دور المسجد في تكوين الوعي السياسي في اليمن

فئة :  مقالات

دور المسجد في تكوين الوعي السياسي في اليمن

يرى حافظ أبراش، أن المسجد هذه الأيام كخشبة المسرح في التعامل مع القضايا الاجتماعية والسياسية... إلخ، من خلال عرضها في المسجد، ليتحول من مكان للعبادة، إلى مكان أو مقر سياسي، من خلال التجمعات السياسية، والتحزب السياسي من منظور ديني.([1]) على سبيل المثال، ما ينطبق على اليمن؛ يلجأ حزب الإصلاح من خلال الخطب الدينية والسياسية، وحشو هذه الخطب بنشر آرائهم وأفكارهم، بالإيحاء بها وبثها في نفوس الشباب والمصلين، ودغدغة عواطف الأفراد ومشاعرهم الدينية، ليغرس في نفوسهم مشاعرَ الولاء للحزب ومصالحه السياسية.

ويرى أن المؤسسات الدينية تمارس دورًا في عملية التنشئة السياسية، من خلال المنشورات التي توزعها، والندوات التي يقيمها العلماء وخطباء المساجد. وقد لعب هؤلاء دورًا في زعزعة استقرار العديد من الأنظمة، كما هو الأمر مع نظام الشاه في إيران، وكما هو الأمر في مصر والجزائر اليوم... وعموما نجد أن دور المسجد لم يكن في الواقع الراهن إلا: داعما للنظام السياسي، عبر استشفاف مختلف الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية التي توحي بضرورة إطاعة الحكام، أو معارضا للسياسة القائمة بتكفير الوضع القائم، والدعوة إلى الرجوع إلى منابر الإسلام، بل وتحليل العنف كأداة للتغيير باسم الإسلام، والوعظ وتوزيع الكتب والمنشورات الدينية والكاسيتات بشكل كبير، وعلى مستوى وسائل الإعلام في بعض الدول التي تسمح بذلك.([2])

وترى الباحثة، أن هناك مصطلحا تسمع به، وهو "الشيخ الجامح سياسيا"([3])؛ أي الشخص الذي يستغل منصبه الديني، وعلمه، للوصول إلى السلطة والمصالح الشخصية؛ على سبيل المثال هناك من علماء الدين من يلجأون إلى الخطب الدينية، وإحداث توترات وأزمات، خصوصا عندما نزلوا إلى الساحة بداية الثورة، وقاموا بتشجيع الشباب على الاعتصامات والمظاهرات، وأنهم قاموا ببراءة اختراع، مما زاد تمسك الشباب باستمرار الثورة والبذل في سبيلها أرواحهم، رغم أن هؤلاء العلماء لم يصابوا بأي مكروه، هم أو أسرهم. وعندما سألوهم عن رغبتهم في الرئاسة قالوا: "لم لا؟" إذا تم انتخابهم؛ حيث يرى بعض الشباب أن العلماء زاهدون عن الحياة، وأن أقوالهم لا تدل على أفعالهم.

يرى باحث يمني، أن المساجد أو دور العبادة لها مكانة خاصة في نفوس أبناء الشعب اليمني والشعوب العربية والإسلامية؛ فهي بيوت الله، والمنبر المبني على التسامح والإخاء، ونبذ التطرف والإرهاب الفكري والجسدي، وهي المدرسة الأولى للتثقيف السياسي للمسلمين. وبالتالي على الدولة أن تضع خططا وبرامج منهجية، تفصل بين المنبر وفكر التطرف والحزبية، وتبعد العناصر غير المؤهلة من الدعاة، حيث لا ينشأ جيل جديد يحض على التطرف ضد ثقافة المجتمع وضد الآخر؛ على أن تتضمن الخطط والبرامج إعادة تأهيل الدعاة الذين يتولون الخطب في المساجد، وضرورة وضع خطط لحصر وتعمير المساجد، وضبط الدعم غير الرسمي لها، حتى لا تتحول إلى أداة في إطار التنافس السياسي والمذهبي، والأفكار المضرة بمصالح المجتمع العليا.([4])

وعند البعض، فإن المسجد هو المكان الرئيس لنشر الثقافة الإسلامية. وأهمية المسجد في التنشئة الدينية من كونه مركزا خصبا للمعرفة، ومركزا لتكوين الوعي السياسي والديني والأخلاقي، ويؤثر في قطاع عريض من الناس؛ إذ يقوم الإمام بشرح وتوضيح أمور الدين والعقيدة، وتنمية القيم الخلقية الاجتماعية، وتعزيز الاتجاهات الإسلامية الخاصة بالتراحم والتعاطف والإحسان والتضحية، والتمسك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتحرر من الخرافات والتقاليد البالية، وتكوين رأي مستنير يجمع بين الوعي الديني والإقناع العقلي، في فهم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وتستخدم المساجد كمنبر ووسيلة من وسائل تحقيق التنشئة الدينية والسياسية، من خلال الخطب الدينية والمحاضرات التي تلقى في فترات دورية ومناسبات خاصة. بالإضافة إلى المكتبات الملحقة بالمساجد الكبرى التي يجد فيها الفرد كثيرا من ألوان المعرفة الدينية، إلى جانب العلاقات والتفاعلات الاجتماعية التي تدعم مبادئ التعاون والتراحم بين الأفراد.([5])

لقد استخدمت المؤسسات الدينية نفوذها للتأكيد على تشكيل القيم السياسية لأعضائها. وفي معظم الأحيان، قامت الجماعات الدينية بتعليم أعضائها السمع والطاعة للجماعة، بدلاً من نظام الحكم القائم؛([6]) على سبيل المثال، نشأت في اليمن ظاهرة غريبة لم تكن واضحة على السطح، والآن أصبحت في تزايد مستمر لها، وهناك "طمر سياسي وراءها"([7])؛ هي وجود مساجد خاصة بالمذاهب الدينية، هذا سلفي وهذا شيعي... إلخ.

كما تمارس المؤسسات الدينية، أو "المسجد" تحديدا، دورا في تكوين الوعي السياسي والتنشئة السياسية، من خلال المنشورات التي توزعها والندوات التي يقيمها رجال الدين أو العلماء؛ إلا أن أهم هذه الأدوار، بالرغم من محدوديتها على مستوى النسق السياسي العام هو دور البرامج الإذاعية والتلفزيونية التي تتوفر عليها بعض المؤسسات الدينية([8])؛ على سبيل المثال قناة "سهيل".

وأرى أن هذا التحليل أقرب إلى الواقع اليمني للأسف، وخصوصًا أثناء الانتخابات، من خلال قيام الأحزاب المتواجدة في الساحة بحشد كل طاقاتها، من أجل فوز مرشحيها في الانتخابات؛ إذ يعدون الناس بالحقوق والخدمات والمنجزات والسعي في تطبيق القوانين ومكافحة الفساد... وعند وصولهم إلى المنصب لا يرى الناس منهم شيئا، إلا –في أحسن الأحوال- دعم من ينتمون إلى حزبهم فقط، حيث المسجد مكان يتضمن العبادة والدين، ومجموعة قيم تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتستمد قوتها من مصدر علوي، هو الله عز وجل، هو الآمر الناهي في كل دين، وإن اختلفت الأديان في الرمز بالاسم، وأحيانا بالرسم، وهو ما تقوم به بعض الأحزاب، خصوصا حزب الإصلاح، عند المشاركة السياسية في الانتخابات والفعاليات السياسية الأخرى، ويقوم بحشد الناس وتعبئتهم بشتى الوسائل والسبل، واللجوء إلى "الحلال والحرام". ويمكن القول بوجه عام، إن الدين يقف موقف العداء من عدم وعي وإدراك الأفراد لحقوقهم الدينية والاجتماعية والسياسية، وواجباتهم نحو ذلك، لأنه بطبعه يحض على الخير، وينهى عن الشر. وإن البيئة الأسرية والاجتماعية التي تحترم القيم الدينية والاجتماعية والسياسية والثقافية التي تحث على الخير والتعايش الاجتماعي في أمن وسلام، يندر فيها عدم الوعي السياسي والاجتماعي؛ فالدين عامل إيجابي، حاسم في العلاقات بين تكوين الوعي الشخصي والسلوك الاجتماعي، كما يباشر تأثيرا قويا في ضبط النفس، وتكوين الحاسة الأخلاقية للإنسان. أما البيئة الأسرية والاجتماعية التي تنعدم فيها القيم الدينية والخلفية الدينية، فيندر فيها الوعي الاجتماعي والسياسي بحقوقهم وواجباتهم، أمام الله وأمام المجتمع الذي يعيشون فيه.([9])

وأرى أن أهمية المسجد أكبر من أهمية السلطات، ومهما كانت درجة قوته وقدراته في ممارسة نفوذه، يبقى في حاجة إلى سلطة معنوية تحقق له الاستقرار، وتمنحه شرعية الفعل السياسي. والعلماء المؤهلون للعب هذا الدور في تكوين الوعي السياسي في المجتمع؛ لأنهم يحتكرون تفسير كتاب الله، هم المؤهلون للفتوى في الأمور الدينية والاجتماعية والسياسية، وبأن الحاكم مهما كان شكل ارتقائه سدة السلطة، يحكم بما أنزل الله.

إذن، غالبا ما توظف دور العبادة في العالم، وما يرتبط بها من مؤسسات أو أشخاص الدين، لتلقين أفكار سياسية وتكوين وعي سياسي عام لأفراد المجتمع. وتعتمد لنفسها شكل منظمات سياسية مباشرة، كالأحزاب أو شكل جمعيات خيرية أو جمعيات للوعظ والإرشاد، أو مجرد دور عبادة. ويلعب الدين في المجتمع اليمني دورا كبيرا في حياة الناس، يقوم على نقل القيم السياسية من جيل إلى جيل، ويعمل على إضفاء الشرعية على النظام السياسي القائم أو تجريده منها،([10])حيث نلاحظ أن التربية العلمانية التي تفصل بين الدين والسياسة، قد قلصت من قدرة المؤسسات الدينية على التأثير في الحياة السياسية، وتكوين الوعي السياسي بشكل خاص، حيث شهدت أمريكا وأوروبا إحياء لأصولية جديدة: توظيف الدين لإخفاء العنصرية ضد السود وإظهارها، والممارسة العنصرية ضد المسلمين. كما تلعب دور العبادة دورا في التأثير على الرأي العام، بالنسبة لبعض القضايا السياسية الداخلية والخارجية، وتمارس ضغطا على الحكومات لإجبارها على اتخاذ قرارات معينة.([11])

كما ترى الباحثة، أن مزج الدين بالسياسة هو سبب انحطاط العرب، واليمن بالذات، في العصر الحاضر، وظهور المذهبية، وأدلجة الدين، واستخدامه أو استثماره في الصراعات السياسية، وما يحصل اليوم من صراع بين حزب الإصلاح، وهو ينتمي للمذهب السلفي والحوثي، وهو ينتمي للشيعة، أدى الآن إلى تدهور اليمن إلى الوراء أكثر من السابق، حيث كانت اليمن تبني حضارات عريقة، يعترف العالم بها، وبأنها من أعرق الحضارات من حيث الازدهار والتقدم والتطور، وذلك عندما كان الجميع، همهم الوحيد هو تقدم وبناء اليمن، وليس بناء المصالح الشخصية، لأن الدين ينظم علاقة الفرد بربه.


([1]) كوس تامبنيان: اليمن كما يراه الآخرون - دراسات أنثروبولوجية، المعهد الأمريكي للدراسات اليمنية، صنعاء، اليمن، ط1، 1997م، ص59

([2]) إبراهيم أبراش، مرجع سابق، ص220-221

([3]) مصطلح خاص بالباحثة.

([4]) سمير العبدلي، مرجع سابق، ص29

([5]) معين خليل العمر، مرجع سابق، ص207

([6]) ريتشارد دواسن، مرجع سابق، ص18

([7]) مصطلح خاص بالباحثة من خلال الدراسة الميدانية، وهو عدم إظهار ما يبطن إمام المساجد عند الوقوف في المنابر للوصول للرسالة، في ظاهرها دينية، وباطنها سياسية.

([8]) إبراهيم أبراش، مرجع سابق، ص219

([9]) هاني خميس عبده، مرجع سابق، ص73

([10]) إبراهيم أبراش، مرجع سابق، ص218

([11]) المرجع نفسه، ص219