الإسلاميون بين الأمة والدولة

فئة :  مقالات

الإسلاميون بين الأمة والدولة

كثير ممن يشرفونني بالزيارة يثيرون أسئلة، منها تساؤل عن «متى؟» بدأ الإسلاميون المعاصرون طريقهم إلى السلطة و«إلامَ» سينتهون؟ وكثيرًا ما أسمع تساؤلاتهم وأستمتع بحواراتهم دون تدخل مني، فإذا حَمِي النقاش بينهم ووصلوا إلى ما يشبه الطريق المسدود، قد يلتفت بعضهم إليَّ التفاتة مَنْ نسي شيئًا ثم تذكره، ليقول: لم نسمع رأيك يا فلان، فأغمغم بما قد يناسب اللحظة، ويوقف سخونة الجدال، أو أنقلهم إلى موضوع آخر ضاربًا الذكر صفحًا عن ذلك الموضوع! لكن كثرة ترديد الموضوع على مسامعي جعله يشغلني، سواء كنت مع الناس أو خاليًا بنفسي، وقد خطرت لي خواطر لا ترقى إلى مستوى الرأي في هذا الموضوع، فرأيت أن أُعجِّل في طرحها لعلّ في طرحها ما يفيد في الوصول إلى رأي يساعد على الإجابة الدقيقة على التساؤل المذكور، فأقول وبالله التوفيق:

أمّة أم دولة؟

لقد كانت بداية المنطلق للمسير نحو السلطة تطرح سؤالاً خاطئًا، ذلك السؤال إذا أردنا إتقان صياغته ووضعه بشكل دقيق جعلناه: ما الذي أسسه رسول الله -صلّى الله عليه وآله وسلَّم- في المدينة المنورة بعد هجرته إليها؟ أهو الأمَّة - ومنها المجتمع المدنيّ التوافقيّ- أم هو الدولة؟ فأمّا مَنْ قالوا أنَّها الأمَّة، والنموذج الأصغر هو ذلك المجتمع التوافقيّ، فإنّ ذلك يعني أنَّ الدولة ستكون مؤسسة من مؤسسات الأمَّة، للأمَّة أن تجتهد في تأسيسها في أفضل شكل وأحسن إطار، دون تقيّد بشكل معيّن تاريخيّ، ولعل هذا كان فهم الأكثرين من أولئك الذين قبلوا من الأمَّة أن تأخذ بكل الأشكال السياسيَّة التي عرفتها الأرض إلا الأشكال الظالمة، فأقامت خلافة وإمامة وسلطنة وممالك وإمارات ومشايخ وجمهوريات، وتلك تقريبًا معظم أشكال مظاهر الحكم والسلطة في العالم.

وأمَّا الذين أجابوا على ذلك السؤال ببيان أنّ ما قام به سيدنا رسول الله -صلّى الله عليه وآله وسلَّم- في المدينة المنورة هو دولة بالمفهوم المعاصر للدولة؛ أي: أرض وشعب وقيادة ودستور، فهؤلاء قد اعتبروا أنَّ شكل السلطة الذي برز في المدينة بعد الهجرة هو الشكل المطلوب تكراره وإعادة إنتاجه على الدوام؛ لأنَّه يمثّل الشكل المشروع والمسنون عن رسول الله -صلّى الله عليه وآله وسلَّم- الواجب اتباعه، فتكون تبعًا لذلك كل الأشكال - عدا الخلافة الراشدة- أشكالاً تحتاج إلى ما يدعمها.

إنّ الناظر في جميع الأحداث التي حصلت يصعب أن يجد لفكرة الدولة -بمفهومها المعاصر- ما يدعمها، لكنَّه يستطيع أن يجد الأمَّة وفكرة الأمَّة بوضوح. كما أنَّه يستطيع أن يجد المجتمع التوافقيّ بشكل بارز لا يقبل اختلافًا. وحيث إنَّ طبيعة الرسالة الخاتمة العالميَّة لا تقبل الانحصار في جغرافيا محددة، ولا شعب محدد، ولا زمن معين، بل لا بد أن يغمر نورها العالم كله ويُظهر دين الأنبياء الواحد بإصداره الأخير على يدي خاتم النبيّين والمرسلين محمد - صلّى الله عليه وآله وسلَّم - فذلك يمكن أن يدل على أنّ ما تم تأسيسه ابتداءً، إنَّما هو الأمَّة، وأنَّ الاجتهاد الذي كُلّفت الأمَّة به - كما كُلّفت بالجهاد - كفيل بأن يُعينها على حسن اختيار وبناء مؤسساتها، ومنها الدولة والحكومة والسلطة وأشكالها. وهذا الذي يمكن أن يفسر لنا طبيعة الجدال والحوار الذي دار في «سقيفة بني ساعدة» إذا صحت روايات المؤرخين له، كما يفسر لنا الاختلاف وأسبابه في قضيَّة الإمامة التي ما سُلّ سيف في الإسلام لمثلها، والتي كان الاختلاف فيها وراء سائر الاضطرابات والفتن الداخليَّة، وما تزال إلى يومنا هذا مصدر الانشاقاق والاختلاف والتحزّب الطائفيّ وما إليه.

إنَّ «التوحيد» هو قمَّة المقاصد الشرعيَّة التي جاء القرآن المجيد بها، والقاعدة التي يقوم عليها ويتفيّأ ظلالها وينتشر بها ولها هي «الأمَّة» بكل أطيافها، والوسيلة التي يستخدمها وينطلق بها ويطير بها هي «الدعوة». هذا الإطار يكاد يكون الإطار الوحيد الذي يمكن أن يشيع المسؤوليَّة بين سائر المنتمين إلى ذلك الكيان الذي هو الأمَّة المستظلة بـ«ـالملّة» ملّة أبيكم إبراهيم. بيد أنَّ الانحراف في الإجابة على السؤال المطروح أدى إلى اختزال ذلك كله «التوحيد والأمَّة والدعوة» في دولة وبرنامج سياسي وحكومة انحصر التنافس عليها بين مجموعة أسر في القديم والحديث، هي أسرة «الأمويّين» و«العبَّاسيّين» و«العلويّين» أو «الطالبيّين»، ثم تأرجح الأمر بين مجموعة من القوميّات والأحزاب، لتكون شركة أو دولة بين «العثمانيَّة» و«العلويَّة» و«العباسيّة» وما آلت إليه من «شعوبيَّة» أو «فارسيَّة» أو «عروبيَّة». وقد تراجع مفهوم «الأمَّة والملة» أمام تلك المفاهيم الناشئة التي استمرت لتتحول إلى نوع من قوميَّات، فيكون «الديلم» و«السلاجقة» و«البويهيين» ثم «العثمانيّين» و«الصفويّين»، كل ذلك على حساب تقزيم مفهوم «الأمَّة والملة».

لا غرابة بعد أن حدث ذلك أن يختزل مفهوم «الدعوة»، ليُدرج تحت «الفتح» أو يُفسّر «الفتح» به، وما بعث محمد - صلّى الله عليه وآله وسلَّم - بالرسالة العالميَّة الخاتمة - وهي جماع رسالات النبيّين كافّة - ليُخضع البشريَّة إليها بالفتح، بل بالدعوة، فهو يعلم أنَّ هذه الرسالة الخاتمة إنَّما تقوم على «أمة وملة»: أمَّة تكون قطبًا مثالاً ونموذجًا تستقطب الناس حولها وتدفعهم إلى الانضمام إليها في إطار مجموعة من القيم التي تناسب فطرتهم؛ فطرة الله التي فطر الناس عليها من «توحيد» و«تزكية» و«عمران» و«حرية» و«عدل» و«مساواة» و«وحدة إنسانية» تقوم على الأخوَّة في الله وبه، وتستهدي بالحق ودينه وتستنير به، وتستظل بوارف ظلاله. وإنَّ الوعي بذلك، سوف يعصم الأمَّة من السقوط في مهاوي الضلال.

وإنّنا في عصرنا هذا أحوج ما نكون إلى إعادة طرح السؤال الذي ذكرنا لنهتدي به في حياتنا هذه، وندرك أنَّنا بعد بناء التوحيد في القلوب وترسيخه في سويدائها، وانعكاسه على كل أنواع السلوك والتصرف لا بد من بناء الأمَّة به؛ أمَّة التوحيد الواحدة، أمَّة الأنبياء كافّة، أمَّة الدين القيِّم والقيم المشتركة، فإذا بنيت الأمَّة انطلاقًا من التوحيد فإنّ الدعوة تكون هي الوسيلة الأساس للإبقاء على وحدتها كأمّة الانبياء، ووحدة الملَّة، وممارسة الدعوة لهداية كل مَنْ حولها إلى مثل ما اهتدت إليه، وقامت عليه، ولن تكون -آنذاك- ثمّة أسرة أربى من أسرة، ولا عائلة أربى من عائلة، ولا قوميَّة ولا طائفيَّة أربى من الأخرى، ذلك لأنَّ نموذج «الأمَّة القطب» الذي عمل القرآن على بنائه يجعل من هذه الأمَّة أمَّة الأمم.

الدولة القومية

لا يختلف اثنان في كونَّ النظام العربيّ المعاصر نظامًا ترشّح عن غزو استكباريٍّ لبقايا عالم استظل بالإسلام فترة، وتحول في داخل كيانه مرات عديدة بين أسر وقوميَّات، وتعرّض لحروب صليبيَّة ومغوليَّة شغلته عن «الدعوة» و«الأمَّة» و«الملّة» قرونًا، وقد أسس هذا الغزو الاستكباريّ لما عُرف بـ«ـالدولة القوميّة» ودول الأقاليم التي تعيش في المنطقة حاليًا، فتحولت إلى تلك الجمهوريّات والممالك والسلطنات والإمارات المختلفة والمتعددة. ومع أنَّ بعض الأسر ما زالت تحكم إلا أنّ أحزابًا وجيوشًا لم تختلف كثيرًا عن نظام الأسرة مضمونًا، وإن اختلفت عنه شكلاً قد استبدلت ببعضها الآخر.

الإسلاميون اليوم

واليوم يبرز الإسلاميّون ويصلون إلى مستوى صناعة القرار في هذه الأقاليم والبلدان المقتطعة من الجسم الكبير، ويقدِّمون برامج سياسية انطلاقًا من رؤيتهم للقطر والإقليم الذي بلغوا فيه ذلك المستوى وصاروا منفردين أو شركاء مع غيرهم في صناعة سياساته، والمنطلق هو النظر إلى الدولة والأحكام وتطبيقات الأحكام؛ فإذا قيل: "وماذا عن الأمَّة وماذا عن الملة؟" فسينفضون إليك رؤوسهم ويقولون: "نحن في مرحلة نقدم فيها الإقليم الذي نصل إلى السلطة فيه نموذجًا لعلّ ذلك يلفت أنظار الأقاليم الأخرى، لتقتدي بنا وتتبع نهجنا وتسلك سبيلنا، فنعمل بعد ذلك على إعادة تشكيل «الأمَّة» و«الملة» وتوحيد الكيان"، فهل نستطيع التسليم بهذا؟ وهل يُعدّ ذلك من قبيل التدرّج في إعادة بناء «الأمَّة» و«الملّة»؟ أم أنَّ ذلك لن يكون إلا أملاً مرجوًّا يخيب أمله أو يصيب؟ إنّنا لنرجو أن يكون الأمل حقيقة في يوم من الأيام، لكن التجارب التي مرت، والتي سقط بعضها وما يزال بعضها قائمًا لم تشعر بأنَّ مفاهيم «الأمَّة» و«الملّة» و«الدعوة» قائمة في الأذهان قيام مفهوم «السلطة».

إنَّ من حق الإسلاميّين أن يتوثّبوا إلى السلطة في الأقطار التي ينتمون إليها وفي غيرها، ومن حقهم أن يحكموا أو يتقبّلوا حكم سواهم، ولهم الحق في أن يخوضوا هذه الانتخابات أو تلك، ويكونوا أغلبيَّة في البرلمانات أو أقليَّة، ويتحالفوا مع مَنْ يشاؤون من الفئات السياسيَّة الموجودة على الساحة، ذلك كله حق لهم لا ننازعهم فيه، لكنَّ ما نحذِّر منه هو أن يجعلوا من الإسلام مجرد برنامج سياسيّ مختزل لحزب أو لفئة، وأن يختزلوا الدعوة فيما يسمونه بـ«الدعوة تحت قباب البرلمانات»، هذان الأمران ليسا من حق أيَّة فئة أن تدعي شيئًا منهما؛ فالإسلام رسالة عالميَّة خاتمة، على حملها توحّدت أمَّة الأنبياء والمرسلين، وتعاقب الأنبياء والمرسلون على حمل مسؤوليَّاتها من لحظة العهد، وستستمر حتى يأتي أمر الله وتنتهي هذه الحياة الدنيا، ما من حق أحد ولا باستطاعته أن يختزل الإسلام ويقزّمه ويحجّمه ويضعه في قارورة أو أمبوبة الحزب أو الفئة أو مؤسسة حكم أو سياسة، فهو أكبر من ذلك وأعم وأشمل، هو رسالة عالميَّة إلى البشريَّة كافَّة، ما من نبي ولا رسول إلا شارك في وضع بعض لبناتها، حتى استوت على سوقها في عهد «ابن الذبيحين» خاتم النبيّين والمرسلين، محمد بن عبد الله صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. وينبغي أن تبقى تلك الرسالة نهرًا جاريًا ترد البشريَّة إليه وتصدر عبر تاريخها، وفي كل مراحل حياتها إلى يوم الدين، فلا ينبغي أن تُظلم البشريَّة وتُوهم بأنَّ برنامج الفئة الفلانيَّة أو الحزب الفلاني يمثّل الإسلام، فتلك جناية ما بعدها جناية على الإسلام والمسلمين، وهي مصدر انحرافات كثيرة في فقه التدين. وإذا أريد بالرسالة الأحكام، فالأحكام لا تمثّل من الدين إلا جزءًا من اثني عشر جزءًا أو أقل، والبشريَّة كلها أحوج ما تكون إلى مَنْ يدعوها إلى هذه الرسالة الخاتمة، وينبّهها إلى أن نجاتها وخلاصها لا يتحققان إلا بها، ولن ينبثق النور والهدى ويعلو الحق إلا بالدعوة إليها. إنَّ هذه البرامج السياسيَّة التي يقدِّمها مَنْ يُطلَق عليهم «الإسلاميَّون» ما هي إلا فهم أصحابها لهذه الرسالة، يخضع للاستدلال والاستنباط، ولا يمثِّل إلا جزءًا يسيرًا من تلك الرسالة... والله أعلم.