الدين والمستقبل

فئة :  مقالات

الدين والمستقبل

الحديث عن الدين والمستقبل يقتضي منظومة متسقة من العمليات الفكرية المعقدة، ذلك أننا ننظر في خريطة متشابكة ومتحركة من المفاهيم والأفكار؛ الإنسان الذي يدير حياته وعلاقته بالكون، بما في ذلك من الدوافع والأفكار المتناقضة، الأشواق والأهواء والارتقاء والغرائز، والدين بما هو صامت ينطقه الإنسان وفق احتياجاته وتوقعاته ومستواه الحضاري والاجتماعي، والمستقبل بما هو ممكنيمكن صياغته وصناعته أو غير ممكن لا خيار للإنسان في تحديده!

يلاحظ كلود ليفي شتراوس، أستاذ علم الإنسان (الأنثروبولوجي)، بعد دراسة طويلة للجماعات التي لا تكتب، أو تلك التي ما تزال تعيش كما كانت الحياة قبل الكتابة، أنها شعوب قادرة على التفكير تفكيرا منزّها عن الهوى والغرض؛ أي أن أفرادها يتحركون من خلال الحاجة أو الرغبة في فهم العالم المحيط بهم؛ وليس تفكيرا نفعيا، وهم يتقدمون من خلال وسائل عقلية، بالضبط كما يفعل فيلسوف أو عالم. يستطيعون ذلك، ويطمحون إليه أيضا، ولديهم معرفة دقيقة ببيئتهم ومواردهم. كما أن معارفهم عن الصحارى والنباتات والحيوانات والمناخ والأنهار والبحار متقدمة جدا، وتفوق في كثير من الأحيان ما توصل إليه العلماء والباحثون.

في التفكير في المستقبل على أنه ليس منخفضا جويا حتميا، فإننا ننظر في شبكة لا نهائية مستمدة من الحاضر، كان المستقبل هو ما ننتظره من الناس والمجتمعات وطلائعهم وأهل الدين وأعدائه... هو امتداد الحاضر، وإن كان ليس امتدادا خطيا بسيطا، وما حلّ ويحلّ في الناس اليوم من علم ورؤى وأفكار وكتب قرؤوها وموسيقى استمعوا إليها، والشعر والبحوث والفلسفة والأساطير أو خدمة قدموها والزمن الذي قضوه في التأمل أو التعلم او الأهواء، النبل الذي تمثلون واستحضروه في أعمالهم ومهنهم؛ هو الصراع القائم بكل أشكاله وتجلياته!

لقد أصبح موضوع العلاقة بين الدين والحياة العامة أهم الموضوعات التي شغلت بها الدراسات في الجامعات ومراكز البحوث والدراسات والمؤتمرات والندوات فضلاً عن الصحافة والإعلام، وقد كانت معظم الصراعات والحروب في السنوات العشرين الأخيرة، يشغل الدين موقع القلب فيها، وكانت الدراسة الشهيرة لـ "صمويل هنتنغتون" عن صراع الحضارات التي نشرت في مجلة الشؤون الخارجية الأميركية قد أثارت جدالاً واسعاً لم يتوقف حتى اليوم.

إن النظرة العلمية إلى الحالة الدينية يجب ألا تستغرقها ظاهرة الأصولية الإسلامية؛ فقد تنامت أيضاً الأصولية المسيحية واليهودية، وربما الأصوليات الأخرى كما بدا واضحاً في الانتخابات الهندية، حيث نجحت الأصولية الهندوسية أكثر من أية فترة سابقة، حتى الأصولية الشاملة لا تمثل إلا جزءاً قليلاً من الظاهرة الدينية، إذ أن المؤسسات الدينية التقليدية كوزارات الأوقاف والكنائس والجامعاتوالمدارس، تؤدي دوراً متنامياً في الحياة العامة.

والعودة إلى الدين تحولت إلى ظاهرة اجتماعية، ولكن من أهم ما يجب الالتفات إليه في فهم الظاهرة الإسلامية بخاصة والدينية بعامة هي التحول المجتمعي الذي يجري في العالم العربي والإسلامي وكيف انتقل الهم النهضوي والإصلاحي من عمل فردي، بدأ في القرن التاسع عشر أو ما قبله بقليل أو في بدايات القرن العشرين، ثم تبلورت المشروعات الدعوية والإصلاحية في حركات وجماعات.

وما يحدث اليوم هو تحول في التدين والعمل الإسلامي من كونه عمل جماعات وحركات إلى عمل مؤسسي ومجتمعي تؤديه الأمة بأسرها، وقد يضلل أفهامنا ويستدرجنا إلى مواقع غير صحيحة ذلك التناول الإعلامي الذي يتعامل مع الظاهرة الإسلامية، باعتبارها فقط عملاً حركياً منظماً تنسقه جماعات إسلامية بعضها معتدل وأخرى متطرفة دون ملاحظة تذكر لدور المجتمع أو المؤسسات الرسمية والأهلية.

ويمكن التقاط مجموعة من التعاملات المؤسسية والاستثمارية مع الظاهرة الإسلامية بعيداً عن عمل الجماعات والحركات الإسلامية، مثل البنوك الإسلامية، وشركات التأمين الإسلامية، وشركات الحج والعمرة، والمحلات التجارية المرتبطة بالسلوك الإسلامي كالحجاب والكاسيت، والأمر يتعدى الملاحظات السابقة بكثير إذا أعدنا النظر والتفكير في دور وزارات الأوقاف والمساجد والجامعات والمدارس ومحطات الإذاعة والتلفزيون والإنتاج السينمائي والتلفزيوني، فسنجد أن جهوداً كبيرة تبذل وينفق عليها مئات الملايين.

والحال أن الظاهرة الإسلامية تفتقد إلى المعلومات الدقيقة الشاملة، ولا تتلاءم دراساتها مع طبيعة الظاهرة ولا مع فهم المجتمع، وتحكمها صورة نمطية يغلب عليها السجال والهجاء والشغل بالإسلام السياسي، وتعاني من العمومية والتكرار ولا تستند إلى ممارسة تحليلية عميقة.

حالة الانبعاث الديني لا تقتصر على العالم الإسلامي؛ فالعالم كله يشهد بعثا دينيا يؤثر على الحياة العامة والثقافة، ويعيد تشكيل الدول والمجتمعات، فإلى جانب العالم الإسلامي، حيث تمثل الحركة والاتجاهات الإسلامية القوة الشعبية الفاعلة والغالبة، تقوم في أوروبا صراعات دينية قومية، مثل الكروات والصرب، الصرب والبوسنة، الصرب والألبان، والكاثوليك والبروتستانت في إيرلندا، وتحتل الأصولية المسيحية في الولايات المتحدة مكانة مؤثرة في الحياة السياسية والعامة وينسب إليها نجاح الرئيس الأمريكي بوش وبرامجه ومواقفه، وتمتلك شبكة واسعة من الكنائس والجامعات ومحطات التلفزة والشركات والجمعيات، وفي الهند تتنامى الأصولية الهندوسية وتؤثر في الانتخابات العامة، وفي أمريكا اللاتينية قام دعاة التحرر من رجال الدين الكاثوليكي بمحاولات للإصلاح الاجتماعي والسياسي، وكانت الكنيسة في أوروبا الشرقية أهم خصم سياسي للشيوعية، وهي أحداث تمثل نموذجاً وليست شاملة، وتدل على القوة الكامنة للدين كما تكشف ضعف العديد من الأمم والدول.

إن الدولة ظاهرة حديثة جداً، ولم تكن الدول السيادية في مطلع القرن العشرين تتجاوز العشرين دولة، لكنها اليوم حوالي مائتا دولة؛ أي أنها تضاعفت خلال مائة سنة عشرة أضعاف، وهي اليوم تواجه تحدياً حقيقياً يهدد مصيرها واستمرار سيادتها وطبيعتها ووظائفها، وتقدم الحركات الدينية في معظم أنحاء العالم شعوراً جديداً بالهوية والانتماء وتجمع مساعي الشعوب نحو الإصلاح وحياة أفضل بعدما فشلت معظم الدول والحكومات في تحقيق الرفاه لمواطنيها.

وقد أضافت العولمة وتقنيات الاتصال فرصاً وتحديات جديدة، حيث بدأت الدول تتخلى بسرعة عن كثير من وظائفها وسيادتها لصالح الشركات والمجتمع الأهلي أو للقوى والمنظمات الخارجية كالأمم المتحدة، وحلف الأطلسي، وصندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية أو للشركات العالمية الكبرى التي تحولت بسرعة فائقة إلى دول وإمبراطوريات عملاقة.

يرى جون اسبوزيتو الأستاذ بجامعة جورجتاون، أن مشروعات ووعود النخب السياسية بالتنمية وحياة أفضل لهم تتحقق، وارتبط هذا الفشل بالعلمانية، وكان المشهد الذي آلت إليه الدول والمجتمعات يدعو إلى ردود فعل عكسية وغاضبة وبحث عن وسائل وأطر أخرى للإصلاح غير تلك التي سادت طوال هذا القرن، حيث تكونت مجتمعات تستفيد فيها أقلية ضئيلة عدداً من كل مزايا الحضارة الحديثة، وترزح الأغلبية في بؤس وفقر، وكان هذا الغنى الفاحش والفقر المدقع على درجة من التجاور والاحتكاك، تؤدي إلى المواجهة المستمرة.

ويقدم ممثلو الحركات الدينية أنفسهم على أنهم سيحققون مجتمعاً أكثر أصالة وعدالة اجتماعية، ويدافعون عن الفقراء والمضطهدين، وقد جذبت هذه الحركات مهنيين ومثقفين وأساتذة وعلماء تخرجوا من أفضل الجامعات وأهمها في بلادهم وفي أوروبا وأمريكا، كما تستخدم بفاعلية التقنية الحديثة ووسائلها الإعلامية في التأثير والاتصال على نحو يبشر بمهارة قيادية وتقنية تؤهلها لقيادة المجتمعات والدول.

والمجتمعات تبحث بحرقة عن أصالتها وهويتها، ولا يكفي القول إن الفقر والبطالة والتهميش هي الأسباب الوحيدة المحركة للبعث الديني، وسيظل الدين والثقافة لها وزنها في التنمية، وقد عرضت مجلة اليونسكو في أحد أعدادها صورتين متجاورتين ومعبرتين؛ في الصورة الأولى ترقص مجموعات من الهنود الحمر بملابسهم التقليدية، وفي الصورة الثانية يقف آلاف الروس في طابور طويل ينتظرون فرصة الدخول إلى مطعم مكدونالدز للوجبات السريعة، والصورتان ضمن حوار مع المفكر الهندي سميتو كوتاري أحد اثنين أسسا مركز لوكايان لتعزيز التبادل بين المثقفين في الهند والعالم، حيث يعرض كوتاري في ذلك الحوار أنماطاً وأمثلة مما يجري في العالم من سلب ممتلكات الآخرين المادية والمعنوية دون مراعاة واعتبار للعلاقة بين الدين والثقافة وبين التنمية؛ فقد أدى استخراج الموارد الطبيعية إلى تهميش الملايين في تلك المناطق وضياع هويتهم الثقافية.

وفي الهند تمتلك 42 عائلة أكثر مما يمتلكه 150 مليون مواطن هندي، والشاهد في الأمثلة ليس فقط في الفجوة المتسعة بين الفقراء والأغنياء، ولكن في انقراض أفكار وثقافات كانت تحقق للناس قدراً كبيراً من احتياجاتهم كالزراعة والبناء وفق النظام التعاوني، فيستطيع الناس أن يحصلوا على بيوتهم وأقواتهم بمجهودهم دون نفقات مالية، والتدمير الذي حدث ليس فقط في النظام الاقتصادي ولكن الثقافة المصاحبة لهذا النظام تعرضت للانهيار.

إن الحكومات والمؤسسات الأهلية تمتلك في الدين مورداً كبيراً، لو استثمر بشكل صحيح، فإنه سيخفض جزءاً كبيراً من أعباء الناس الاقتصادية والاجتماعية، وتستطيع الحكومات لو أرادت أن تحول المتدينين من أعداء لمجتمعهم وبلادهم إلى أعمدة مهمة في الاستقرار والإنتاج.