قراءة في كتاب: "العودة للمستقبل: مستقبل السياسة الخارجية المصرية بعد ثورة 25 يناير"

فئة :  قراءات في كتب

قراءة في كتاب: "العودة للمستقبل: مستقبل السياسة الخارجية المصرية بعد ثورة 25 يناير"

أحمد محمد أبو زيد: العودة للمستقبل: السياسة الخارجية المصرية بعد ثورة 25 يناير 2011: رؤية استشرافية. القاهرة: دار ميريت للنشر، 2014


صدر مؤخراً عن دار ميريت للنشر بالقاهرة كتاب جديد للباحث في العلاقات الدولية أحمد محمد أبو زيد عن مستقبل السياسة الخارجية المصرية بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير. ويعتبر هذا الكتاب من أوائل الدراسات النظرية التي تصدت بالتحليل للعلاقة بين الثورات والسياسة الخارجية، مع التركيز على الحالة المصرية.

يحاول المؤلف في هذا الكتاب تقديم إجابة على ثلاثة أسئلة رئيسة، هي:

-ما هي العلاقة بين الثورة والسياسة الخارجية؟ وكيف تؤثر المتغيرات الداخلية (كالثورات والانقلابات) على السلوك الخارجي للدول القومية؟

-هل هناك ارتباط بين نوعية التغيرات التي تحدثها الثورات محلياً والسياسة الخارجية للدول؟ وماهي طبيعة هذا الارتباط؟

-ما هي التأثيرات والتحولات التي قد تحدثها الثورات على الاوضاع الاقليمية في الشرق الأوسط؟ وهل ما حدث في مصر من ثورة شعبية على النظام السياسي الحاكم من ثلاثة عقود ستكون تداعياته على النظام الإقليمي العربي مجرد "هواء ساخن" أم إنها ستحدث "تغييرا جذرياً" في بنية ونمط التفاعلات والعلاقات الاقليمية؟

اعتماداً على مقولات الاتجاه الواقعي الكلاسيكي الجديد (New Classical Realist) والواقعية الهيكلية (Structural Realism) في دراسة السياسة الخارجية والعلاقات الدولية، يقدم المؤلف خلال هذا الكتاب استشرافاً للمسارات المستقبلية المتوقع أن تسلكها السياسة الخارجية المصرية، وذلك بناءً على طرحه لعدد من الفرضياتالتي يجادل عبرها بأن مستقبل السياسة الخارجية للدولة الثورية المصرية والنموذج التحليلي الذي يقدمه سيتوقف على مدى إثبات تحليل الوقائع والأحداث لصحة أو لخطأ هذه الفرضيات. هذه الفرضيات هي كالآتي:

-هناك علاقة طردية بين حالة التوافق الاجتماعي وفاعلية السياسة الخارجية.

-سيتحدد مستقبل السلوك الخارجي المصري على طبيعة بنية النظام الاجتماعي الداخلي.

-السبيل الوحيد لتفعيل السياسة الخارجية المصرية هو العمل على تقوية التفاهم والتوافق المجتمعي.

-مادامت العلاقة بين القوى المجتمعية في مصر غير سلسة، فإن السياسة الخارجية المصرية ستواجه مشاكل جمة في المستقبل.

ينقسم الكتاب إلى ستة فصول بالإضافة إلى المقدمة والخاتمة. في الفصل الأول قام المؤلف بالاستعراض التاريخي للسياسة الخارجية المصرية منـذ قيام الجمهورية المصرية الأولى عقب ثورة 23 يوليو، مروراً بالجمهورية الثانية في عهد الرئيس السادات، وفي الجمهورية الثالثة في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك. ثم تناول أزمات السياسة الخارجية والأزمات الدولية التي كانت تواجه مصر قبيل انفجار ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011، وكيف ساهم تدهور الأوضاع الداخلية والمحلية في تراجع المكانة والنفوذ الخارجي للدولة المصرية، وكانت سبباً في التسريع بوقوع ثورة 25 يناير 2011.

في الفصل الثاني، والذي يعتبر في رأينا الإضافة النظرية الحقيقية للكاتب، ناقش المؤلف بالتفصيل الأطروحات النظرية التي دارت حول تأثير المتغيرات المحلية على السلوك الخارجي للدول. وذلك عن طريق العرض النقدي للجدل القائم بين المدارس الفكرية الرئيسة في حقل العلاقات الدولية والسياسة الخارجية (الواقعية واللليبرالية والبنائية). وبناء على هذه المناقشة المطولة يصل المؤلف إلى الاستنتاج بأن هناك العديد من العوامل التي ستشكل خريطة العلاقات المصرية مع بقية القوى الدولية في مرحلة ما بعد الثورة.

هذه العوامل باختصار هي ما يلي: (1) طبيعة بنية النظام الدولي International Strecture أو ما يعرف بالقطبية الدولية )(Polarity (2 عامل نوعية النظم السياسية Regeime Type التي ستبرزها الثورة. (3) عامل المساعدات الخارجية (Foreign Aids (4 عامل الاستقرار (Stability (5 عامل الخـيارات الوطـنـية (National Choices (6 العامل السادس والأخير من وجهة نظر الباحث هو عامل الأداء الوطني National Profermance، حيث جادل الكاتب بأن درجة نجاح أو فشل الحكومات الوطنية المنبثقة عن التغييرات الثورية في تحقيق الآمال والأهداف التي طالبت بها الجماهير، والتي تستهدف النظام السياسي القائم، سوف يكون له عظيم التأثير على السلوك الخارجي للدولة في مرحلة ما بعد الثورة.

تناول المؤلف في الفصل الثالث أيضا الجدل النظري حول العلاقة بين الثورات والسياسة الخارجية للدول القومية، حيث ناقش الأطروحات القائلة بأن السياسة الخارجية للدول ما هي إلا انعكاس للتحولات الجارية في أنظمتها المحلية (سواء في طبيعة النظام السياسي، نوعية النخبة الحاكمة، النظام الحزبي، دور الرأي العام، الأيديولوجيات السياسية، الثقافة السياسية، والمشاركة السياسية... إلخ)؛ بمعنى أن أي تغيرات (نوعية أو كمية) في طبيعة النظام المحلي سيصاحبها تغيرات في نوعية وطبيعة السلوك الخارجي. من جانب آخر، قام المؤلف برصد التغيرات والتحولات التي تحدثها الثورات على السلوك الخارجي للدول تجاه جيرانها والدول المحيطة بها، خاصة فيما يتعلق بموضوع الحرب والسلام والتوازن الدولي، حيث يقول المؤلف إن التجربة التاريخية والدراسات النظرية للثورات أثبتت وجود ارتباط طردي بين اندلاع الثورات وبين تزايد الميل والاحتمالات بوقوع والانخراط في الحروب والصراعات المسلحة بين الدول الثورية وجيرانها. وذلك من خلال تحليل الثورة من منظور نظريات التوازن الدولي الرئيسة (توازن القوي، توازن التهديد، توازن المصالح، وأخيراً توازن القيم).

في الفصل الرابع من الكتاب، حاول المؤلف إبراز أوجه الاختلاف بين نموذج الثورة المصرية (ثورة 25 يناير) وبقية الثورات والتجارب التاريخية والدولية المشابهة، كالتالي عرضها وناقشها في الفصلين الثاني والثالث، ووصل لاستنتاج يقول بأنه ’’على الرغم من أن التجربة والسجل التاريخي للثورات في العالم على مدى ما يقارب من ثلاثة قرون أو أكثر أثبت أن الدول الثورية دأبت على انتهاج نمط سلوكي متكرر عبر الزمن مهما اختلفت المسببات والتداعيات التي كانت وراء اندلاع الثورات، سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي، إلا أن الثورة المصرية تمثل نموذجاً غير معهود أو مشهود من قبل، بسبب بعض المحددات والمتغيرات الذاتية في بنية الثورة المصرية أو تلك الخارجية المحيطة بها‘‘. من هذه المحددات والمتغيرات التي قد تجعل من الثورة المصرية تمثل نموذجاً متفرداً يختلف عما سبقه وعما سيأتي بعده من وجهة نظر المؤلف (طبيعة السياسة المحلية من حيث هل هي مستقلة أم تابعة للخارج، نوعية النظام السياسي من حيث هل هو ديمقراطي أم تسلطي، دور العسكريين في العملية السياسية، من حيث هل السيادة والغلبة للمدنيين أم للعسكريين على عملية صنع القرار السياسي، دور المواطن في العملية السياسية، من حيث هل هناك احترام لحقوق المواطنيين وتقديراً لدورهم ولمشاركتهم في المجال العام من عدمه، وجود هدف/استراتيجية وطنية من عدمه).

وفي الفصل الخامس، قام المؤلف بتقديم قراءته لمستقبل السياسة الخارجية المصرية في مرحلة ما بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011، وذلك عن طريق توضيح تأثير المتغيرات التي تحدث داخل بنية النظام السياسي والمجتمع المحلي لإحدى الدول على سلوكها الخارجي وطريقة تعاملها مع بقية الوحدات الدولية الأخرى في النظام الدولي. ويقول المؤلف أن التصور الذي يقدمه عن مستقبل سياسات مصر الخارجية وعلاقتها الدولية في مرحلة ما بعد ثورة 25 يناير يجب أن يلاحظ أنه قائم بالأساس على عدة افتراضات مستقبلية/متخيلة، حول شكل التحولات التي ستشهدها مصر والمنطقة العربية والبيئة المحيطة بها، وبأن مدى صحة أو خطأ هذه التصورات يتوجب الحكم عليه وفقاً لصحة أو خطأ الفرضيات التي طرحها وليس وفقاً للأوضاع أو الراهنة أو القائمة، وهو أسلوب منهجي معروف لدى الواقعيين الجدد يسمي بـ"الواقعية الاشتراطية Contingent Realism" وهو أسلوب يقوم فيه المحلل بتفسير الظواهر محل الدراسة ومآلاتها المستقبلية بناء على افتراضات معينة، فإذا ما تحققت الفرضيات أو الاشتراطات التي وضعها المحلل أو الدارس يمكن الحكم علي ما كتبه أو علي ما توصل إليه من استنتاجات. أما في حالة عدم تحقق هذه الافتراضات فتظل الأطروحات التي قدمها محل اختبار حتى اشعار آخر ولعل أشهر من كتب بهذا الأسلوب كلا من كينيث والتز في دراسته عن مستقبل النظام الدولي بعد الحرب الباردة، والبروفيسور جون ميرشايمر في دراسته الشهيرة عن مستقبل توازن القوى في أوروبا بعد 1990 واخيراً وليس آخرا البروفيسور تشارلز غيسللر في دراسته عن مستقبل التعاون الدولي من وجهة نظر المدرسة الواقعية الجديدة، وقد لاحظنا ان المؤلف متاثر جدا برؤية هؤلاء الأساتذة الواقعيين، خصوصاً والتز (الذي وجه له المؤلف الشكر في المقدمة علي جهوده في مناقشته للكتاب) ميرشايمر.

أما عن الافتراضات التي أقام عليها المؤلف تحليله لمستقبل ومآلات علاقات مصر الخارجية بعد الثورة، فهي كالآتي:

-نجاح مصر في التحول لنظام ديمقراطي تمثيلي حقيقي، تكون فيه السيادة للقانون، وحيث الأمة هي مصدر السلطات، وتولي المناصب العامة بالانتخاب.

-بزوغ رؤساء وقادة منتخبون تعبر أجندتهم الخارجية عن الأهداف الوطنية لشعوبهم وتحدد طريقة تعاملهم ونمط علاقاتهم مع بقية دول العالم.

-بدء الدول الثورية في تبني عمليات الإصلاح الهيكلي، وإعادة بناء ما دمرته الأنظمة التسلطية البائدة، واتضاح مدى الصعوبات التي تواجهها عمليات التعمير وإعادة البناء والإصرار عليها.

-عودة القوى الإقليمية لانتهاج السياسات التقليدية مع دول الشرق الأوسط، وبداية بزوغ الانقسامات والاختلافات العميقة في وجهات النظر والمسارات الواجب اتباعها وما ورائها.

-بداية ظهور نظام توازن القوى الإقليمي المركب بين كل من مصر وإسرائيل وتركيا وإيران والسعودية، والتنافس على القيادة الإقليمية وتوسيع نطاق المكاسب النسبية وحماية وصيانة الأمن الوطني لكل منها على حده على حساب الأطراف الأخرى، بما يتسبب في بزوغ مأزق أمني مركب لكافة القوى الإقليمية والدولية المنخرطة في تفاعلات الشرق الأوسط.

-انتهاء عصور المجاملات والسياسات التجميلية ومداهنة القوى الخارجية للنظم الثورية ولشعوبها، وعودة هذه القوى الكبرى إلى السياسات الواقعية، القائمة بالأساس على المصالح المشتركة والحذر وأسلوب المساعدة الذاتية والتدخل في شئون الدول الداخلية.

-ظهور بوادر التراجع التدريجي في حجم القوة والنفوذ الأمريكي على المستوى الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط، نتيجة عجزها عن تحمل أعباء القيام بمهمة القطب الأوحد والمهيمن الإقليمي في كل من أوروبا وشرق أسيا والشرق الأوسط والباسيفكي. ومن جانبآ خر تزايد دور ونفوذ دول القوى الدولية والإقليمية الصاعدة الأخرى خاصة الصين والهند في آسيا وألمانيا في أوروبا، البرازيل في أمريكا اللاتينية، تركيا وإيران ودول مجلس التعاون الخليجي في الشرق الأوسط، وهو ما قد يجر العالم لحرب باردة جديدة، قد تتمخض عن بروز نظام دولي متعدد الأقطاب، أو أن تنجرف الولايات المتحدة في حرب عالمية جديدة ضد الصين من أجل تأكيد هيمنتها العالمية ومنع صعود الصين من تبوّأ مرتبة القوى العظمى.

من هذا المنظور، تطرق هذا الفصل بالشرح والتحليل للتوقعات المستقبلية للسياسة الخارجية المصرية وعلاقاتها مع بعض القوى الدولية والإقليمية، مثل الولايات المتحدة الأمريكية، دول مجلس التعاون الخليجي، إيران، تركيا، وإسرائيل، دون غيرها من القوي الدولية والاقليمية، متجاهلاً فاعلين دوليين مؤثرين، مثل الصين وروسيا والاتحاد الاوروبي وغيرها من القوى الإقليمية، وهذه إحدى النقاط السلبية التي تؤخذ على المؤلف.

في الفصل السادس، (وهو فصل يقول المؤلف بأنه كتبه أثناء الشهور الثلاثة الأولى لتولي مرسي الرئاسة) قام المؤلف بتقديم إطار للسياسة الخارجية لأول رئيس مدني منتخب للثورة المصرية (محمد مرسي) في ضوء الإطار النظري والفكري الـذي تحدثت عنه الدراسة وتناولته بالتحليل التفصيلي، وما هي الفرص والتحديات والبدائل المتاحة أمامه لتحقيق الأهداف والمصالح الوطنية المصرية. وكذلك ناقش المؤلف المعوقات والتحديات التي يمكن أن تقف في وجه إدارة الرئيس مرسي، وتمنعه من تحقيق أي إنجاز على مستوى السياسة الخارجية أو حتي على المستوى الداخلي، وكيف يمكن لهـذه التحديات تهديد أمن الدولة المصرية ووجودها ذاته في حال تفاقمها وخروجها عن نطاق السيطرة.

في الفصل السابع (وهو الفصل الوحيد الذي يقول المؤلف أنه كتبه بعد موجة يونيو 2013 الثورية) قدم المؤلف قراءة استشرافية لمستقبل الصراع السياسي والاجتماعي في مصر بعد سقوط مشروع الإسلام السياسي ــ بقيادة جماعة الإخوان المسلمين ــ الـذي كان سقوطه نتيجة لفشل إدارة الرئيس محمد مرسي في إدارة التحديات والأزمات الداخلية والخارجية، وتحديداً مسألة فشله في إقامة تحالف اجتماعي وإيجاد حالة من التوافق المجتمعي بين مختلف أطياف العملية السياسة المصرية، وإصراره ـ وجماعته ـ على انتهاج أسلوب الاستئثار بالسلطة والقوة السياسية وعدم المبالاة بالمطالب والاحتجاجات الشعبية المتكررة والمتزايدة خلال السنة التي تولى فيها الحكم، وتداعياته الاستراتيجية على السياسة الخارجية المصرية وعلى الأوضاع الإقليمية في الشرق الأوسط بوجه عام، وكيف سيؤثر ذلك على مستقبل الدولة المصرية والمنطقة خلال العقود القادمة.

في الفصل الختامي، قام المؤلف بتقديم إسهام نظري آخر بتطرقه لما يعرف في أدبيات الدراسات الاستراتيجية والأمنية بـ ’’الاستراتيجية الوطنية العليا Grand Strategy‘‘ وقيامه أيضا بوضع تصور كامل عما يعرف بالمصالح الوطنية المصرية، وهو المفهوم الذي يتكرر كثيراً في وسائل الإعلام والدوائر الأكاديمية والرسمية دون أن يكون له وجود حقيقي أو فعلي، حيث قام المؤلف بوضع قائمة من هذه المصالح الوطنية تضم تسعة مصالح وطنية عليا. ثم قام بمناقشة التحديات والفرص المتاحة أمام الثورة المصرية، وعن طريق المقارنة بين الاستراتيجيات الوطنية العليا المتاحة والممكن اتباعها في المستقبل، قام المؤلف بوضع بدائل استراتيجية يمكن الاختيار من بين أفضلها وتوضيح فائدتها ومميزاتها أمام صانع القرار السياسي الخارجي المصري، وكيف يمكن أن تسهم هذه الاستراتيجيات في تنفيذ هذه المصالح وإعادة تبوّء مصر لمكانتها الإقليمية الجديرة بها، كدولة لا غنى عنها كما يصفها المؤلف.