذ شهدت ميلشيات تطلق على نفسها أصوليات، كما توجد أصوليَّة مسيحيَّة في أميركا، وسيخيَّة في البنجاب، وأصوليات إسلاميَّة متنوعة، وكلها حركات أصوليَّة تعيش خصومةً مع واقعها السياسيّ والاجتماعيّ، الأمر الذي جعلها تدخل في صراع ينتهج العنف لتحقيق أهدافها.

فالأطروحة التي تمارس الشيوع عبر أشكال متنوعة تقابلها أطروحة مضادة في المجتمع الغربيّ، هي العقليَّة التي تحاول تقديم تفسير عقلي للدين مختلف عن الموقف الذي تمثله العَلمانيَّة المتشدده التي ترفض أيَّ إشراك للدين في الفضاء العمومي والممارسات السياسيَّة، وتدَّعي أنّ الدينيّ في طريقه إلى الزوال عبر التنمية الفعالة، إلَّا أننا نساير رؤية (هابرماس) الذي يعترض على هذا الموقف المتشدد للعَلمانية، ويحاول أن يجد حلولاً أكثر جذريَّة في الواقع الغربي، ومن هنا جاءت معالجته لهذا الأمر تنشد التحرر من المشكل عبر نقد الخطابات الشمولية، سواء كانت عند الأصوليَّة الدينية أم العَلمانيَّة.

فالمشكل تجاوز الشمولية عبر طرح حلول تناقش عودة الدينيّ إلى الفضاء العموميّ في الغرب وفي العالم، ومنها عالمنا الذي يشهد عودةً متشددةً للدين عبر توظيف إيديولوجي متشدد هدفه الوصول إلى السلطة في مقابل أنظمة مهيمنة منذ الستينات تحاول البقاء في السلطة من خلال استثمار عودة الإسلام المتشدد، من أجل خلق ذريعة للبقاء، لكن بفشلها في إيجاد حلول وسرقتها المال العام وتفردها بالسلطة وغياب العقول والثقافة السياسية التعددية سمح  للآخر أن يوجد، حيث قام الصراع بين القوى الاجتماعية على السلطة ومحاولة استثمار الإخفاقات التنمويَّة من أجل التسلل إلى السلطة عبر العنف الذي يقوم على نفي الآخر.

إذن هذا الاستقطاب بين خطابين ظهرت آثاره عنيفة ودموية على مساحات واسعة من عالمنا العربي والإسلامي. فظهرت حاجة إلى استثمار خطاب تواصلي تفاعلي بين الأطراف السياسية والاجتماعية في ظل تنوعها السياسي والاقتصادي، وحاجة إلى وجود مجتمع عمومي يمثله المثقفون والفنانون والموظفون العموميون، والمجتمع بتنوعه يكون فاعلاً في استثمار الخلاف الذي ظهر في ظلّ الربيع العربي الذي حوَّله الطرفان إلى خريف عربي، فالحكام يريدون البقاء، والشمولية الإسلامية تريد إزاحتهم، وبالضرورة المجتمع يدفع الثمن اليوم، بل والأمر الخطير انفجار صراعات طائفيَّة بين أبناء هذا العالم، فالأمر في حاجة إلى عدّة عوامل من أجل استقرار الواقع العربي: الديمقراطية التشاورية بعيداً عن الديمقراطية الحسابية التي تستثمر الأغلبية من دون حوار حقيقي اجتماعي، وتفاعل يولد مشروعية، فليست الديمقراطية حاصل هيمنة الأكثرية، بل هي حوار مجتمعي تشاوري، وليس السياسي المتغلب بفعل الفتنة والعنف هو الشرعي، بل الحوار المجتمعي العميق. والعامل الآخر: الحوار التواصلي اجتماعياً وإعلامياً ومؤسسات مجتمعية تعمق خلق رأي عام بعيد عن العنف، يساهم في وجود فضاء عمومي يراقب الدولة ويحاورها ويضغط عليها من أجل إزالة العنف والفساد.

لكن هذا أيضاً في حاجة إلى خطاب إبستمولوجي عقلي  يساهم في تعميق أُفق التشاور وإيجاد مشتركات بعيداً عن العنف، والإيمان بالتعددية الإثنية والثقافية والدينية والسياسية وعَلمنة المؤسسات العموميَّة حتى لا تُجيَّر لخدمة أطراف من دون غيرهم، فالكل لهم الحق في إبداء وجهات نظرهم، لكن دون فرضها بالإكراه المادي أو المعنوي. وهنا تظهر الحاجة إلى رهان العقليَّة الذي بات رهينة في هذه الأوساط التي تعجُّ بالعنف والإقصاء اللذينِ تركا أثراً عميقاً خلق التوتر والاغتراب وشرخ المجتمع.  فنحن في حاجة لمواجهة كلّ هذا بالأمل في الانعتاق والتحرر، وهذا يفرض علينا أن نغرس في النفوس ذهنيةً جديدةً  تقوم على ملفوظات جديدة مغايرة لما هو عالق في الأذهان من خلال ما تركه من انقسام نتيجة التمركز حول متاريس الهويات الدينية ومعانيها المتشددة التي خلقت مزيداً من الآثار العنيفة التي نعانيها.

وعلى الرغم من كل ذلك لا بدّ من الأمل الذي ينبع من تلك الطاقة التي غرسها الله فينا منذ الأزل، وهي ذاتها التي تجعل الحياة ممكنة، بل إنَّ الأملَ بابٌ لولادة اليقين ونافذةٌ لتحقق المعجزات التي تخلق في النفس الظفر والشعور بالتفوق والرغبة في مواصلة الحياة والقدرة على الصبر والمطاولة.

وتبزغ العقليَّة في فهم الظاهرة الدينية وتشكلها التي تقوم على فلسفة خاصة، فإذا كان الدين لغةً من "دانه" "دينه"، فإنه إذن عبارة عن علاقة بين طرفين يعظم أحدهما الآخر ويخضع له في (وضع إلهي سائق لذوي العقول السليمة باختيارهم إلى الصلاح في الحال والفلاح في المال)، فيرشد إلى الحق في الاعتقاد وإلى الخير في السلوك والمعاملات([1]). فالدين مجموعة واجبات المخلوق نحو الخالق، وهو الإيمان بقوة لا يمكن تصور نهايتها الزمانية ولا المكانية، وهذا الإيمان هو العنصر الرئيس في الدين، فهو الإيمان بكائنات روحية. والدين محاولة تصور ما لا يمكن  تصوره، والتعبير عمّا لا يمكن التعبير عنه، وهو التطلع إلى النهاية([2]) فهذه الظاهرة تمتلك وجوداً حقيقياً، وتُعد أحد مكونات الرأسمال الرمزي للمجتمع، وظهرت بأشكال متنوعة في التراث كطقوس أو معتقدات متنوعة، كلها تمثل تجلّياً للمطلق في حياة الناس، يعبّر عن فهم معنوي وسمات جمالية وروحية موجوده في الأديان، ومنها المسيحية والإسلام، فالإسلام هو الدين الرئيس، وخطابه تجلى كحركات فكرية وطقوس وأعراف ومدارس متنوعة، كلها ساهمت في تشكل روح الأمّة على مستوى المنهج والرؤية، لكن هذا التنوع اليوم يتم تنميطه في أشكال إيديولوجية كما تعرف في الإسلام السياسي، والذي يعكس أيضاً انقساماً إثنياً، كما تجلى في التراث.

أمّا الإيديولوجيا بوصفها آخر تجليات الظاهرة الدينية فإنَّ الحفر في الحراك الإسلامي ليس منعزلاً عن تاريخية الفكر، خصوصاً الأحزاب المتنافسة، فالساحة العربية تتقاسمها الشموليات الثلاث: القومي والماركسي والإسلامي، ومعنى هذا أنّ الخطاب الإسلامي تنوّع، وأصاب حركته تمفصل وتنوع بالتأثير الذي تركته المنافسة مع التيارات الأخرى، فالإسلام في بداية عهده النهضوي مع الأفغاني ومحمد عبده والنائيني مختلف عنه في الإسلام المقاوم للاحتلال في العالم العربي، ومختلف أكثر فيما حدث بعد العهد الستيني، بمعنى أنّ الخطاب الإسلامي كان قد اقتبس الكثير من المسمّيات وآليات الصراع من التيارات الأخرى، منها اعتماد العنف وسيلة من وسائل التنافس على السلطة، لكن ليس كلّ التيارات الإسلامية انتهجت هذا المنهج، فهناك موقفان:

الأول: يعتمد على التحول السلمي عبر المطالبة السلمية، والآخر: يعتمد على العنف وسيلة من أجل التغيير، لكن التواصل بين التيارات الشمولية الثلاثة: القومي، والماركسي، والإسلامي، الذي تجلى في التأثير والتأثر بينها، وخصوصاً بعد النكسة، أوجد نتائج السياسات السابقة التي قادت المنطقة إلى تردٍ اقتصادي وثقافي وحضاري والصراع مع العدو الصهيوني، فكانت بداية تحولات وبداية بزوغ نوع جديد من السلوك السياسي الإسلامي. أمّا عن التأثير فهناك على مستوى الملفوظ تجد مفردات تعكس تثاقفاً مع التيارات الأخرى ومنها الماركسية، أو من الفكر السياسي الغربي، وقد حدث هذا بحكم الواقع، ومنها ملفوظات قرآنية أخذت من خلال تأويلاتهم معاني جديدة تحمل شحنة إيديولوجية: أمّة/ شورى/ حزب/ توحيد/ مستضعف/ جاهلية ... إلا أنّ هذه الملفوظات تمّ تأويلها ضمن سياق سياسي حديث يتواءم مع المصطلحات السياسية الغربية في مجال سياسي معاصر، "فالحاكمية" أصبحت تعني "السيادة"، ومفهوم الثورة أصبح  يعني معاني وليدة قراءات إيديولوجيا إسلامية للقرآن الكريم.

وهذه الملفوظات التي حملت شحنةً إيديولوجية إسلامية كانت تعبّر عن نمو في الفكر السياسي الإسلامي، وهي مشحونة بالضغوط السياسية والنفسية التي كانت تعبّر عنها تلك المرحلة من الصراع، وما أفرزته من صراعات واحتكاك بين التيارات المتنوعة محليًاً وعالمياً في وقتها.

وقد تطورت فكرةٌ إيديولوجيةٌ إسلاميةٌ تجمع بين التراث من مفاهيم قرآنية وفقهية وصوفية وبين الرؤية الإيديولوجية المعاصرة، كما تجلت في فكر المودودي 1903 والترابي 1932، حيث كان يشغلهم تصنيف المفاهيم الإسلامية تبعاً لأنماط القانون والعلوم السياسية الغربية كما لو أنها مفاهيم شاملة، فهم كانوا يرونها تعبّر عن القيم الجامعة الشاملة، وإن كانوا لا يرونها في حاجة إلى مقاربتها بالأديان الأخرى أو الأنظمة السياسية، فالإسلام في نظرهم ليس جملة معتقدات فقط، بل إنّه نظام جامع كامل يتناول كافة وجوه الحياة.

وهي تعبّر عن تمفصل داخل الخطاب الإسلامي وأُفقِهِ التنظيري الإيديولوجي المحكوم بأسلمة المجتمع، فهذه التيارات التي يشملها الإسلام السياسي، وإن كانت متوافقة على أسلمة المجتمع، إلا أنّها اختلفت في الآلية الموصلة إلى تحقيق هذا الهدف؛ لهذا ظهر تيّاران يمكن رصدهما في القراءات التي تناولت الخطابات الإسلاموية، وهما تيار معتدل وآخر متشدد، وقد حاول التيار المعتدل اعتماد الطريق السلمي من أجل أسلمة المجتمع من تحت القاعدة الاجتماعية عبر إنشاء حركات اجتماعية ثقافية تعتمد آليات الضغط الجماهيرية في تحقيق مرامي تلك الجهة الإسلامية وأهدافها، ويعتمد طريق الأسلمة عبر إدخال الشريعة في كل تشريع، وبهذا يعتمد هذا الاتجاه على طريق التدرج في التحول الاجتماعي، فقد كان حسن البنا وأبو الأعلى المودودي لا يقبلان بالثورة إلا بعد استنفاد وسائل الضغط السلمية، أو إذا اتخذت الدولة بوضوح موقفاً معادياً للإسلام.


[1]ـ كريمر، ألواح سومر، ص 3

[2]ـ ليواوبنهايم، بلاد ما بين النهرين، ت: سعد فيضي عبد الرزاق، ط1، دار الحرية للطباعة، بغداد، 1981، ص.