رِدة ولا أبا بكر لها

فئة :  مقالات

رِدة ولا أبا بكر لها

برزت ظواهر سلبيَّة عديدة في مجتمعاتنا المعاصرة على أيدي بعض من ينسبون أنفسهم إلى التنظيمات الإسلاميَّة، تلك الظواهر في نظري يتعاطاها من يتعاطونها تحت ضغط تصورات مختلفة، منها أنَّهم تضيق صدورهم بما يرونه من مظاهر سلبيَّة لن تعالج إلا بتدخل إلهيّ مباشر.

ويأتي من يقول لهم ــ بشعارات مختزلة لا تقوم على البيان والتبيين ــ : إنَّ هذا التدخل الإلهيّ لن يحصل إلا "بتطبيق الشريعة"!!. و"الشريعة" في جيل التلقي تشمل الإسلام كله، ولكنَّها في أجيالنا هذه جعلت خطأ مرادفة للتشريع الجنائي والنظام العقابيّ في الشريعة فقط. ليس ذلك فحسب، بل أضاف إليها فقه بعض الفقهاء أمورًا كثيرة من أفهامهم واجتهاداتهم وتطبيقات الحاكمين في عصورهم؛ لتتحول إلى شكل واحد من أشكال تطبيقات التشريع الجنائي والنظام العقابي في الشريعة.

ولذلك، عرضت علينا الشبكة العنكبوتيَّة قبل أعوام وقائع رجم بالحجارة حتى الموت لسيدات اتهمن بالزنا، أو أقررن به، أو وقع منهن الحمل بدون نكاح، رأيت من ذلك وقائع حدثت في أفغانستان وفي السودان وفي نيجيريا، وتأملت في ذلك كثيرًا في مسيرة بعض حكَّام زماننا وبعض الذين سبقوهم، حينما لا يبقى لديهم ما يقنعون شعوبهم به ليسلموا لهم بضرورة بقائهم واستمرارهم في السلطة؛ فإنَّهم يلجأون إلى ما يسمونه بتطبيق الشريعة، فعل ذلك صدام وسبقه نميري، وبعض حكَّام الباكستان وكثيرون غيرهم.

وما كانت الشريعة لتكون مطبقة وباحترام شديد من قبل هؤلاء أو أمثالهم، خاصَّة أولئك الذين تلبسوا بالظلم، وعاشوا فيه جل أعمارهم، حتى صارت السنَّة الإلهيَّة تنطبق عليهم، ألا وهي قوله تعالى: ﴿.. إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (المائدة:51)، ومع ذلك، فقد فعلوا ما فعلوا وبعضهم لم تكن تقنعه الحدود أو التعازير التي وردت في الفقه الإسلامي، فكانوا يزيدون عليها.

نقل عن صدام أنَّه كان يعدم بعض السارقين إذا كبرت جرائمه في نظره، وحينما أعلن عن تطبيق الشريعة بعد ما سماه بالحملة الإيمانيَّة صار لا يكتفي بقطع اليد، بل قد يضيف إليها صلم الأذن؛ لأنَّ قطع اليد وحده لم يشف غليله، ولم يرو ظمأه، وهذا الأمر ما كان مقصودًا للشارع، الذي جعل شريعتنا بفضل الله شريعة تخفيف ورحمة لا شريعة إصر وأغلال؛ ففي شريعة الرحمة والتخفيف التي أرادها الله (جل شأنه) أن تكون شريعة عالميَّة لم يرد فيها ما عُرف ب"حد الحرابة"، وقتل المرتد، ورجم الزاني، الذي كان في شرائع من سبقنا، خاصَّة اليهوديَّة.

وجاءت شريعة القرآن في الجرائم التي أطلق الفقهاء عليها "الحرابة" بالنقل عن بني إسرائيل، فبعد أن ذكر القرآن المجيد نبأ ابني آدم في قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (المائدة:27) بيَّن خطورة جريمة قتل النفس الواحدة، وجعلها بمثابة قتل للبشريَّة جميعًا؛ ليبيِّن أنَّ الجريمة هي الجريمة، سواء وقعت ضد فرد بريء أو ضد آلاف من الناس، ولكن الجريمة الجماعيَّة ضد الجماعة أورد الله (تبارك وتعالى) فيها آيات جاءت بعد هذه الآية من سورة المائدة، وهي: ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (المائدة:33)، ولم تطبق هذه العقوبة في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا في معاقبة بني قريظة الذين خانوا الله ورسوله، وتكرر منهم نقض العهود، والتآمر على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وجيرانهم من المسلمين وغيرهم في المدينة المنورة، جاء ذلك حينما خيَّر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) اليهود بأن يختاروا حَكَمَا يفصل بينهم وبينه في كل تلك الجرائم والخيانات التي سقطوا فيها طيلة العهد المدني، فاختاروا سعد بن معاذ؛ فحكم بقتل المقاتلة وسبي الذرية ونفي الآخرين، فلم يكن بد من تطبيق تلك العقوبة التي كانت مثل الكي آخر الدواء؛ فهي في سياقها وموقعها من السورة لا تنطبق على مسلمين أبدًا؛ لأن المسلم لا يحارب الله ورسوله، ولا يسعى في الأرض فسادا، وليس لأحد أن ينفيه، إلى آخر الدلائل التي تشير الآية إلى أنها عقوبة لقوم لا يؤمنون، لكن كثيرا من الحاكمين رأوا فيها عقوبة زاجرة لخصومهم، واستمر بعضهم يطبقها بذلك الفهم حتى طبقها عبد الناصر بفتوى شيخ الأزهر عبد الرحمن تاج لخصومهم السياسيين، وقد بقي هذا الحد سيفا مسلطا على روؤس المعارضين حتى القرن الماضي.

وأما الردة، فقد بينا بما لا يقبل مجالا للشك أنَّ القرآن المجيد قد خلا من أي عقاب غير عقاب الله في الآخرة على الردة، إلا إذا تحولت إلى اتفاق جنائي للخروج على الجماعة وتفريق كلمة الأمَّة، وتدمير دولتها، فصارت جريمة مركبة يستحق مرتكبوها القتل في إطار ما يعرف بالسياسة الشرعيَّة وليس في إطار الحدود، وقد بينَّا ذلك في كتابنا لا إكراه في الدين المطبوع في مصر وفي لندن باللغتين الإنجليزيَّة والعربيَّة.

وأمَّا الرجم، فهو شريعة توراتيَّة تلموديَّة، لم يأت بها الكتاب الكريم الذي اقتصر في هذه العقوبة على الجلد الذي ذكرناه، وورودها فيما سمي بقرآن منسوخ التلاوة محض افتراء عالجناه في تفسيرنا لسورة النور الذي هو قيد الطبع، وبينَّا أنَّ كل ما فيه عقوبة تتعلق بإتلاف عضو أو نفس ورد به في القرآن دليل قطعي، إذ إنَّ حرمة الإنسان وحرمة أعضائه وحياته ثابتة بأدلة قطعيَّة كثيرة، فلا يقبل فيها إلا أدلة مساوية للأدلة القطعية التي جاءت تؤكد احترام الإنسان وحماية النفس والأعضاء لكل إنسان إلا بحقها، واقتصرت الشريعة الإسلاميَّة في جريمة الزنا بالجلد مائة تخفيفًا عن العباد من ناحية، وهي نكالٌ وعقوبة كافية لزجر من يرتكب هذه الجريمة، وقد أحاط القرآن إثبات هذه الجريمة بكثير من الضوابط والشروط التي لا يمكن تحققها إلا إذا كان الزانيان مستهترين في المجتمع كله، ولا يريان مانعًا من تدميره وإشاعة الفحشاء فيه، فيمارسان هذه الجريمة علانية؛ فالشهود لابد أن يكونوا أربعة، ولا يكفي أن يرى الأربعة الرجل سائرًا مع المرأة، أو خاليًا بها في بيت منعزل، أو في سيارة، أو ما شاكل، بل لابد من رؤية الفعل الجنسي بشكله الكامل، فإذا تردد أحد الشهود أو اختلفت شهادته، فلا تثبت الجريمة ولا يعاقب المشهود عليه، بل يعاقب الشهود بحد القذف، وهكذا.

فرسول الله (صلوات الله وسلامه عليه) الذي وصفه الله (تعالى) بقوله: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (التوبة:128)، هذا النبي الرؤوف الرحيم، الذي لا يرضيه بحال من الأحوال أن يرى بشرًا في شقاء أو عذاب أو عقوبة؛ ولذلك فقد ثبت عنه أنَّه (صلوات الله وسلامه عليه) لم يشهد بنفسه إقامة أي حد من الحدود على ارتكاب أيَّة جريمة من الجرائم التي تدخل تحت مجال الحدود طيلة حياته، نقل ذلك الإمام الشافعي وجزم به، وكذلك البيهقي وغيرهما، كما أنَّه (عليه الصلاة والسلام) كان إذا جاءه من يقر بوقوعه فيما يقتضي إقامة الحد كان (عليه الصلاة والسلام) يلقنه الرجوع في الإقرار، فيقول له إذا جاءه مقرًا بالزنا: "أقلت إنك زنيت؟ قل لا"؛ لأنَّه (عليه الصلاة والسلام) كان يعلم أنَّ من جاءه معترفًا قد تخلَّص من الرغبة في ممارسة الذنب وتاب عنه، وإلا لم يأت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليطلب منه معاقبته على ما ارتكب، فكان ذلك كافيًا عنده (عليه الصلاة والسلام) ليقبل منه هذه التوبة، ويدرأ عنه الحد بتغيير الإقرار، أو بالإنكار، وحين يأتيه من يشهد بأنَّه قد رأى فلانًا يزني، أو يقع في حد من الحدود يقول له: "هلا سترت أخاك".

ولقد رأيت مؤخرًا هؤلاء الذين يلقبون بأعضاء داعش يجلدون في أحد المدن السوريَّة أناسًا تخلفوا عن صلاة الجمعة؛ فجلدوا أحدهم مائة جلدة، وجلدوا الآخر خمسًا وعشرين، ورأينا بعض هؤلاء وآخرين، وهم يذبحون رهائنهم بشكل نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) المسلمين أن يفعلوه بالأنعام التي يذبحونها، ورأيناهم كيف يستعملون سواطير لقطع أكف من يتهمون بالسرقة، ورأينا محاكماتهم التي تفتقر إلى أبسط وسائل الإجراءات القضائيَّة تحكم على الناس بالموت، وبقطع الأعضاء، وبغير ذلك بدون دليل شرعي، وبشكل يدل على الجراحات والانحرافات والعقد النفسيَّة التي يعانون منها، وما ذلك بشرع لله (جل شأنه)، وحاشا الشريعة الإسلاميَّة ــ شريعة القرآن، شريعة التخفيف والرحمة ــ أن تتقبل مثل هذه الصيغ بأي شكل من الأشكال، ويبدو أنَّ هؤلاء جمعوا بين أمراضهم وأمراض حركات وأحزاب ثوريَّة لا تلتزم لا بدين ولا بسلوك قويم، كما أساؤوا فهم الشريعة وروحها وحقيقتها ومقاصدها؛ أساؤوا فهم ما سمعوه أو قرأوه من فقه ينسب إلى بعض أهل العلم أو إلى المذاهب، فجاؤونا بهذا الذي تبرأ الشريعة منه، ويبرأ الله منه ورسوله والمؤمنون.

فكيف حدث هذا؟ وما هي جذوره؟.

إنَّ ذلك يحتاج إلى بحوث متعمقة ودراسات كثيرة، نفسيَّة وتربويَّة، ودينيَّة وأخلاقيَّة، واجتماعيَّة، إضافة إلى المراجعات الفقهيَّة؛ لتكشف عن المنابع التي سمحت لهؤلاء أن يذهبوا في هذه الاتجاهات، اتجاهات العنف المريض، والتطرف الذي لا مسوغ له بحال، وسنعمل على محاولة الكشف عن شيء من هذه الجذور بقدر ما يسمح به علمنا ومعرفتنا، راجين من أهل التخصصات المختلفة أن يولوا هذه الأمور عنايتهم خدمةً للشريعة، وتبرئةً لها من تهمة كونها منبعًا لعنف، أو مشجعًا عليه بحال من الأحوال.

لعل العقوبات التي تتعلق بقطع أعضاء بشريَّة، أو إعدام، سواء بالرمي بالحجارة حتى الموت أو الإعدام بالسيف أو الشنق أو سواها، حين تخلو من ما ينبغي أن يصاحبها من شرح وبيان وتوضيح لما يعاقب جان أو مجرم بهذه العقوبة؛ يسيئ الناس فهمها، ويذهب الأثر العقلي والشرعي الذي لم يُخدم ولم يُستعمل لإيجاد وعي بالعقوبة وحكمتها، ويبقى الأثر الوجداني، وهو أثر قد يكون خطيرًا في كثير من الأحوال، حيث يؤدي إلى الجرأة على الإنسان بكل جسمه وكينونته أو على أعضائه، فيحدث عند البعض تعاطفًا مع المعاقب، ويحدث لدى البعض نقمة على قسوة التشريع، ويحدث لدى بعض آخر جرأة واستهانة بالإنسان وجسمه وأعضائه.

وحينما تتراكم هذه المشاعر نتيجة عدم الوعي بالعقوبة وبحكمتها قد تتسلل الأفكار السلبيَّة إلى الثقافة، فتشجع ثقافة العنف وتفتح المجال واسعًا لها، وتحدث تغييرًا هائلًا في الأجيال التي شاهدت ذلك، ويضيع الهدف التربوي الذي استهدفه قوله تعالى في عقوبة الزانيين: ﴿.. وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النور:2)، فالهدف التربوي كان إحداث وعي بخطورة هذا النوع من الجرائم على الأسر والمجتمعات، وأنَّ هذا النوع من الجرائم يعد في الجرائم المدمرة للقيم والأسرة وروابطها ولروابط المجتمع، فتتسلل إلى الثقافة العامَّة تلك المشاعر السلبيَّة القائمة على عدم الوعي بحكمة العقوبة.

ولذلك، تساءل البعض مستغربًا كيف يجعل الفقه الإسلامي دية اليد نصف دية الآدمي كله، وكانت على أيام أولئك الفقهاء خمسمئة دينار ذهبًا، ثم يأمر بقطعها إذا سرقت وتوافرت شروط السرقة لربع دينار فقط، فقال شاعرهم:

يدٌ بخمس مئين عسجد فديت *** مابالها قطعت في ربع دينارِ

فأجابه أحد الفقهاء بقوله:

عزُ الأمانة أغلاها وأرخصها *** ذلُ الخيانة فافهم حكمة الباري

والذي أغلاها على سبيل الحقيقة كونها عضوًا إنسانيًّا، يتصل بجسم بناه الله على علمه، وأودع فيه كل حاسة أو عضو ليؤدي دورًا، فإذا قطعت تلك الحاسة أو العضو شلت طاقة الإنسان، وضعفت قدرته، وذهب شطر كفاءته، والتساهل في شيء من ذلك يعني تساهلًا بالاعتداء على الغير، وإراقة دمه، وبتر أعضائه، وهو ما لا يسمح الله به إلا بحقه، والقطع في ربع دينار دليل على ضرورة صيانة المال كما تصان النفس، فالمال ضروري للنفس، ولا تقوم الحياة إلا به: ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا﴾ (النساء:5)، فلو تساهل التشريع في أي جزء من المال، وسمح بإهداره، وجعله نهبًا للسارقين دون عقوبة أو بعقوبة غير زاجرة؛ لدمَّر هذا الجزء الضروري من حياة الإنسان. ومن سرق ربع دينار إذا أمِن العقاب؛ فسيسرق الدينار والمائة والمليون ... إلخ.

إذن، هناك توازن أرساه الحكيم الخبير (جل شأنه) بين المال والجسم الإنساني، وبيَّن بمنتهى الحكمة أنَّ قيمة الإنسان بقدر ما يكون له من التقوى، وحسن الخلق، ومخالطة الناس بالحسنى، والحرص على حماية ضروريَّاتهم وحاجيَّاتهم وكماليَّاتهم كما يحرص على نفسه. فإذا حدث وعي لدى الناس بذلك وغيره من حكم التشريع؛ فسوف تؤمن بأنَّ هذه العقوبة هي العقوبة الملائمة والمناسبة والمعادلة والمكافئة لخطورة الجريمة.

واليوم إذ تكثر الاعتراضات على كثير مما سطَّره الفقهاء وتوسعوا فيه، في عصور كان بعض الحكَّام يميلون فيها إلى التوسع بالنظام العقابي؛ لأنَّهم وجدوا فيه ما يساعد على فرض الهيمنة وهيبة السلطة على شعوبهم، وحملهم على الطاعة، وتخويفهم بأنَّ بعض أولئك الحاكمين حين يعاقبونهم، فإنَّما يعاقبونهم لا على المعارضة السياسيَّة، كما هو الحال في مسألة الردة، أو الحرابة، بل على مخالفتهم للشرع، وخروجهم عن طاعة الله، والجماعة وما إلى ذلك؛ ولذلك، فإنَّ الناس اليوم أحوج ما يكونون إلى إعادة الوعي بالقرآن وبالسنَّة والسيرة النبوية، وحِكَم ومقاصد الشريعة، وتبديد الشبهات التي نجمت عن سوء الفهم.

وهؤلاء الذين افتأتوا على الشريعة بفهمهم الناقص، وافتأتوا على الحكَّام المكلفين بتطبيق الشريعة، وعلى الفقهاء، وخبراء القوانين والتشريعات، والخبراء في النظم الاجتماعيَّة والتشريعيَّة؛ ليسوا من تطبيق الشريعة بشيء، فهم لا يدركون حِكمها، ولا مقاصدها، وإنَّما ينفِّسون عن جراحات نفسيَّة، وكبت واحتقان فظيع، وهم يحسبون أنَّهم يحسنون صنعًا، ويطبقون شرعًا، فيقومون بهذه العمليَّات التي تنفر من الدين كله، ومن الشريعة كلها، وتظهر الإسلام وكأنَّه دين لذوي العاهات والأمراض النفسيَّة؛ يستغلونه ويفرضونه على غيرهم بنوع من سوء الفهم والفقه والتعقل، وما ذلك بتطبيق شريعة، بل هؤلاء: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (الكهف:104)، وهكذا وجدنا الإسلام بدلًا من أن يشق طريقه في هذا العصر بالذات، عصر الجفاف الروحي والقلق النفسي، والفتن والاضطراب، بدل أن يشق الإسلام طريقه إلى قلوب الناس ووعيهم وأرواحهم؛ إذا بهم يحوِّلون الناس إلى أعداء له، يستبد الخوف فيهم، مما صاروا يطلقون عليه الإسلاموفوبيا.

يا قومنا، إنَّ التشريعات كلها في القرآن المجيد لم تحتل من مساحته إلا أقل من واحد من اثني عشر، والنظام العقابي فيه جاءت به بضع آيات، وتَوَسُع الفقهاء في الحدود والتعازير، لم يدل القرآن المجيد على كثير منها، فضلًا عن فقهاء هذه الجماعات التي تنسب نفسها إلى الجهاد، وإلى الحركات الإسلاميَّة، وإلى من يطبقون الشريعة، وليسوا صادقين أو واعين بشيء من ذلك، ولعل حملة الخطاب الديني من عقلاء العلماء يلتفتون إلى هذه الناحية، وإلى إعادة بناء هذه المفاهيم البسيطة في عقول وقلوب الناس بوعي قرآني، مثل مفاهيم العبادة، والشريعة، والجهاد، والقتال، والمدافعة، والحدود، وما إلى ذلك، لكيلا تكون "ردة عن الدين ولا أبا بكر لها".