الاختلاف في كتاب "المحصول من أصول الفقه" لفخر الدين الرازي (ت 606هـ) / القسم الأول

فئة :  مقالات

الاختلاف في كتاب "المحصول من أصول الفقه" لفخر الدين الرازي (ت 606هـ) / القسم الأول

تعد مساهمة فخر الدين الرازي (ت 606هـ) في التأليف في أصول الفقه مساهمة متأخّرة نسبيًّاً في الزمن؛ أي بعد أن استقام هذا المبحث علماً مستقلاً بذاته منذ أواخر القرن الرابع للهجرة، وإن كانت مسائله بدأت تتبلور في أذهان الفقهاء بدءاً من القرن الثاني للهجرة.

وقد أتاح هذا التأخّر في الزمن للرازي الاطّلاع على مختلف الآراء ومجمل المواقف المتعلّقة بالأصول؛ فكتاب من مثّل كتاب "المحصول في علم أصول الفقه" يعد شاهداً على ذلك، إذ حوت مادّته عدداً من القضايا والمسائل التي استنفدت جهود الأصوليّين والفقهاء على تباين انتماءاتهم المذهبيّة ورؤاهم الفكريّة في فترة زمنيّة امتدّت ستّة قرون.

لذلك، رأينا ضرورة دراسة الاختلاف في هذه المدوّنة النصّيّة، وقد ارتضينا منهجاً في العمل يقوم على تبيّن نماذج من أهمّ مسائل الاختلاف وقضاياه. ثمّ النظر في طريقة الرازي في تناولها، مبرزين قيمة هذه الظاهرة في كتاب "المحصول" خاصة وفي مبحث الأصول عامّة.

مثّل الاختلاف في "المحصول" السمة المميّزة للكتاب، فلا نكاد نقرأ صفحة من صفحاته دون أن يطالعنا قول له صلة حميمة بالموضوع. وقد ارتبطت مسائل الاختلاف بالأصول ذاتها، وكذلك بمسائل متعلّقة بتلك الأصول تدور في فلكها ولا تنقطع عنها، إذ للاختلاف في "المحصول" وجهان:

  • وجه أوّل مقيّد بالأصل الفقهي
  • وجه ثان متّصل بقضايا وبمسائل ترتدّ إلى أصل فقهيّ مّا دون أن تجعله موضع نظر.

عندما نتأمّل الوجه الأوّل من وجهي الاختلاف، نتبيّن عمقه وخطره في التفكير الأصولي، إذ الاختلاف بهذا المعنى، يمكن أن يهدّد أصلاً فقهيّاً معيّناً، بل قد يتضمّن دعوة خفيّة أو صريحة إلى تقويضه. وسنقف، هاهنا، على مثالين اثنين يجسّمان هذا الاتّجاه في تناول قضيّة الاختلاف لدى الرازي.

كان الاتّفاق سائداً لدى الفقهاء والأصوليّين أنّ الأصل الأوّل في التشريع الإسلامي هو القرآن، وهو "النصّ التأسيسي" في الثقافة العربيّة الإسلاميّة. كما عدوا السنّة النبويّة، وخاصّة السنّة المتواترة منها، أصلاً سمعيّاً ثانياً في التشريع. ولكن حينما ننظر في الأصل الثالث من أصول الفقه، فإنّ باب الاختلاف يفتح وتدلف منه آراء الفقهاء والأصوليّين على تباينها، إذ قام في هذا المستوى "إشكال" ولكنّه في مستوى الفكر لا في واقع الممارسة، ويتمثّل في إثبات حجّيّة الإجماع أو نفيها.

لقد خصّص الرازي لهذا المبحث حيّزاً مهمّاً في باب "الكلام في الإجماع" يقارب الخمسين صفحة من جملة مئة صفحة هي كامل الباب، وهو ما يدلّ على أهمّيّة المسألة في نظر الرازي، فقد ذهب إلى اعتبار إجماع الأمّة حجّة خلافاً للنّظّام (ت231هـ) والشيعة والخوارج؛ فكان لزاماً عليه إذن إثبات هذه الحجّيّة بوجوه عديدة في الاستدلال هي النصّ والخبر والمعقول. كلّ ذلك للطعن في اعتراضات المخالف.

تأسّست حجّيّة هذا الأصل، أوّل ما تأسّست، على ثلاثة نصوص قرآنيّة رتّبها الرازي بحسب قوّتها في الاستدلال على حجّيّة الإجماع:

-النصّ الأوّل: "وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً" (النساء4/115)

-النصّ الثاني: "وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُوْنُوْا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ" (البقرة2/143).

-النصّ الثالث: "كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ" (آل عمران3/110).

وتناولالرازي، بكثير من التوسّع، مختلف تأويلات هذه الآيات، وما تفيده من دلالة على صحّة الإجماع واعتبارها أصلاً من أصول الفقه، وقد تقاطع نظر الرازي في هذه النصوص مع مواقف المخالف. من ذلك مثلاً هل إنّ الأداة "من" وكلمة "المؤمنين" تفيدان العموم؛ أي عامّة المسلمين، أم تفيدان الخصوص؛ أي استثناء النساء والصبيان والمجانين؟ وكان اختيار الرازي مجسّماً للتأويل الثاني، وهو بذلك يحسم وجه الاختلاف في هذا الموضوع استناداً إلى ما استقرّ عنده من معنى اصطلاحي للإجماع، وقوامه "اتّفاق أهل الحلّ والعقد من أمّة محمّد (ص) على أمر من الأمور" (ج 2، ص 3).

ولم يكتفِ الرازي بآية المشاقّة في التأسيس لحجّيّة الإجماع، بل عوّل على نصّين آخرين، وقد أثبتناهما أعلاه، يرسّخان فكرة "المثل الأعلى". فالأمّة الإسلاميّة هي خير أمّة أُخرجت للنّاس في سلوكها وفي أفعالها، رغم أنّ الواقع التاريخي يكذّب ذلك؛ فالله "قد أخبر عن خيريّة هذه الأمّة، فلو أقدموا على شيء من المحظورات لما اتّصفوا بالخيريّة. وإذ ثبت أنّهم لا يقدمون على شيء من المحظورات، وجب أن يكون قولهم حجّة" (ج2، ص 29).

وعندما عوّل الرازي على الخبر، وهو مصطلح شيعي يقصد به الحديث، في إثبات حجّيّة الإجماع، برز الاختلاف مع المعارض على سبيل الافتراض والإمكان. فقد بُنِي هذا الأصل على قول الرسول، صلى الله عليه وسلم: "لا تجتمع أمّتي على خطأ". والمشكل الذي واجه الرازي، كما هو الشأن لدى الأصوليّين من قبله، هو عدم تواتر الحديث، فهو من أحاديث الآحاد، لذلك أورد الرازي ثمانية عشر حديثاً تشترك كلّها في الدعوة إلى لزوم جماعة المسلمين. وكان المخرج من هذا المشكل متمثّلاً في اعتبار تواتر الخبر من جهة معناه. يقول: "وهذه الأخبار كلّها مشتركة في الدلالة على معنى، وهو أنّ الأمّة بأسرها لا تتّفق على الخطأ. وإذا اشتركت الأخبار الكثيرة في الدلالة على شيء واحد، ثمّ إنّ كلّ واحد من تلك الأخبار يرويه جمع كثير صار ذلك المعنى مرويّاً بالتّواتر من جهة المعنى" (ج2، ص 39).

ودعّم الرازي حجّيّة الإجماع بمسلك ثالث هو المعقول، وقد أحال ها هنا على ما ذهب إليه إمام الحرمين الجويني (ت487هـ) من أنّ الإجماع يكون لدلالة أو لأمارة، فهو لا يمكن أن يحصل لشبهة. وقد عرّف الرازي الدليل والأمارة في المقدّمات الأولى لكتاب "المحصول"؛ فالدليل "هو الذي يمكن أن يُتوصّل، بصحيح النظر فيه، إلى العلم" (ج1، ص15). أمّا الأمارة "فهي التي يمكن أن يُتوصّل، بصحيح النظر فيها إلى الظنّ" (ج1، ص15).

بذلك أثبت الرازي حجيّة الإجماع بأدلّة ثلاثة، وإن كان تعويله عليها متفاوتاً بين دليل وآخر، إذ توسّع في دليل النصّ (قرابة الثلاثين صفحة) بينما لم يخصّص لدليل العقل إلاّ صفحتين، وهذا الإثبات هو الذّي مكّن الرازي من الردّ على المخالفين. على أنّ عمل الرازي، في هذا المستوى، إنّما هو تكريس لما استقرّ عليه الأمر في ميدان الأصول من تقرير الأصوليّين، والفقهاء أنّ الإجماع حجّة.

والجدير بالملاحظة، هو أنّ ما يثبته الرازي، وهو يشرّع للإجماع بالنصّ والخبر والمعقول، ينفيه المعارض بنفس هذه الأدلّة، والعكس حاصل كذلك، ويوظّف نفس النصّ أحياناً لإثبات الشيء ونقيضه. ولمّا كانت الحجيّة متعلّقة بالعصمة، فإنّ درجة الاختلاف بين ما يتبّناه الرازي، وما يتمسّك به المعارض كانت على حظّ كبير من العمق والأهميّة، إذ لم يقبل النّظام عصمة أهل الحلّ والعقد من الخطأ، وهو ما يعني جواز إجماعهم عليه، فبما أنّ كلّ واحد منهم غير معصوم، فما الّذي يدلّ على عصمتهم عندما يجتمعون؟

غير أنّ الرازي، وهو يردّ على اعتراض النّظام، يميّز بين الإمكان والوجوب، إذ يقول: "لا نسلّم أنّ حكم المجموع مساو لحكم الآحاد. والمثال الذي ذكره يدلّ على أنّ ذلك قد يكون كذلك، ولا يدلّ على أنّه لا بدّ وأن يكون كذلك، سلّمنا أنّ حكم المجموع مساو لحكم الآحاد. ولكن عندنا يجوز الخطأ على الكلّ أيضاً. لكن أليس كلّ ما جاز وقع، والله تعالى لمّا أخبر عنهم أنّ ذلك لا يقع، علمنا أنّهم لا يتّفقون على الخطأ " (ج 2، صص 28-29).

أمّا الشـــيعـة، فقد استغّلت مقولة العصمة لتؤّكد مبدأ أساسيّاً في تفكيرها، وهو التسليم بوجود الإمام المعصوم في جماعة المجمعين، وقد اعترض الرازي على ذلك بشدّة، وطعن فيما ذهبت إليه.

ولئن أصبح اعتراض النّظام في طيّ التّاريخ بالنّسبة إلى عصر الرازي، فإنّ موقف الشيعة قد كان رائجاً وقتئذ، وما كان للرازي أن يتوسّع في الردّ عليه لو لم يشهد القرن السادس تهديد الفكر الشّيعي للفكر السنّي. وقد طال الاختلاف أصلاً آخر من أصول الفقه، وهو القياس. يقول الرازي: "اختلف الناس في القياس الشرعي. فقالت طائفة: العقل يقتضي جواز التعبّد به في الجملة. وقالت طائفة: العمل يقتضي المنع من التعبّد به. والأوّلون قسمان: منهم من قال: وقع التعبّد به، ومنهم من قال لم يقع [...]. أمّا جمهور العلماء، فقد قالوا بسائر الأقيسة" (ج2، ص245). فهذا الاختلاف يتردّد - في مستوى التعبّد بالقياس - بين "الجواز" و "الوقوع" و "المنع"، من ذلك مثلاً أن ليس في العقل ما يدلّ على وجوب العمل بالقياس، وهو موقف المعتزلة، باستثناء أبي الحسين البصري (ت 436هـ). ويعلّل النّظام ذلك بأنّ "مبنى شرعنا على الجمع بين المختلفات، والفرق بين المتماثلات، وذلك يمنع من القياس" (ج2، ص246). فهذا الموقف وإن كان صاحبه متكلّماً قبل أن يكون فقيهاً أو أصوليّاً، يمكن أن يثير المطاعن على القياس أصلاً من أصول الفقه.

لذلك رأى الرازي ضرورة ترسيخ هذا الأصل بإثبات حجيّته في الشرع تعويلاً على الكتاب والسنّة والإجماع والمعقول، وقد جاء تناوله لهذه الأدلّة في إثبات القياس تناولاً متفاوتاً، إذ اكتفى بآية واحدة تشرّع للقياس: "فاعتبروا يا أولي الأبصار" (الحشر59/2)، وأورد أربعة أخبار توجب العمل بالقياس، منها خبر معاذ (ت 18هـ) وأبي موسى الأشعري (ت 42هـ)، فلمّا سألهما الرسول، صلى الله عليه وسلم، وقد أنفذهما إلى اليمن: "بم تقضيان؟" قالا: "إذا لم نجد الحكم في السنّة نقيس الأمر بالأمر، فما كان أقرب إلى الحقّ عملنا به" (ج2، ص254). ثمّ أخبر ابن مسعود (ت 33هـ) لمّا قال له الرسول: "اقض بالكتاب والسنّة إذا وجدتهما، فإن لم تجد الحكم فيهما، فاجتهد برأيك" (ج2، ص254).

أمّا دليل الإجماع، فقد أفاض فيه الرازي القول مقارنة بوجوه الاستدلال الأخرى. إذ استند إليه في تقرير هذا الأصل، وفي ذلك يقول: "الإجماع، وهو الّذي عوّل عليه جمهور الأصوليّين وتحريره: أنّ العمل بالقياس مجمع عليه بين الصحابة. وكلّ ما كان مجمعاً عليه بين الصحابة، فهو حقّ؛ فالعمل بالقياس حقّ" (ج2، ص262). وأسّس الرازي هذا الدليل، في مرحلة أولى، على ثلاث مقدّمات:

  • مقدّمة أولى بيّنت عمل بعض الصحابة بالقياس،
  • مقدّمة ثانية أثبتت عدم وجود منكر لهذا الأصل.
  • ومن هاتين المقدّمتين قامت المقدّمة الثّالثة، وهي انعقاد الإجماع على صحّة القياس.

ويعود الرازي، في مرحلة ثانية، إلى هذا الدليل، دليل الإجماع يقول: "تقرير الإجماع على وجه آخر، فنقول: تعلم بالضرورة اختلاف الصحابة في المسائل الشرعيّة، فإمّا أن يكون ذهابهم إلى ما ذهبوا إليه لا لطريق، فيكون ذلك إجماعاً على الخطأ، وإنّه غير جائز، أو لطريق، وهو إمّا أن يكون عقليّاً أو سمعيّاً، لا يجوز أن يكون عقليّاً [...] فثبت أنّه كان سمعيّاً". (ج2، ص287)

* بسّام الجمل باحث في الفكر الاسلامي - تونس