ديانة الضمير الفردي: معالم نظرية إصلاحية دينية كونية

فئة :  قراءات في كتب

ديانة الضمير الفردي: معالم نظرية إصلاحية دينية كونية

تمهيد:

تعد الثورة فرصة يمكن أن تفتح سبل تعميق الحداثة وترسيخها، وذلك بتحويل مقولاتها وقضاياها من النخبة إلى أعماق المجتمع، وباستعادة الحيوية في المستويين المعطلين؛ أي الدين والسياسة. فموقفنا مخالف للعلمانيين التقليديين الذين يدافعون عن حداثة نخبوية ويخلطون بين التحديث والتغريب، ومخالف للأصولية الدينية التي تسعى إلى تأسيس استبداد جديد بمقولات مختلفة. وموقفنا من الأوضاع الحالية هو امتداد لمشروع الحداثة النقدية الذي عملنا عليه منذ ربع قرن،[1] ويمثل الإصلاح الديني جزءًا رئيساً فيه. والحداثة النقدية لا تعارض الدين ولا تدعو إلى تغييبه عن واقع البشر لكنها تدافع عن حرية الضمير.[2] بهذه الجمل الدقيقة تحدث الأكاديمي التونسي محمد الحداد في كتابه الجديد "التنوير والثورة" (دار التنوير 2013) عن الثورة ومركزية الإصلاح الديني فيها، محيلاً بذلك على آخر مؤلفاته قبيل الثورة الموسومة بعنوان: "ديانة الضمير الفردي ومصير الإسلام في العصر الحديث" عن دار المدار الاسلامي (2007).

يعد المؤلف من الباحثين العرب الذين يرسمون خريطة الفكر الإصلاحي العربي المعاصر، وذلك من خلال التفكير في المنهج والرؤية المستثمرين في النص النهضوي العربي عامة، وخطاب الإصلاح الديني منه على وجه الخصوص، فهو من المدركين جيدًا أن تماهيًا تمّ بين المضمون والحراك التواصلي يعسر على المراقب تبيان الفواصل بينهما، ومن الداعين، في الآن نفسه، إلى المواجهة الشجاعة لوضعنا الثقافي الذي تصح عليه، حسب تعبيره، عبارة الفيلسوف الألماني هيجل بأنه "وضع الشعوب ذات الوعي الغامض بتاريخها".

يتفرد الدكتور محمد الحداد برسمه خرائط القراءة النقدية والمنهجية للنص الإصلاحي العربي، وذلك من خلال مكتسبات الحداثة الأوروبية وتحولاتها المشهودة في مجال المناهج العلمية، والتأويليات، والحفريات، والفيلولوجيات، والنقد التاريخي...إلخ، مما قاده إلى كشف مناطق خصبة للتفكير والتأمل، وحتى إعادة قراءة الخطاب الإصلاحي العربي المعاصر بمقولات الإضمار والنفي غير المفكر فيه، والاستشهاد والذاتية...إلخ، وفق "فكر متشعب" كما يقول إدغار موران.

رؤية جديدة للإصلاح الديني: الإصلاح في عالم متغير

يقول محمد الحداد: "سيكون الدين مستقبلاً أحد العناصر الأساسية للانقسام الحاد الذي سوف يشهده العالم، وهذا يؤكد خطورة أن يظل الدين في أيدي الأصوليات المختلفة، أو نطمئن للنظرية العلمانية التقليدية ذات النزعة الاستئصالية التي ما فتئت تبشر بنهاية الطور الديني للبشرية، وأصحابها هم إلى الاندثار أقرب."[3] بناءً على هذه المقولة لم يعد، حسب وجهة نظر الحداد، من المنطقي ترك هذه الظاهرة الثقافية؛ أي الشأن الديني الأكثر حساسية في المجتمع بين أيدي سفلة المجتمع علمًا ومعرفةً من الوعاظ والدعاة الجهال.

يقدم هذا "النهضوي الجديد" رؤيته للإصلاح على امتداد أربعة فصول في كتابه بدءًا من التمهيد الذي أطر من خلاله رؤيته للموضوع بإعلان الأطر المرجعية التي سوف يعتمدها في بحثه، وكذلك الخلفية التي ينطلق منها للتعاطي مع مبحث الإصلاح الديني، ثم فصلين حول العلمانية والإصلاح الديني؛ الأول بعنوان "حفريات في التقبل"، والثاني "عود على مجادلة 1903"، وفصلين آخرين حول الذاكرة والكتابة والإصلاح الديني؛ أحدهما "الإسلام دين دون قساوسة ولا مصلحين"، والآخر "معالم نظرية جامعة".[4]

حمل تمهيد الكتاب جملة من العناصر التي يرى الباحث أن القفز عليها أو تجاوزها مانع، لا محال، من تحقيق إصلاح ديني حقيقي، كما يتطلبه الواقع ونتغياه نحن على حد سواء. وأولى هذه المقومات التمييز بين الأقانيم الثلاثة المشكلة للإصلاح الدينيّ، فهو يميز ويفصل بوضوح بين ثلاث مسائل هي: المقاربة العلمية للظاهرة الدينية، والاجتهاد، والإصلاح الديني؛ فالمقاربة العملية تغير التصورات السائدة وتفتح المجال لتصورات جديدة أكثر موضوعية، لكنها ليست اجتهادًا دينيًا ولا تجربة روحانية، لأن الاجتهاد هو اختيار المجموعة المنتمية لهذا الدين، بينما تكون الظاهرة الدينية خاضعة لمبدأ الاختصاص العلمي دون الانتماء الديني، فالاجتهاد مرتبط بالفتوى لا بالطرح الفكري، وهما خطابان مختلفان كليًا.

أما الإصلاح الديني، فيحدده محمد الحداد بإعادة ترتيب جماعية للعلاقة بين المتخيل الديني والمتخيل الاجتماعي في الخبرات المعيشية لمجموعات بشرية ذات تنظيم اجتماعي وثقافي معقد، فلا تطرح قضية الإصلاح في المجتمعات التي لم تشهد انفصالاً واضحًا بين ثقافة المشافهة وثقافة المكتوب، ولا في المجتمعات التي لم يتميز فيها شكل واضح للدولة مستقل نسبيًا عن التنظيمات الاجتماعية الأولية مثل الأسرة والقبيلة، وذلك لأن المجتمعات التي لا تتبلور فيها ظاهرتا الكتابة والدولة لا تعرف مفهوم الدين مجردًا عن حياتها الاجتماعية، ولا يعني هذا القول إنّ الظاهرة الدينية غير موجودة، بل معناه أن الممارسة "الدينية" والممارسة "الاجتماعية" متداخلتان تمامًا في هذا المجتمعات، فلا توجد حدود فاصلة بينهما ولا يوجد تصور مجرد للدين خارج هذه الممارسة الاجتماعية العادية.[5]

يقود هذا التمييز الأولي إلى الإقرار بأن الإصلاح بهذا المعنى الشامل ليس مختصًا بدين معين، فعلى هذا الأساس هو قضية ثقافية تحتاج إلى حفريات تأويلية للكشف عن الآليات العميقة التي يستند إليها. والمقاربة العلمية للظاهرة الدينية هي الكفيلة بفتح المجال لتصورات أكثر موضوعية، من منطلق دراسة التقاطعات القائمة بين التجارب البشرية المختلفة، ذات التقاطعات تدفع إلى اعتماد لغة تحليلية محايدة ودقيقة.

هذه الخلاصة تفضي بنا إلى العنصر الثاني اللازم أخذه بعين الاعتبار من أجل إصلاح ديني حقيقي، ويتمثل في حيلولة صراعات الماضي عائقًا قويًا دون تقبل فكرة إخضاع الظاهرات الدينية إلى التحليل العلمي، من خلال حجب حقائق جديرة بأن تراجع، من وجهة نظر الحداد، في ظل المتغيرات العالمية الحالية، وهي:[6]

-إن الثقافة لا تقتصر على المكتوب بل تشمل كل مجالات الإنتاج الرمزي للإنسانية، وقد كان للأديان دور في توجيهها وضبط وسائل تعبيرها، بل إن الأديان هي الإنتاج الأعمق تعبيرًا عن البعد الرمزي لدى الإنسان.

-إن الدين فاعل من الفواعل التاريخية والاجتماعية، يصنع الحدث كما تُصنع به الأحداث، هو أثر ومؤثر ودافع ونتيجة. ولئن كان من الخطأ اعتباره عاملاً مستقلاً بنفسه متعاليًا على الواقع، فإنه لا يقل خطأً أن يعتبر مجرد انعكاس سالب للعوامل المادية.

-إن تفتيت الظاهرة الدينية إلى مجموعة من الأحداث والتجليات التي تدرس منفصلة بعضها عن بعض يؤدي إلى التفريط في جوهر القضية.

-إن القداسة تخضع لمبدأ التحول دون مبدأ التطور أو التعاقب، فلا يكون مستبعدًا أن العديد من تجليات الحياة الحديثة، إنما هي أشكال متحولّة لظواهر دينية موغلة في القدم.

لا مفر إذن من استحضار هذه العناصر والتفكير فيها، سواء في التجربة الإسلامية أم في التجارب الأخرى، من أجل المساهمة في نحت أفق إنساني قوامه الانفتاح على الآخر والإقرار بالتعددية والاختلاف والتنوع، تعددية وتنوع عائده المركزي إيمان حقيقي بديانة الضمير الفردي.

ديانة الضمير الفردي: الإنسية الجديدة

يلزم استراتيجيًا لتكريس وترسيخ ديانة الضمير الفردي العمل على تفكيك الخطاب الإصلاحي العربي بالاعتماد على فهم الآليات العميقة لاشتغال العقل العربي الحديث، ومتابعة تحولات الظاهرة الدينية في المجتمعات التي تتجه، اختيارًا أو اضطرارًا، نحو الحداثة والعولمة من ناحية، وموازاةً مع ذلك التأسيس، من ناحية أخرى، لأديان مقارنة للحاضر تمثل ميدانًا جديدًا للبحث يتخذ الظاهرة الدينية في ذاتها موضوعًا له. فكل الأديان الكبرى واجهت قضية الحداثة ولا بد من أن تنتهي إلى شكل من أشكال التوافق معها، ولا يمكن أن يمثل الإسلام استثناءً أو يكون دينًا غير قابل للإصلاح الديني.[7]

وعن هذه المواجهة التي لم تتم في التجربة الإسلامية لا بسبب عائق في الإسلام ذاته، حسب الحداد، بل بفعل العهد الأيديولوجي العربي الذي أغلق باب التفكير في القضية الدينية والإصلاح الديني لسببين أساسيين:

-أحدهما قيامه على مغازلة الشعور الجمعي باسم الثورة والجماهير والزعامة، مما جعله مترددًا في طرح القضايا الخلافية العميقة في الثقافة الجمعية.

-والآخر رسوخ الاعتقاد بأن هذا العصر سينتهي بالتخلص من الحضور الديني، وأن الظاهرة الدينية في طريقها نحو الضمور والاختفاء بمقتضى المراحل الكونية.

ولقد التقى الاتجاه الاستئصالي الذي يحلم بتحقيق نبوة المراحل الثلاث، والاتجاه الأصولي الذي يحلم باستعادة الماضي في منع كل بحث جدي عن أشكال حديثة لإدارة وتدبير الشأن الديني في الدولة.[8] لتكون النتيجة مسمًى يقبل أن تطلق عليه كل التسميات غير اسم الإصلاح الديني، وفي سبيل تغيير هذا الواقع عمل الكاتب في آخر فصول كتابه على بحث معالم صياغة نظرية عامة حول الإصلاح الديني تهم كل الديانات المكتوبة.

معالم نظرية جامعة: الأديان والإصلاح

يطرح محمد الحداد خمسة مداخل كبرى لتحديد معالم نظرية جامعة لإصلاح ديني كوني، من شأنها أن تسمح برفع الالتباسات التي قد تكون مدخلاً لسوء الفهم أو منزلقًا لما يأتي ضدًا للغاية من الإصلاح. وهذه المداخل الكبرى هي: زاوية التحليل، وظاهرة التدين، وظاهرة الاجتماع، وظاهرة الكتابة، وظاهرة الإصلاح. وتستمد معالم هذه النظرية الجامعة قوتها من قدرة الباحث على فصلها المؤقت عن تاريخها وربطها في المقابل بما هو كوني في التجارب الكونية؛ أي التدين والكتابة والاجتماع التي تعد مشتركًا إنسانيًا.

قد يبدو عسيراً تطبيق هذه النظرية في السياق الإسلامي الذي يرفض العلمانية بعد أن اختلطت عنده بالسياسة اللادينية، لكنه مهيأ لتقبل مبدأ الحضور الأدنى للدين؛ أي أن يدافع عن قيم أخلاقية عامة دون الأحكام الفقهية التفصيلية، وأن ينشد دولة الأخلاق لا نظام رجال الدين، وهذا ما تتبناه هذه النظرية وترمي إلى إقراره.


[1] تمثل هذا المشروع في اتجاهين: أحدهما تحت مسمى سلسلة التنوير ويضم مؤلفات "مواقف من أجل التنوير" (2005)، "قواعد التنوير" (2009)، التنوير والثورة (2013) والآخر تحت اسم نقد السرديات النهضوية وفيه: "الإسلام نزوات العنف واستراتيجيات الإصلاح" (2006)، "في آليات الاجتهاد الإصلاحي وحدوده" (2006)، "ديانة الضمير الفردي ومصير الإسلام في العصر الحديث" (2007).

[2] محمد الحداد: "التنوير والثورة: دمقرطة الحداثة أم أخونة المجتمع"، دار التنوير للطباعة والنشر بيروت، الطبعة الأولى 2013، ص ص 6-7

[3] محمد الحداد، ديانة الضمير الفردي ومصير الإسلام في العصر الحديث، بيروت، دار المدار الإسلامي، ط1، 2007، ص 10

[4] تضمن الكتاب كذلك خمسة ملاحق تتعلق بنشر ببعض الوثائق على حقيقتها قبل أن يلحقها التصرف من هذا الطرف أو ذاك، وهي "تقريظ الأفغاني وعبده لكتاب فرنسوا غيزو، المقدمة المنسوبة تقية إلى مترجم إنجليزي منشورة مع تعريب حنين نعمة الله الخوري لكتاب في تاريخ الحضارة الأوروبية، النص الحقيقي لرد جمال الديني الأفغاني على محاضرة أرنست رينان "في الإسلام والعلم"، رسالة محمد عبده إلى ليو تولستوي، محمد عبده والتيار الليبرالي.

[5] محمد الحداد، مصدر سابق، ص 17

[6] يسرد الكاتب هذه الحقائق بتفاصيل أكثر ابتداءً من الصفحة 25 وما بعدها.

[7] خصص الكاتب فصلاً للرد على مارسيل غوشيه، وهو عالم اجتماع ديني مشهور له نظرية خاصة تقول بأن المسيحية هي الوحيدة التي يمكن أن تحقق الإصلاح الديني، وأن الإسلام لا يمكنه تحقيق حركة شبيهة لارتباطه من الأصل بالسياسة، ولأنه ليس فيه تفريق بين الخاص والعام وبين الضمير الفردي والجماعة. طرح يرى الحداد أنه متسرع في فهم المسيحية والإسلام في الوقت نفسه، لأن المسيحية كانت لها مسارات متعددة، والفصل وجد في المسيحية الغربية الأوروبية، وليس بالضرورة في كل التجارب المسيحية.وفكرة تخصيص الإسلام بكونه الدين الوحيد الذي يخلط بين الخاص والعام ينبغي مراجعتها علميًا، ففي القديم لم يكن هناك فصل بين الخاص والعام داخل المجتمعات كلها، لأن المجتمع لم يكن شديد التعقيد، وعندما يكون المجتمع قليل التعقيد يكون من الصعب الفصل بين الخاص والعام.

[8] محمد الحداد، مصدر سابق، ص 118