قراءة في معالم التجديد في مبحث المقاصد عند طه عبد الرحمان


فئة :  مقالات

قراءة في معالم التجديد في مبحث المقاصد عند طه عبد الرحمان

مقدّمة:

بدأ التصنيف والبحث في مجال مقاصد الشريعة على نحو مبدئي وغير مستقل عن علم أصول الفقه، منذ وقت مبكر مع بداية عصر التدوين في العلوم الشرعية؛ أي خلال القرنين الثاني والثالث الهجريين، وقد أسهم عدد كبير من علماء الفقه والأصول بعد ذلك، في إغناء مباحث المقاصد والمصالح الشرعية التي جاءت الشريعة لمراعاتها وحفظها، كأبي الحسن العامري (ت381ه)، والإمام الجويني (ت478ه)، وأبي حامد الغزالي (ت505ه)، والفخر الرازي (ت606ه)...وكذلك مع ثلة أخرى من العلماء البارزين كالعز بن عبد السلام (ت 660ه)، دون إغفال أعمال كل من شيخ الإسلام ابن تيمية (ت728ه) وتلميذه ابن قيم الجوزية (ت751ه)، وغيرهم.

لكن الدرس المقاصدي باتفاق جل الباحثين تبلور بشكل أوضح وأعمق مع صاحب كتاب الموافقات الإمام الشاطبي (ت791ه)، الذي عمل على تخصيص كتاب ضمن موافقاته للمقاصد بيانا وتقسيما وترتيبا لها...ويكاد يكون من جاء بعده من العلماء إلا مقتفيا أثره في تقسيمه للمقاصد وتحديد رتبها، وتقعيد ضوابط تلك المصالح والعلاقات المفترضة بينها...

وفي العقود الأخيرة، كثر المؤلفون في مباحث المقاصد الشرعية إلى درجة اعتمادهم تقريبا على التراث المأثور في باب المقاصد، وخاصة ما تقرر عند الرواد الأوائل في هذا العلم من أمثال الشاطبي والجويني، وكذلك الطاهر ابن عاشور فيما بعد. وقبل طرق باب دعاوى ودواعي التجديد في مبحث المقاصد، لابد من التأكيد أن جميع هؤلاء أجمعوا بالفعل على أن الشريعة مبنية على الحِكم ومراعاة مصالح العباد في الدارين، ويمكن تلخيص ذلك المعنى في نص جميل مأثور سطّره الإمام ابن القيم في كتابه "إعلام الموقعين"، حينما قال: "فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة، وإن أدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه.... فهي بها الحياة والغذاء والدواء والنور والشفاء... وهي العصمة للناس وقوام العالم، هي عمود العالم وقطب الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة".[1]

بالطبع، لا يعني ما ذكرناه سابقا أن الدرس المقاصدي ظل جامدا ومحصورا في قضايا سطرها المتقدمون؛ ذلك أن النقاش الذي طرحه بعض المعاصرين حول حدود وإمكانيات التجديد في علم أصول الفقه[2] لفت النظر إلى مسألة التجديد أيضا في مبحث المقاصد. مما فتح المجال للحديث عن عيوب ونواقص اعترت نظرة المتقدين لقضايا معينة في باب المقاصد، وخاصة على مستوى تقسيم المقاصد وتحديد رتبها، أو التقابل الثنائي الذي اعتمده جل الأصوليين في تصنيف الأحكام الشرعية إلى صنفين اثنين فحسب، فالأحكام -عندهم- تدور بين ما هو "معقول المعنى"، وبين ما هو "غير معقول المعنى".

لقد ارتأيت في هذا المقال، أن أسلط الضوء على إشكالية التجديد في مبحث مقاصد الشريعة، فوقع اختياري على "مشروع" أسماه الدكتور والفيلسوف المغربي طه عبد الرحمان بالتجديد العلمي لمبحث المقاصد، وهو عمل يجوز لنا أن نسميه بالمشروع الأخلاقي لعلم المقاصد، وفيه عرض طه عبد الرحمان لنظريته المقاصدية التي تروم حسب قوله تصحيحَ عدد من الاختلالات التي شابت تقسيم الأصوليين للمقاصد وتحديد مراتبها، فجاءت اعتراضاته تقيس أساسا الإخلال بشرط كل من "تمام الحصر"، "التباين"، "التخصيص"، و"الترتيب"، وأيضا تقويمَ نظرتهم العامة للمصالح التي تراعيها الشريعة، علاوة عن إعادة ترتيب بعض المباحث التي اهتم بها الأصوليون تحت مسمى: "الوسائل أو الأسباب"، ثم "الحيل"، وأخيرا "الذرائع".

لقد دخل الدكتور طه عبد الرحمان مبحث المقاصد من باب الاهتمام بقضية التجديد المنهجي في تقويم التراث الإسلامي، وكان منطلقه الأول في الدعوة إلى تجديد مبحث المقاصد هو صياغة تعريف ومفهوم جديدين لعلم المقاصد يقترن بدلالات ثلاث هي: المقصود (المضمون الدلالي)، القصْد (النية)، والغاية أو الحكمة. أما منطلقه الثاني، فيرتكز على النظر إلى علم المقاصد، باعتباره علما أخلاقيا غايته ومنتهاه تحقيق صلاح الإنسان، وبالتالي تحقيق العبودية لله تعالى.

وباختصار شديد، وقبل الخوض في معالم التجديد في مقاصد الشريعة عند طه عبد الرحمان، تجدر الإشارة إلى أن مشروعه الأخلاقي ذاك يتأسس على ثلاث نظريات يكمل بعضها البعض أطلق عليها تباعا: "نظرية القيم (الغايات)"، "نظرية النيات"، "نظرية الأفعال (الوسائل)"، حيث تتبوأ "نظرية القيم" أعلى مرتبة، تليها "نظرية النيات"، ثم "نظرية الأفعال".

1- التصور العام للتجديد العلمي في مبحث المقاصد:

إن مبحث المقاصد بالنسبة إلى الدكتور طه عبد الرحمان كان ولايزال محط اهتمام بالغ من لدن علماء الفقه والأصول وكذا الباحثين في علوم الشريعة الإسلامية، ولا يقلل إطلاقا من شأن ومحورية النظر في المقاصد والمصالح الشرعية في إطار التشريع الإسلامي من أجل إدراك معاني الشريعة والوقوف على حِكَمها. غير أنه نبه إلى مسألة وقع فيها المتقدمون من الأصوليين، حيث كان البحث عندهم في الأحكام (الأحكام التفصيلية والجزئيات الفقهية) صاحب الحظ الأوفر في اجتهاداتهم وكتاباتهم مقارنة مع "مبحث المقاصد".

قبل تأسيسه للتصور الجديد الذي يقترحه من أجل تطوير البحث في علم المقاصد يبدأ طه عبد الرحمان بتعريف الجهاز المفاهيمي الذي يؤطر هذا التصور، ومن خلاله يمكن فهم معالم ذلك التجديد (مشروع تخليق المقاصد) الذي يتطلع إليه، وكانت البداية مع مفهوم "الأخلاق"[3]، وهي عنده ليست أفعالا محدودة كما يتصور البعض، بل إنه ما من فعل إنساني إلا ويقترن بالأخلاق، فإما أن يرفع الخلقُ الفعلَ ويسمو به، وإما أن يخفضه ويحط من ذلك الفعل، وهو يقصد بالفعل في هذا السياق الأفعال والسلوكيات الذهنية والعينية التي تصدر عن الإنسان من نوايا وأفكار وأفعال سلوكية محسوسة؛ "فقد يريد الإنسان بهذا الفعل الذهني جلب خير أو دفع شر، فيرقى به إلى أعلى، أو يريد به جلب شر أو دفع خير فينحط به إلى أسفل"[4]. ويذهب بعيدا في تقرير أهمية القيم الخلقية وشموليتها للفعل الإنساني، حيث قال إن الحد الفاصل بين الإنسان والحيوان ليس هو قوة العقل، وإنما قوة الخلق، "إذ لا إنسان بغير خلق".[5]

من جهة أخرى، وقف طه عبد الرحمان على مصطلح المقاصد، وحاول أن يبيّن مختلف الدلالات التي يمكن أن يوحي بها لفظ "مقْصِد"؛ ذلك أن تعريف المقاصد باعتباره العلم الذي يبحث وينظر في مقاصد ومصالح الشريعة الإسلامية ليس إلا مجرد وصف لفظي للمعرَّف، ومفهوم المصلحة أيضا يطرح إشكالات متعددة على مستوى مدلولها، فهو يتجاوز مفهومها كما صاغه الأصوليون ليجعله طه عبد الرحمان مرادفا لمعنى الصلاح، وليس بمعنى أنها غرض. ويشرح ذلك قائلا: "فإذا قيل علم المقاصد ينظر في مصالح الإنسان الدنيوية والأخروية، فالمراد إذن أنه ينظر في وجوه صلاح الإنسان في الدنيا والآخرة"[6]. إذن المصلحة كما عرفها هي الطريق أو المسلك الذي يقود إلى تحقيق صلاح الإنسان في الدنيا والآخرة.

بناء على مفهوم "الأخلاق" و"المقاصد" كما حددهما طه عبد الرحمان، يتحصل أن علم المقاصد يعني "العلم الأخلاقي الذي موضوعه الصلاح الإنساني". ويصح إطلاق اسم "علم الأخلاق"، و"علم الصلاح" على مقاصد الشريعة.

2- علم المقاصد ونظرياته الثلاث عند طه عبد الرحمان:

يعتبر البحث في مفهوم الأخلاق والمقاصد بالنسبة لفيلسوف الأخلاق طه عبد الرحمان مجرد توطئة أو تمهيد لشرح المقومات التي يجب أن يبنى عليها علم المقاصد بمفهومه الجديد، وبهذه المناسبة، فهو يقترح ثلاث نظريات متكاملة فيما بينها تحدد ماهيته بغية تجاوز ما اعتبره ثغرات أو خللا أفرزه التعريف والتقسيم التقليدي لعلم المقاصد.

وقد استقى الرجل نظرياته الثلاث من خلال الوقوف على الدلالات المتاحة التي توحي بها كلمة "مقصد" وبيانُها على النحو الآتي:

  • المقصِد يأتي بمعنى "المقْصُود" أو المراد، وهو المضمون الدلالي المراد من القول، وإذا ربطنا هذه الدلالة بالشريعة وقلنا مقصود الشريعة، فهذا يعني "المضامين الدلالية المرادة للشارع بأقواله التي يخاطب بها المكلفين"[7]. وتلك المضامين الدلالية للشريعة عبَّر عنها طه عبد الرحمان باسم "الأفعال". ومعلوم أن مقاصد الشريعة تنظر في الأحكام التي تتضمنها أقوال الشارع الحكيم، ومادام علم المقاصد علما أخلاقيا وجب أن يقوم على ركن أول سماه طه عبد الرحمان "نظرية الأفعال" مهمتها البحث في الجوانب الأخلاقية للأفعال الشرعية التي تنص عليها الأحكام (المضامين الدلالية).
  • المقصد ثانيا يأتي بمعنى "القصد" أو النية، وعليه فمقاصد الشريعة يراد منها قصود الشارع وقصود المكلف؛ أي النية التي تصدر عنهما. "ومتى كان علم المقاصد علما أخلاقيا ينظر في القصود (النوايا) التي تصدر عن الشارع والمكلف لزم أن يقوم على ركن أساسي ثان هو "نظرية النيات" تنظر في الجوانب الأخلاقية لهذه القصود التكليفية".[8]
  • ثالثا المقصد يأتي بمعنى الغاية المرغوب فيها، والتي يراد تحقيقها، وعلى حد تعبير طه عبد الرحمان، تكون الغاية قيمة يتوجه إليها القول وتوجهه. وما دام أيضا مبحث المقاصد علما أخلاقيا ينظر في الغايات المرغوب فيها التي تسعى الشريعة لتحقيقها في حياة المكلفين يجب كذلك أن يقوم على ركن ثالث هو "نظرية القيم" تبحث في الجوانب الأخلاقية لهذه الغايات الشرعية.

والملاحظ أن النظريات الثلاث التي صاغها طه عبد الرحمان لا تستقيم إلا بشرط تعريف المقاصد على أنها علم أخلاقي موضوعه الصلاح كما سبقت الإشارة، والمبرر المنطقي عنده أن الأحكام الشرعية لا يمكن أن تخلو من مضمون دلالي وإلا صارت لغوا، ولا يمكن أن تخلو أقوال الشريعة وأحكامها من القصد والنية وإلا كانت سهوا، وأيضا لا يمكن أن تخلو من القيمة والغاية وإلا صارت عبثا وجزافا.

خلاصة القول، إن علم المقاصد ينبغي أن تؤطره القيم الأخلاقية الإسلامية التي تحقق صلاح الإنسان، ويقوم على نظريات ثلاث متكاملة، وهي -تذكيرا- "نظرية الأفعال" وتدور على مفهومي القدرة والعمل، و"نظرية النيات" وتدور على مفهومي الإرادة والإخلاص، و"نظرية القيم" وتدور على مفهومي الفطرة والصلاح[9].

3- اعتراضات طه عبد الرحمان على تقسيم الأصوليين للمصالح ومراتب المقاصد:

يقول الدكتور طه عبد الرحمان، إن التقسيم التقليدي للمقاصد الذي تعارف عليه الأصوليون لا يسلم من الخلل، ولابد من إعادة النظر في حصر المصالح في الضروريات والحاجيات والتحسينيات. وبالتالي اعتماد تقسيم جديد يصحح تلك الاختلالات، فجاءت تقويماته للمصالح والمقاصد الشرعية لتنبه على المسائل الآتية:

  • لقد جرت العادة على إدراج مصالح الدين والنفس والعقل والنسل والمال في قسم الضروريات، والحقيقة أنها لا تتعلق فقط بهذا الباب، بل تندرج تلك المصالح أيضا في القسمين الآخرين؛ أي الحاجيات والتحسينيات. وهذا في حد ذاته خلل في التقسيم، لأنه يخل بشرط في غاية الأهمية هو شرط التباين الذي ينبغي أن يحكم الأقسام. وللتدليل على هذه المسالة ساق مثالا يخص مصلحة حفظ النسل، حيث يكون مثلا تحريم الزنا يحقق مصلحة ضرورية، وتحريم النظر إلى عورة المرأة يحقق مصلحة حاجية، وتحريم تبرج المرأة حكما يحقق مصلحة تحسينية. وهكذا يظهر أنها (الضروريات - الحاجيات - التحسينيات) تشترك في حفظ النسل الذي أدرج في قسم الضروريات فقط. وبالنسبة إلى طه عبد الرحمان، فهذا إخلال بيِّن بشرط التباين في التقسيم.
  • والحل المفترض لصحة التقسيم هو تنزيل المصالح الخمس (الدين - النفس..) في الرتبة الأعلى، ثم تتفرع عنها التقسيمات الثلاث (ضروريات - حاجيات - تحسينيات) باعتبارها مراتب لحفظ المصالح الخمس، الضروريات من جهة اعتبار تلك المصالح، والحاجيات من باب الاحتياط لتلك المصالح، وأخيرا التحسينيات من جهة التكريم.[10]
  • لا ينبغي مجاراة الأصوليين في حصرهم للمصالح في خمس، وخاصة أنها تحصلت لديهم عن طريق استقراء نصوص الشرع، والنظر في علل الأحكام ومآلاتها، إذ لا شيء يمنع من إدخال مصالح أخرى عن طريق الاجتهاد في الاستقراء أيضا، وبذلك يكون حفظ العدل والحرية والتكافل وغيرها ضمن المصالح الضرورية، وهذا يعني أنه ليس هناك حصر تام للمصالح... ومعلوم أن مستجدات الحياة وتطورها أمر لا يتوقف مما يعني أنه مستساغ أن تتبوأ جملة من القيم مرتبة الضروريات.
  • ينطلق طه عبد الرحمان كذلك من فكرة عدم وجود تباين حقيقي بين الضروريات الخمس، حيث لا يمكن الحديث عن حفظ المال دون حفظ العقل، ولا حفظ للنسل من دون حفظ النفس، ولا حفظ للنفس من غير حفظ الدين...في حين سلامة التقسيم تقتضي الوفاء بشرط التباين.
  • ثم تطرق إلى وجود خلل آخر في التقسيم التقليدي للمقاصد، خلل يتعلق بخرق شرط التخصيص، "فليست كل قيمة (مصلحة) من هذه القيم أخص من الأصل الذي هو الشريعة، فحفظ الدين (العبادات والاعتقادات وغيرها) مثلا مساو للشريعة، فتدخل تحته المصالح الأخرى (النفس، العقل، النسل، المال)"[11].
  • ولعل المشكلة الأكبر في تقسيم المصالح الشرعية من منظور طه عبد الرحمان، هي حديث الأصوليين عن رتبة التحسينيات، فهي لا تمثل إلا مكارم الأخلاق التي تُرتَّب أخيرا، بيد أن الصواب -عنده- أن تكون في المقام الأول لأن مكارم الأخلاق ليست ترفا سلوكيا يخير الإنسان في فعله أو تركه مادام قد تقرر عنده أن المقاصد علم الأخلاق الإسلامية، والقيم الأخلاقية وحدها هي الضامن لهذه المقصدية التي تتوخى إصلاح الإنسان.
  • وبتجميع الأمثلة التي يسوقها الأصوليون في باب التحسينيات، سيتضح أن ما اصطلح عليه التحسينيات يشمل في واقع الأمر الأحكام الشرعية كلها من الواجب (الطهارات) والحرام (بيع الخبائث)، ولا شك أن إهدار الواجب أو الحرام يترتب عليه إخلال نظام الحياة والعنت والمشقة. وبعبارة أدق، فإن بعض ما خاله الأصوليون من باب التحسينيات لا يصح إلا أن يكون ضروريا أو حاجيا.
  • من وجهة نظر طه عبد الرحمان، كان الأصوليون يخلطون في قضية تعليل الأحكام الشرعية بين التعليل الوصفي[12] (الأسباب التي أنيط بها الحكم)، والتعليل الغائي، وكانت تعليلاتهم في الجملة منصبة على التعليل بالأسباب والأوصاف وليس الغايات والحِكم. في حين التعليل الوصفي ينبغي أن يكون في مجال "المقصودات" وهو مبحث "نظرية الأفعال" بالنسبة إليه. أما مجال النيات والقصود، فينبغي أن يكون التعليل فيه بالحِكم، من منطلق "نظرية النيات". والفائدة المحصلة أنه لا يجب الانكفاء على نمط واحد من التعليل تفاديا للسقوط في التقنين النظري القانوني الذي يورثه التعليل بالأسباب، وتفاديا أيضا لطغيان الصبغة الروحية والأخلاقية التي تصاحب التعليل الغائي. "ومادام الحكم لا يرتَّب على السبب إلا إذا أفضى إلى غاية أو حكمة مرادة منه فلا بد من أن يكون التعليل السببي في الأحكام تابعا للتعليل الغائي"[13].
  • من الإشكالات التي أثارها طه عبد الرحمان في سياق الاعتراض على تقسيم الأصوليين للمقاصد الشرعية مسألة الأحكام "معقولة المعنى" والأحكام "غير معقولة المعنى" أو ما يعرف بالتعبدي أيضا، فهذا التقابل يَنِمّ عن اضطراب، حيث قابل الأصوليون بين التعبدي وبين المعقول الوصفي[14] تارة، وبينه وبين المعقول المعياري[15] تارة أخرى... والمخرج من هذا الاضطراب-يقول طه عبد الرحمان- هو الأخذ بالفروق الموجودة بين صور أربع تتعلق بالحكم الشرعي:
  • إما أن يكون الحكم الشرعي معقولا وصفيا ومعقولا معياريا.
  • إما أن يكون الحكم الشرعي معقولا وصفيا وتعبديا معياريا.
  • إما أن يكون الحكم الشرعي تعبديا وصفيا ومعقولا معياريا.
  • وإما أن يكون الحكم تعبديا وصفيا وتعبديا معياريا.

Ü  إن هذه المسألة بالذات مما يصعب التسليم به للدكتور طه عبد الرحمان لسبب وجيه هو غموضها، وخاصة أنه لم يسق أدلة ولا أمثلة كافية توضح الطرح الذي يقترحه، أو ترفع الإشكال الذي أثير منذ وقت مبكر بين الأصوليين حول معقول المعنى وغير معقول المعنى في الشريعة الإسلامية[16].

4- خلاصات واستنتاجات:

-   علم المقاصد عند طه عبد الرحمان ينظر إليه على أساس أنه علم أخلاقي يبحث في صلاح الإنسان والوسائل المحقِّقة لذلك، وغايته تحقيق العبودية لله[17].

-   يظهر من خلال التصور الذي طرحه الدكتور طه عبد الرحمان الدور الكبير الذي تختص به القيم الأخلاقية في منظومة التشريع الإسلامي، ولهذا اعتبر "نظرية القيم" في المقام الأول مقدمة على "نظرية النيات" و"نظرية الأفعال".

-   دعا فيلسوف الأخلاق المغربي بصريح العبارة إلى التجديد في علم المقاصد من خلال تصحيح أقسام المصالح ورُتب المقاصد الشرعية، والتأكيد على أهمية رفع الخلل الذي خلفه التراث الأصولي في باب المصالح، الخلل المتمثل في افتقار التقسيم التقليدي لشروط التباين، تمام الحصر، والتخصيص.

-   يحاول طه عبد الرحمان باستمرار إظهار العلاقات الدقيقة التي تجمع بين الأخلاق والفقه، حيث تكون الأخلاق أساسا يُبنى عليه الفقه، ويعمل الفقه بدوره على توجيه تلك الأخلاق.

-   يظهر جليا أن الدكتور طه عبد الرحمان يولي القيم والأخلاق والبعد الروحي للإنسان اهتماما بالغا، وقد رأينا أنه قال إن الإنسان لا يفضل الحيوان بقوة العقل بل بقوة الأخلاق. وعندما كان يبسط القول في نقد العلمانية وأشكال التسيّد (التسلط) السياسي وغيره قال إنه لا الحوار الديمقراطي ولا التحليل النفسي يستطيعان حل مشكلة التسيّد، بل العمل التزكوي (تزكية الروح) الذي هو من جنس "العمل الجذري" بخواصه السبع، وحب التعبد هما الطريق الآمن لحل كل مشكلات التسيّد الذي يستحكم في الوجود الإنساني[18].

-   عندما وجّه طه عبد الرحمان اعتراضاته لبعض القضايا الخاصة بعلم المقاصد الموروث عن الرواد الأوائل، يتبادر إلى ذهن الباحث طبيعة البديل الذي اقترحه لتجاوز الإشكالات المطروحة، إنه جاء بتقسيم ثلاثي آخر يقوم على ثلاث قيم كبرى:

Ü    قيم الضر والنفع: وهي قيم حيوية تلحق جميع البنى الحسية والمادية، ومثالها: حفظ النفس والصحة والمال والنسل.

Ü  قيم الحسن والقبح: وهي قيم عقلية ومعاني خلقية تتعلق بالبنى العقلية والنفسية للإنسان. ومثالها الأمن والحرية والسلام والحوار والثقافة.

Ü  قيم الخير والشر: وهي قيم روحية تتقوم بها كل الخيرات والشرور المتعلقة بعموم القدرات الروحية والمعنوية ومثالها الإحسان والرحمة والمحبة والخشوع.

في ختام هذا النقاش، أود أن أؤكد أن البحث في المقاصد الشرعية يجب أن يظل درسا "مفتوحا" بين المتخصصين لغاية الإجابة عن جملة من الإشكالات والتساؤلات المرافقة له، ويمكن أن نذكر مثلا النقاش المفتوح في قضايا إعمال المقاصد وتفعيلها، ومسالك وطرق إثباتها، واستثمارها...وعلاقة مبحث المقاصد بأصول الفقه والأصول الكلامية أيضا. دون غض الطرف عن بعض الخطابات المعاصرة التي تلبس جلباب المقاصد وتحاول تمييع الدرس المقاصدي، بل أحيانا هدم الشريعة وإهدار الكثير من الأحكام الجزئية بوجه أو بآخر من منطلق كون الكليات هي المقصودة لذاتها، وما الفقه وأحكامه إلا اجتهادات تقيدها الزمان والمكان وظروف الحياة.

 

لائحة المراجع:

-          الغزالي أبو حامد، المستصفى من علم الأصول، دار النفائس. 2001

-          الترابي حسن، تجديد الفكر الإسلامي، دار القرافي للنشر والتوزيع. ط: 1، 1993

-          طه عبد الرحمان، سؤال الأخلاق: مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية، المركز الثقافي العربي، 2000

-          طه عبد الرحمان، مشروع تجديد علمي لمبحث المقاصد، مجلة المسلم المعاصر، العدد ‍103، 2002

-          طه عبد الرحمان، روح الدين من ضيق العَلمانية إلى سَعة الائتمانية، المركز الثقافي العربي، ط: 2، 2012

[1]- ابن قيم الجوزية، إعلام الموقعين، 3/3، ص: 359

[2]- انظر على سبيل المثال: حسن الترابي، تجديد الفكر الإسلامي، دار القرافي للنشر والتوزيع. ط: 1، 1993 وخاصة مبحث: (تجديد أصول الفقه الإسلامي، ص: 33). فقد قال حسن الترابي: "لابد أن تقوم هذه النهضة على منهج أصولي مقدر، علما بأن منهج أصول الفقه الذي ورثناه بطبيعة نشأته بعيدا عن واقع الحياة العامة، وبتأثره بالمنطق الصوري وبالنزعة الإسلامية المحافظة والميالة نحو الضبط والتي جعلته ضيقا- لا يفي بحاجتنا اليوم ولا يستوعب حركة الحياة المعاصرة..."

كما يؤكد حسن الترابي أن الفكر الإسلامي يتجدد، لأنه نتاج تفاعل العقل المسلم مع أحكام الدين الخالدة، وقد ذكر أن الفكر الإسلامي تعتريه ثلاث علل كبرى، أولاها أنه انقطع عن الأصول الخالدة للدين بتقادم العهد، وبالتالي لابد أن يتفاعل الفكر الإسلامي ويتصل بتلك الأصول. والثانية: أن الفكر الإسلامي يتأثر بالعلوم والمعارف العقلية التي أبعدته عن أصوله العقدية في الكتاب والسنة، والثالثة أن الفكر الإسلامي صار فكرا مجردا انقطع عن الواقع وعن حياة الناس.

[3]- طه عبد الرحمان، سؤال الأخلاق: مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية، المركز الثقافي العربي، 2000

[4]- طه عبد الرحمان، مشروع تجديد علمي لمبحث المقاصد، مجلة المسلم المعاصر، العدد ‍103، 2002. ص: 42

[5]- سؤال الأخلاق، مرجع سابق، ص: 147

[6]- مشروع تجديد علمي لمبحث المقاصد، ص: 43

[7]- نفسه، ص: 46

[8]- نفسه، ص ص: 44- 45

[9]- نفسه، ص ص: 44- 45

[10]- نفسه، ص: 50

[11]- نفسه، ص: 51

[12]- مثلا جواز الإفطار في السفر، السبب أو الوصف هنا هو السفر ذاته، وليس الحكمة وهي رفع المشقة أو التيسير، وبالنسبة إلى تحريم الخمر العلة هي الإسكار وليس الحكمة التي هي دفع المفاسد كوقوع العداوة والبغضاء وغيرها

[13]- المرجع السابق، ص: 48

[14]- المراد من العبارة الوصف الذي جعله الشارع سببا للحكم، والذي يهتدي العقل إلى إدراكه.

[15]- ويراد منه الغايات والقيم التي يتوصل إلى تحقيقها بواسطة الأحكام ويهتدي إليها العقل.

[16]- انظر على سبيل المثال: المستصفى في أصول الفقه، أبو حامد الغزالي. 2/224-225

[17]- يسميها طه عبد الرحمان العبودية الطوعية، انطر روح الدين للمؤلف، ص: 97

[18]- للتوسع ينظر في: روح الدين، طه عبد الرحمان، ص: 265- 277