أيّ مساجد نريد؟

فئة :  مقالات

أيّ مساجد نريد؟

شهدت الساحة الإعلامية التونسية في الأيام الأخيرة جدلاً واسعاً حول القانون الجديد للمساجد الذي تنوي وزارة الشؤون الدينية تقديمه إلى المجلس التأسيسي للمصادقة عليه، وإن اعتبرت وزارة الشؤون الدينية في بلاغ لها صدر يوم 12 ديسمبر 2013 أنّ ما يتمّ تداوله لا يتعدّى أن يكون مجرّد مسوّدة لمشروع أوّلي لم تُصادق عليه ولم تعتمدهُ، حيث إنّه ما زال في طور النظر والاستشارة والتعمّق والدراسة، طبقاً للإجراءات المتّبعة في إعداد النصوص القانونيّة وصياغتها وتحريرها، إلاّ أنّ هذا المشروع تعرّض للعديد من الانتقادات اللاذعة من قبل بعض الإعلاميين والحقوقيين التونسيين. ولنا أن نرى مثلاً جريدة الشروق التونسية التي عنونت على صفحتها ليوم 11 ديسمبر 2013 "الشروق تحقّق في أخطر قانون أمام المجلس التأسيسي: القانون الجديد للمساجد".

كما أبرزت الرئيسة السابقة لجمعية القضاة كلثوم كنو في مداخلة لها على قناة نسمة التونسية يوم 12 ديسمبر 2013 أنّ مشروع القانون الخاص بالمساجد يمهّد لتعدّد الزوجات حسب ما نصّ عليه الفصل 23 من هذا القانون الذي يولي المسجد مهمّة اجتماعية تتمثّل في إشهار الزواج، واستنكرت كلثوم أن يضطلع المسجد بهذه المهمة، مؤكدة أنّه من المهم أن يدرج عقد الزواج مباشرة في الحالة المدنية للأفراد حسب ما ينصّ عليه القانون، ودعت كنو الطبقة السياسية والمثقفين والحقوقيين إلى الانتباه لخطورة هذا المشروع الذي يمنح المساجد صلاحيات واسعة يجعلها مرجعاً للحياة اليومية للفرد.

كما انتقدت الأستاذة لدى محكمة التعقيب خديجة المدني في حوار لمجلة تونس الرقمية مشروع قانون المساجد الذي تمّ عرضه على المجلس التأسيسي للمصادقة عليه واصفة إيّاه بالكارثة، وأكّدت الأستاذة أنّه بهذا القانون ستصبح لنا دولة دينية، وهو ما يهدّد حسب قولها مدنيّة الدولة. ووصل الأمر بالسياسي والأستاذ الجامعي ناجي جلول أن يدعو إلى مساجد مختلطة، عندما قال فيقناة نسمة التونسية يوم 12 ديسمبر 2013: "إنّ هذا المشروع يتضمّن فصلاً ينصّ على الفصل بين الجنسين في المساجد معتبراً أنّ ذلك أمر خطير جدّاً".

هذه الأمثلة وغيرها لردود الفعل السلبية تجاه هذا المشروع، تجعلنا نتساءل عن ماهيّة الدور الأساسي للمسجد في حياة المسلم وتطور وظيفته منذ نشأة الإسلام إلى اليوم ومدى الحاجة اليوم إلى قانون ينظّم هذه الوظيفة.

الحديث عن فضل المساجد في الإسلام طويل جداً، ولا يمكن حصره في بعض الأسطر، ويكفي أن نذكر أنّ أوّل عمل قام به الرسول محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ إثر هجرته إلى المدينة المنوّرة هو بناء مسجد جامع جمع فيه كلّ المسلمين، وهذا الأمر لم يكن على سبيل المصادفة، وإنما هي إشارة من رسول الله إلى المسلمين بأولويّة إقامة المساجد حيثما حلّوا، معلناً بذلك أنّه الركن الأوّل والدعامة الأولى لقيام مجتمع إسلامي، وهو ما تجسّد إثر ذلك مع عمرو بن العاص عند فتح مصر وبنائه جامع الفسطاط ومع عقبة بن نافع عند فتح إفريقية وإقامته جامع القيروان.

وقد أكّد الرسول على فضل المساجد عند الله، عندما قال في حديث أورده مسلم في صحيحه مرويّاً عن أبي هريرة: "أحبّ البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها" كما روي في الصحيحين عن حديث عثمان بن عفان، قال: سمعت النبي ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ يقول: "من بنى لله مسجداً بنى الله له كهيئته في الجنّة".

يمكن لنا أن نرجع دور المساجد في الإسلام إلى نقاط عديدة؛ أوّلها أنّ المسجد هو مكان العبادة الخالصة لله، والمسجد كما يظهر من اسمه أي مكان السجود لربّ العالمين، لقوله تعالى : "فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ {36/24} ". وقد أبرز رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ قيمة العبادة في المساجد عند الله في الحديث من صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ قال: "ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفّتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده".

وقد كان المسجد كذلك منذ عهد النبوة إلى اليوم مؤسسة تعليمية للصّغار والكبار، وأوّل الأمكنة التي تحقّق التربية السليمة، فيه تخرّج العلماء والفقهاء والقادة، وفيه تخرّج رجال تربّوا على منهاج النبوة وتسيّدوا العالم، وهو مكان يعوّد المسلمين على التزام الجماعة، ومجتمع المصلّين داخله مجتمع يسوده الحبّ والصفاء، وفيه يشعرون بأخوّة الإسلام. وفي المسجد أيضاً تُلقى الخطب والدروس، وهي أكثر الوسائل فعّالية في نشر الدعوات وبثّ الأفكار وإيصالها إلى أكبر عدد ممكن من الناس. وفي المسجد أيضاً تقام حلقات يتلقّى فيها الطلبة دروساً في تلاوة القرآن وفي علوم الفقه والحديث. فالمسجد في الإسلام هو مدرسة خاصّة لتربية نوعيّة خاصّة من الرجال يصفها المولى عزّ وجلّ في سورة النور: " فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ {36/24} رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ {37/24} لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ {38/24}".

وفضلاً عن الدورين الديني والتربوي، للمسجد أيضاً دور كبير في إصلاح المجتمع، فهو المكان الذي يحتضن الفقراء والمساكين، وهو المكان الوحيد الذي لا يُطرد فيه المتسوّلون، وفيه تُقدّم الصدقات وتُجمع الزكاة، وفي المسجد تُقضى الحاجات ويُتعاون على البر والإحسان. وللمساجد دور كبير في نسج علاقات المسلمين فيما بينهم؛ ففيه تُقام الجنائز وتُتقبل التعازي، وفيه يُعقد الزواج وتُوضع أسس الأسرة المسلمة تنفيذاً لأمر رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ في الحديث الذي رواه الترمذي عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ :"أعلنوا النكاح، واجعلوه في المساجد، واضربوا عليه بالدفوف". وفي المسجد يُهنّئ المسلم إخوانه بأفراحهم ومناسباتهم السارّة. والمسجد هو صورة مصغّرة عن مجتمعنا.

كما كان للمسجد في عهد النبوّة وظيفة أخرى، وهي الوظيفة القضائية؛ فقد كان النبي ـ صلّى الله علية وسلّم ـ يفصل بين الخصومات، ويقضي بين المتخاصمين في مسجده، ومضى الحال على ذلك في عهد الخلفاء الراشدين من بعده.

لم يكن للمسجد هذه الوظائف فحسب، بل كان أيضاً مركز الدولة، فيه تُستقبل الوفود، وفيه تتمّ المفاوضات، وهو مكان الشورى بين المسلمين، وفيه تتمّ البيعة للخليفة الذي يقوم بعد البيعة بإلقاء خطابه على الأمّة في تبيان منهجه وخطّته في الحكم كبيان سياسي، وفيه تُعقد الألوية لقادة الجيوش، وكانت الخطط الحربية يتفق عليها فيه، ومنه يعلن الجهاد وإنهاء الحرب وغير ذلك من شؤون الدولة. فكان المسجد ساحة نشاط في جميع المجالات.

وقد استمرّت المساجد تؤدّي هذا الدور العظيم في حياة المسلمين قروناً طويلة من الزمن، حتى كانوا بحق خير أمّة أخرجت للناس، فكانوا ساسة وقادة وروّاد حضارة ومنارات هدى لجميع العالمين، وعندما تجاهلوا هذا الدور وانحسر دور المسجد، أصبح حالهم كما هو عليه اليوم.وقد بدأ الانحراف يعرف طريقه إلى المجتمع الإسلامي، عندما ضعف الكثير من المسلمين أمام إغراءات الشيطان الذي زيّن لهم الباطل ولبس عليهم الحق، فكان أن أهملوا وقصّروا في صلتهم بربهم، وامتد الإهمال إلى المساجد. فاقتصر دور المسجد على الصلاة فقط، وصارت الصلاة عند المسلمين عادة وتقليداً خالية من الروح الحقيقية للعبادة.واقترن إهمال المسلمين لمساجدهم وضعف تمسّكهم بدينهم بوقوع المسلمين فريسة للبدع والشوائب التي علقت بالعبادة في المساجد نتيجة لجهل المسلمين والخرافات التي اتّصلت بالمسجد، ودخلت عليه بالتحريف والتشويه، وشاعت بين المسلمين شيوعاً كبيراً.

وإثر الثورات العربية في السنوات الأخيرة ومع صعود الحركات الإسلامية إلى الحكم ذهب إلى الظنّ أنّ المساجد ستسترجع دورها الريادي الذي كانت تقوم به في العصر الذهبي للإسلام، لكنّ ذلك لم يحدث، بل بقي الأمر على ما هو عليه في سنوات التخلّف. ورغم ازدياد أعداد المصلّين في المساجد إلا أننا أصبحنا نرى فيها ظواهر غريبة عن الإسلام وعن آداب المسجد، فانتشرت الخصومات والشجارات بين المصلّين، وأصبحنا نرى أئمة تنزل من المنبر بالقوة، وأصبحنا نرى مسلماً يكفّر أخاه المسلم في المسجد. وباتت المساجد أيضاً مسرحاً لعمليّات استعراضيّة يقوم بها بعض من يزعم القدرة على تخليص بعض الحالات المرضيّة النفسيّة المستعصية، ممّا حلّ بها من جنّ مستغلاّ سذاجة عدد من المواطنين وقلّة فهمهم للدين، بل أضحت المساجد أحياناً بوقاً للدعاية الحزبيّة، تساند هذا ويفتي أئمّتها بحرمة انتخاب ذاك أو الاصطفاف في صفّه.

هذا التدهور في دور المساجد في تونس، قد يكون من دوافع وزارة الشؤون الدينية التونسية للتفكير في قانون جديد للمساجد، يضبط وظائف محددة لها. إلا أنّ هذا القانون تعرّض لهجوم شرس من الحقوقيين والمثقفين التونسيين، وحتى من الأئمة أنفسهم، عندما اعتبر الأمين العام للنقابة الوطنية للأئمة فاضل عاشور أنّ وزارة الشؤون الدينية تحاول من خلال القانون الجديد للمساجد "السيطرة على الجوامع وتحويلها إلى مؤسسات دينية تابعة لها، وتجنّد إطارات دينية تابعة لها لخدمة أجنداتها السياسية".. كلّ يتحرّك وفق خلفيّة محدّدة، وإن كان الغالب عليهم اجتماعهم على تأكيد دفاعهم عن مدنيّة الدولة، وحماية المساجد من الانزلاق في متاهة التجاذبات الحزبيّة السياسيّة وانزياحه عن وظيفته التعبّديّة التي حصروه فيها.

كلّ هذه التناقضات التي نعيشها في دور المساجد بين الواقع والمنشود تجعلنا نتساءل: أيّ مساجد نريد؟